السيد عربي يشككنا بالتاريخ وصدام يشيخ في ضيافة الأكراد!

حجم الخط
0

توفيق الحاج

ليس من عادتي السهر كثيرا فقد تخليت عن هذه العادة منذ حكم علي بالزواج المؤبد مع الشغل والنفاذ ولكني كنت مضطرا للسهر حتي أول ساعات صباح يوم الخميس الماضي لاسترضاء أم العيال بعد سوء تفاهم عارض بسبب سياساتي السكر زيادة مع الاولاد! سي السيد قد ولي إلي غير رجعة فأصبح حالنا معشر الرجال المحترمين يستوجب أخذ دورات مكثفة في السياسة الدولية وادارة العلاقات مع الجنس الاخر وصولا إلي مرحلة مستقرة من التعايش السلمي.. في ظل طقس قاري متقلب من الفيتوهات المفاجئة والنيران الصديقة والخرق السافر لحدود الذكورة أحيانا ومع ذلك مطلوب منا دائما التمسك بمبادئ عدم الانحياز التي تتحول تدريجيا إلي الانصياع للهيمنة الكبري والرضوخ للامر الواقع.

رب ضارة نافعة.. فبعد أن أنجزت مهمتي بصعوبة شديدة فكرت في جولة سريعة علي القنوات الفضائية لعلي أتصبح بوجه هيفا أو أحظي بابتسامة نانسي خلسة وبعيدا عن ايواكس المدام.. وكان إن استوقفتني قناة العربية ببرنامج أيام السيد عربي فقضيت معه ساعة ليوصلني مشكورا إلي السحور.

في هذا البرنامج الوثائقي شدتني الفكرة وهي علي بساطتها تقدم الأحداث التاريخية من 1942 ـ 2005 من خلال شخصية حقيقية لبائع ورد مصري عربي أصيل ايمان درويش ويؤدي مونولوجاته الداخلية صوت الإعلامي أحمد حسني ويحرك العمل بحنكة وحرفية عالية المخرج أحمد خضر وقد بديء في إنتاج العمل من حزيران (يونيو) 2004 وانتهي في تشرين الاول (أكتوبر) 2005 وقد عرضت أولي حلقاته قبل شهرين ثم توقف لأسباب لا يعلمها إلا الله ثم قناة العربية.

والحلقة التي شاهدتها تستعرض بالصور الأرشيفية النادرة واللقاءات مع الشهود المعنيين مرحلة من أدق وأخطر المراحل التي عاشتها مصر والعرب وهي فترة ما بعد عبد الناصر وتولي السادات الحكم مرورا بالمسميات المضحكة المبكية، مراكز القوي.. وثورة مايو التصحيحية.. وعام الحسم والضباب!

وللحق فان ما يعرضه المخرج علينا من صور قيمة مع تعابير السيد عربي ومونولوجه لهو تكنيك جديد يستبيح الذاكرة الخاصة لكل عربي منا ويجلسنا صامتين أمام شهادات متعددة ومتباينة فيما يشبه محاكمة لحقبة تمتد من النكسة إلي عبور تشرين الأول/أكتوبر والقاضي الموضوعي اليقظ في ضمير كل عربي يستطيع أن يكتشف بسهولة أن كثيرا من التاريخ المصنوع والمغلف برداء الحاكم يحتاج إلي إعادة نظر وكتابة من جديد.

وأعتقد اني ومن شاهد هذه الحلقة قد تأكدت لدينا قناعات أولها: أن السادات خاض بدهاء صراعا سياسيا ناجحا مع معارضيه الناصريين ممن سماهم بمراكز القوي بمساعدة من قوي داخلية وخارجية!! مستغلا قدرته الفائقة علي التمثيل، والخطابة التحريضية لاستمالة الشعب لصفه ولو علي حساب الحقائق. وثانيها:

إن السادات كان مضطرا للدخول في الحرب بعد إن أوضحت له أمريكا بجلاء عن طريق سفيره في واشنطن د. أشرف غربال إن ليس أمامه إلا ان يحرك الماء الراكد! . ولا شك أنه يحسب للسادات تاريخيا انه صاحب قرار العبور الذي استطاع من خلاله الجيش المصري رد الاعتبار ولو توفرت الارادة القوية للسادات لمواصلة الحرب لربما كان انتصار الجيشين المصري والسوري أعظم وأروع! ومع ذلك فاني لا أميل إلي ما يردده البعض من إن حرب أكتوبر لم تكن إلا مسرحية، فلا دليل دامغا علي ذلك عدا عن انه ينتقص من عظمة أداء الجيش المصري وقيادته. وقطعا فان التاريخ الحقيقي الموثق بالأدلة والبراهين سينصف مستقبلا أو يدين شخوص المرحلة وهذا ما تحاول أيام السيد عربي أن تلقي الضوء عليه.

محاكمة.. شاهد ماشافش حاجة بالامس صممت علي أن أضحك مهما كانت النتائج حتي لو تشقق وجهي العابس المتيبس من فرط ما تفعل عوامل التعرية اليومية لأن مستوي النكد أرتفع فيما يبدو في دمي بشكل حاد مما قد يؤدي الي نوبة قهرية مفاجئة تظهر أعراضها في تصرفات حيوانية من عض ورفس وتصرفات بشرية من صراخ وشتم، خاصة عندما أشاهد مسلسل الفلتان الفلسطيني المثير!! أو عندما أتابع أخر تقليعات المؤامرة المدبرة للفتنة بين سنة وشيعة العراق من حرق وتدمير متبادل للمراقد والمساجد التي تدين بدين واحد وقبلة واحدة، ومن قتل وسفك دم يومي للشعب العراقي وصل حتي الآن الي 655 الفا حسب فاتورة محايدة..!! كانت أمامي فرصة لالتهام سلطة خضراء من المسرحيات الكوميدية العربية لعادل امام ودريد لحام علي سيد زيان وفؤاد المهندس ومدبولي وفعلا أمسكت بشريط مسرحيتي المفضلة وجهزته في وضع الاستعداد وشغلت التلفزيون العجوز وأخذت أقلب المحطات بشكل روتيني من باب التسخين.. استوقفني منظر لقاعة محكمة فظننت أن عرض الفيديو قد بدأ ولكن دهشتي تكاملت عندما وجدت ان المنظر تعرضه قناة فضائية عربية من أم عراقية وأب أمريكي..!! دققت النظر فاذا بالقاضي ليس هو القاضي والمتهم ليس هو المتهم والشاهد ليس هو الشاهد..!! دققت النظر أكثر بحثا عن سرحان عبد البصير و خلف خلف خلاف المحامي فاذا بي أتعرف علي أبطال مسرحية كوميدية جديدة تعرض هذه الايام وتعودنا علي مشاهدة فصولها الهزلية بين الفينة والاخري. تأملت ملامح صدام التي تغيرت كثيرا باتجاه الشيخوخة وبدا الامر طبيعيا في كرم الضيافة الشيعية والكردية تحت رعاية أمريكية..!! وتأملت سحنة القاضي الجديد الذي لا يضحك للرغيف السخن ونظراته التي لا تشي بخير ويكاد ينطق بقرار الحكم المعد سلفا في كل جلسة وهو مقارنة بالقاضي القديم المخلوع والمتهم بتدليع صدام ورفاقه أكثر مما يجب يبدو متحلفا و متشنجا وأمينا جدا مع طلبات منتجي المسرحية المهزلة بحيث تفوق علي قضاة شاهد ماشافش حاجة الكوميدية بقفشاته وحركاته العصبية.. أخذت أتفرج مغالبا نفسي من ضحك كالبكاء علي الصراخ المتبادل بين قاض متحفز ومتهمين غاضبين بعضهم جر جرا الي القاعة بالملابس الداخلية في غياب تام للمحامين!! ولست أدري كيف تقبل تلك الملهاة دولة كأمريكا لطالما صدعت رؤوسنا باسطوانة زعامتها للعالم الحر وانتصارها للديمقراطية وحرية الشعوب.. ؟ نعم.. ان محاكمة كهذه تليق بسمعة أمريكا السيئة وبجرائمها البشعة في فيتنام وتشيلي وافغانستان والعراق.. و.. و… وان محاكمة كهذه تتناغم مع ابداعات امريكا المتتابعة في غوانتانامو وأبوغريب..!! والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه بتجرد وحياد أي محكمة هذه التي يختبئ فيها الشهود فلان بن فلان وعلان بن علان وراء ستارة.. ؟!! أي محكمة هذه التي يطرد ويضرب فيها علنا المتهمون والمحامون.. أمام قاض يتلمظ نقمة وغلا؟!! أنا لست هنا في موقع الدفاع عن صدام أو غيره فقد ارتكب ما ارتكب ويجب أن يحاكم ولكن من حقه أن يحاكم بطريقة محترمة وعادلة وأمام قضاة محترمين..!! ولكن ليعلم من لا يعلم بدون سفسطة أو تنظير ان هذه المهزلة انما هي بالدرجة الاولي عقاب سياسي بارادة أمريكية وتنفيذ عراقي مبتذل لنظام حكم تجرأ وخرج علي النص وكان بامكانه مع قليل من المداهنة والخضوع أن يكون شرطي المنطقة..!! فأمريكا لم يكن يهمها أبدا ما فعل صدام في العراق ابان عهد الرضا بل وشاركته ما فعل وغطت علي ما اقترف ولكن ما كان يهمها ومازال من كل زعيم عربي هو الانصياع التام وغير المشروط لرغباتها وهذا مالم يفعله صدام.. ويدفع ثمنه الان بالعملة الصعبة.

ولا أبالغ ان قلت ان تصريحا واحدا من صدام في حينه يغازل فيه اسرائيل كان كفيلا بانقاذه مما أعد له.

ان مايجري في هذه المهزلة المسماة بالمحاكمة انما هو درس أمريكي بليغ لكل عربي ومسلم بأن لايتجاوز حدود رسنه وان تجرأ و هو هو بما لا يرضي فمصيره كما يقول العندليب في قارئة الفنجان مفقود.. مفقود.. مفقود..!! كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية