السيد الرئيس في رعاية الخطة!

حجم الخط
0

فجأة غرق الممرض أحمد، الذي كان يتمدد على سرير المرضى في القسم الخلفي من سيارة الإسعاف. غرق بنوبة ضحك مجنونة عندما سمع كلمة «الخطة» التي ترددت مرات كثيرة من لاسلكي سيارة الإسعاف المتصل ببرج المراقبة في المشفى. كل عدة دقائق يصيح برج المراقبة:
– يا رقم خمسة هل تسمعني. حوّل.
فيرد السائق ببرود يزداد مع تقدم الوقت:
نعم أسمعك. حوّل.
يا رقم خمسة هل تنفذ الخطة؟ حوّل.
من رقم خمسة إلى برج المراقبة. يتم تنفيذ الخطة حول.
منذ أن أطلق الممرض أحمد أول ضحكة على كلمة «الخطة» قبل ساعة. صار يكرر الضحك كلما سمع الكلمة، بل يزداد ضحكه كل مرة. ثم أصابنا بالعدوى فبدأنا نضحك أيضاً عندما نسمع كلمة «الخطة». في المرة الأخيرة انتابته نوبة ضحك كادت أن تفقده وعيه. وبعد أن تعب من الضحك سحب نفساً عميقاً. ثم نهض من اضطجاعته. قال بغضب:
يلعن.. الخطة أكاد أموت جوعاً.
نظر إلى الساعة ثم تابع:
اقتربت الساعة من الثالثة والنصف.
فتح السائق جهاز اللاسلكي وبدأ يتحدث إلى برج المراقبة.
– من رقم خمسة إلى البرج، هل تسمعني؟ حوّل.
نعم أسمعك. ماذا تريد يا رقم خمسة؟ حوّل.
من رقم خمسة إلى البرج. نريد أن نأكل نحن نتضور جوعاً. حول.
يا رقم خمسة. بعد قليل ستذهبون إلى مطعم فندق القرداحة وتأكلون. إياك أن تغادر موقعك قبل أن أعطيك تعديل الخطة. حول.
أقفل السائق جهاز اللاسلكي ووجه شتيمة غليظة لبرج المراقبة:
أخو… منذ ساعتين وهو يقول لنا بعد قليل ستذهبون لتناول الغداء في الفندق.
أما الممرض أحمد فقد عاودته نوبة الضحك بشكل هستيري، بعد أن اكتسب سبباً إضافياً، فصار يضحك على «الخطة» وعلى «تعديل الخطة». ثم فجأة توقف عن الضحك. نزل من السيارة وبدأ يُعد الشاي على موقد الغاز الذي أحضره معه. لقد حسب حسابه لهذه الظروف.
لكن السائق لعن.. و.. الشاي، هذه عاشر مرة نشرب الشاي. وهنا فجّر الممرض أحمد المفاجأة. دخل إلى سيارة الإسعاف من جديد ليخرج حاملا كيساً من النايلون الأسود لا أدري أين أخفاه. طلب مني أن أستغني عن الجريدة التي كنت أقرأ بها ففعلت. مدها على أرض سيارة الإسعاف من الخلف. وشرح أن البرد في الخارج قارس جداً لذلك لا يمكن أن نتناول الطعام خارجاً. بدأ يفرد محتويات الكيس. بضع حبات من البطاطا المسلوقة، عدة بيضات مسلوقة أيضاً، بندورة وخيار وبصل. أما المفاجأة الكبرى فقد أتت في النهاية، نصف ليتر من العرق. التفت السائق بذهول إلى الخلف وشتم الممرض أحمد:
يا أخو… لم تركتنا جائعين كل هذا الوقت؟
عاد الممرض أحمد للضحك من جديد:
لأنك كنت تنتظر أن تُطعمك «الخطة».
ضحكت… أما السائق فلم يُضع الوقت، فتح الباب ونزل من السيارة ودار حولها ليصعد من باب سيارة الإسعاف الجانبي، وفعلت مثله بعد أن غمزني الممرض أحمد. كان الجو في الخارج بارداً بشكل لا يحتمل. بسرعة حوّل الممرض أحمد كاسات الشاي إلى أقداح وسكب العرق ثم أضاف الماء. رفع كأسه إلى الأعلى، وقال:
بصحتكم وصحة الخطة.
غرقنا بالضحك. شعرت بانتعاش عوض كآبة هذا اليوم. قشرت حبة بطاطا، ثم وضعتها على رغيف خبز مع بيضة مسلوقة وهرستهما معاً. ثم رششت الملح والفلفل فوقهما وبعدها قطّعت بعض قطع البندورة. لقد حسب الممرض أحمد حساب كل شيء. رد معلقاً على ملاحظتي الأخيرة.
أنسيت أن هذا يومنا الثالث على الطرقات.
