كان اسمه السيد كامل، ولا ادري ان كانت له كنية مثل باقي معارفنا وزوارنا، لأننا كنا نلقبه فقط بالسيد كامل.
هل كان صديقنا، ام ضيفنا؟ لم افهم تماماً، لكنني أدركت انه كان اهم من رئيس الوزراء في بيتنا. فمجيء رئيس الوزراء اليومي لعندنا في الساعة الخامسة من كل مساء لم يكن يربكنا أبدا، وهو يصعد الدرج الحجري ببطء الى الطابق الثاني، مع مرافقته التي اقتصرت على قطة جيراننا البيضاء ذات الوبر الطويل، التي كانت تقوم بالواجب وتنتظر معه على عتبة الباب، لتعود الى أصحابها متى اطمأنت انه قد همس ‘يا الله!’، ودخل.
لم يكن على بابنا جرس، ولم يحلُ لرئيس الوزراء ان يطرق بـ’الدقاقة’ النحاسية قارعة الصوت، رغم صغر حجمها، والتي أخذت شكل يد أنثوية بخاتمها المحفور على الأصبع، وكانت ربما من ابتكار عمال صنعة النحاس من أهل دمشق اليهود، بصحنها المدور الذي عُلقت فوقه، لتسمع طرقتها فوق ضجيج حاراتنا القديمة التي عرفت التعايش المشترك. وقد اتت طارئة الى شارع ابو ذر الغفاري في حي السبع بحرات، بحوزة اخت رئيس الوزراء سلوى الغزي، من بيتهما العربي العريق في منطقة المناخ في سوق ساروجة.
طاب للانتداب الفرنسي ان يبني شارعه الحديث الضخم هناك، المصمم بمكر الغازي لكي يكسر عنفوان تلك المنطقة المسماة بـ’اسطنبول الصغيرة’، بسبب رونق خاص أتاها من علاقة أهلها الوثيقة بالباب العالي. وسرعان ما انفزر الشارع، بوسط باحة احد اقدم بيوت دمشق، بيت القاضي عبد الوهاب الغزي، فأصبح أبناء وبنات الدار من النازحين الى شقق أوروبية الطراز في مناطق مبعثرة من دمشق الجديدة. وقد بدا ما تقاسموه من أثاث البيت الأصلي سريالي الهيئة في الغرف الصغيرة التي تاهوا اليها، والتي لم تكن قادرة على ابتلاع حجم الخزائن المصدفة التي جاءت عبر الأجيال مع كل عقد قران (يفوح من داخلها طيب ‘ترابة حلب’)، ولا استقبال المرايا التي كان تاجها اشمخ بكثير من السقوف التي لم تُصنع لها، فقعدت مفككة عن بعضها البعض، كما فكك الفرنسي لُحمة العوائل، بشرخ الأخ عن الاخت، وابن العم عن العمة.
فبقي البلكون، الذي لف شقق الحداثة من بناء ثلاثينات القرن الماضي، وحده القادر على البوح عن ما تبقى من تراث الأحياء الدمشقية الأصلية، سواء داخل السور ام خارجه. وكان بلكون جدتي، سلوى الغزي، مفتاح سرها، لانها عملت طوال سنين لكي تجعله يتحلى بكل ما أحبت في الحياة، ويعوض بعض الشيء عن كل ما خسرت. والخسارات كانت تتوالى عليها وعلى عائلتها بكثافة. فقريبها فوزي الغزي مثلا، ذلك المحامي النابغة، واضع اول دستور نموذجي في العالم العربي، اغتيل عن طريق قصة درامية مفبركة، وهو ما زال في العشرينات من عمره، لانه رفض ان يضيف على دستوره البند الذي أصرت عليه فرنسا، لفرض احتلالها بالحبر والنار على بلاد الشام. وقد هبت دمشق لتحية هذا الشاب المغدور به، والذي كان من أوائل وأرقى خطباء النواة التي أصبحت تعرف بـ’الكتلة الوطنية’، فأقيمت له جنازة شعبية لم تبصر المدينة مثلها من قبل.
كان قتل فوزي الغزي محاولة فاشلة لإخماد جمرة الثورة عند الشعب السوري، الذي لم يكن يعرف آنذاك معنى الصبر الطويل المذل على الطغاة. وحين بلغتنا فاجعة موت الاقتصادي الكبير الدكتور عمر عزيز في سجون بشار الاسد القذرة، وكان صديق طفولتي عمر متحدراً أيضاً من سلالة عبد الغني النابلسي وفوزي الغزي، وضعت صورته الى جانب صورة لاجتماع سياسي كبير عُقد في باحة بيت جدّي، توفيق القباني، حيث يظهر الطفل نزار (الذي سيصبح الشاعر الشهير) وهو جالس بين الضيوف الكبار، يستمع معهم لكلمات واضع دستور الحرية، الذي لم يطبق بعد في اي بلد عربي. وسوف ادرك ان الاحتلال الجديد اخطر علينا بسنوات ضوئية من نقمة الجنرال غورو البائسة على صلاح الدين الأيوبي، محرر القدس الحقيقي، لا ذلك الممانع المرتزق والمقاوم الفاشي لإرادة الملايين من السوريين.
كنت اصطحب جدتي في الصباح لكي نتفقد معاً ما نبت اثناء ساعات نومنا. فكانت تريني كيف كبر قليلا عنقود الحصرم، او تعلمني أين اكبس على أزهار نبات ‘تم السمكة،’ لكي تحكي سر البحار البعيدة عن مدينتنا. كنا نعد معاً براعم الفل المطبق الذي كان كنز النساء الشاميات، اللواتي كن يهدين ما تفتح منه للعزيز الغالي. وكان يصل على دراجته الى مدخل البناية، ويرى في استقباله سلوى خانم تحمل له فلة، فيأخذها بيده اليسرى (لأن يده اليمنى كانت مبتورة عند الكوع)، ويحضر بسرعة البرق إبرة الإنسولين التي لم تكن جدّتي تخاف سواها، فيغرزها في العضل وهو يسمي بالرحمن، ويبتسم ابتسامته الخجولة. وحتى هذا اليوم لا اعرف ديانته أو مذهبه، ولا كم كان عمره، ولا كيف اختفى هؤلاء الطيبون من الدمشقيين الفقراء، صاحب السمعة العطرة، الذي كان دخوله على بيتنا اهم من كل ملوك الارض أجمعين.