كانت الخطة تقتضي أن تنتشر سيارات الإسعاف في كل الطرقات المؤدية إلى هذه المنطقة الجبلية المحيطة بالقرداحة طالما السيد الرئيس حافظ الأسد موجود هنا ليستقبل الوفود التي جاءت لإحياء الذكرى السنوية الثانية لفقيد الوطن المهندس المظلي الرائد الركن باسل حافظ الأسد، ولأن الوطن فقده في شهر كانون فقد كان البرد قارساً لدرجة التجمد في هذه المنطقة الجبلية، التي لم يكن أحد يعبر طرقاتها. وها نحن نرابط لتنفيذ الخطة منذ الخامسة صباحاً على هذا الطريق الجبلي المعزول. كل ذلك احتياطات مبالغ فيها ولا حاجة لها على الإطلاق. فمن ذا الذي سيمر بهذا الطريق الجبلي ثم يحتاج إلى سيارة إسعاف، لكنها الخطة! ملأ الممرض أحمد الأقداح من جديد وبدأنا نشرب ونأكل على مهل. بعد أن فعلوا بالبطاطا والبيض مثلما فعلت.
علّق السائق أنه لم يشاهد زوجته منذ ثلاثة أيام. فرّد عليه الممرض أحمد ضاحكاً، وقد بدأ الكحول يلعب برأسه:
لا بد أنها تتمناك أن تبقى تُنفذ الخطة إلى الأبد لترتاح منك وتتفرغ لشؤونها.
وغمزني بعينه. رد السائق بحدة:
هل تظن أن زوجتي مثل زوجتك.
قال الممرض أحمد:
كلهن متشابهات.
وانقبضت ملامحه. إذ تذكر أمراً يحاول نسيانه منذ سنوات. لقد خانته زوجته فطلقها. توتر الجو فتدخلت سريعاً. قلت:
افتح اللاسلكي لنرى ماذا حل بالخطة.
نهض السائق وتناول جهاز اللاسلكي:
من رقم خمسة إلى برج المراقبة. هل تسمعني؟ حول.
نعم يا رقم خمسة أنا أسمعك، ماذا تريد؟ حول.
من رقم خمسة إلى البرج. الشباب يسألون ماذا حل بالخطة؟ حول.
من البرج إلى رقم خمسة الخطة بخير. حول.
غرق الممرض أحمد بالضحك من جديد وهذه المرة بشكل أكثر عنفا بسبب الكحول.
الخطة بخير. طمنونا عنكم.
و كما بدأ الضحك بشكل مفاجئ توقف عنه فجأة، وسأل بجدية:
هل نحن زبالة؟
نظرت إلى السائق، الذي ينحدر من بيئة موالية للنظام، بطرف عيني. فلاحظت انقباض ملامح وجهه، إذ استشعر الخطر من كلام الممرض أحمد. فقال ضاحكاً:
هل سكرت يا أصلع.
وضع الممرض أحمد كأس العرق على أرضية السيارة الحديدية، ورد بجدية – لا صدقني أنا أسأل بجدية. هل نحن زبالة؟ منذ يومين وأنا أفكر بجواب لهذا السؤال. في اليوم الأول كنت أحسب أننا حيوانات، أو على وجه أكثر دقة كلاباً. لكنني تذكرت أن أصحاب الكلاب لا يتركون كلابهم دون طعام أو شراب من الصباح حتى المساء، لذلك اقتنعت بأننا لسنا كلاباً أو حيوانات. ماذا نكون إذن؟ فكرت لا بد أننا زبالة. الزبالة وحدها هي التي ترمى بهذا الشكل على قارعة الطرقات.
خبط السائق أرض السيارة بقدمه فارتجت. وقال:
-هل تعرف يا دكتور إن عملنا هذا مجاني لن نتقاضى مقابله ولا حتى قرشا واحدا.
كان احتجاجه هذا محاولة منه لإغلاق الملف الذي فتحه الممرض أحمد.
هززت رأسي وشرحت له أن وضعي مثل وضعهم لكن ليوم واحد فقط فغداً سيحل مكاني طبيب آخر، أما هم فباقون ينفذون الخطة طالما بقي السيد الرئيس في القرداحة. ملأ الممرض أحمد أكواب العرق من جديد و سكب الماء فوقها، وقال من جديد:
بصحة الخطة.
ضحكنا. لكن في تلك اللحظة سمعنا صوت سيارات تقترب فعدّنا إلى أماكننا بسرعة بعد أن جمعنا بقايا الطعام وخبّأنا الكحول. وخلال ثوان مرّ موكب السيد الرئيس، عدد لا نهائي من السيارات وفي نهاية الموكب. سيارة إسعاف، يُقال إنه لا يتحرك دون سيارة إسعاف في موكبه منذ مرضه الشهير في الثمانينيات. لقد حدثت المعجزة وانتهى كل شيء فها هو السيد الرئيس يغادر القرداحة لا بد أنه ذاهب إلى دمشق. بان الارتياح علينا نحن الثلاثة. فتح السائق جهاز اللاسلكي.
من رقم خمسة إلى البرج لقد انتهت الخطة. حول.
و لم ينتظر أن يسمع جواب البرج، بل أغلق جهاز اللاسلكي على الفور. أما الممرض أحمد فما إن سمع بكلمة الخطة حتى عاوده الضحك ولم ينتظر ابتعاد الموكب، بل أخرج أقداح العرق من تحت سرير المرضى حيث خبأها. غب كأسه دهقة واحدة. بعدها فتح الباب ونزل إلى منتصف الشارع. نظر جهة مغادرة الموكب وكان ما يزال يلمح رتل السيارات. أخرج عضوه و بدأ يرسم ببوله دوائر على الإسفلت، وهو يصرخ:
عاشت الخطة.
و كان موكب السيارات الرئاسية قد غاب عن الأنظار.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية