مكان وسط الزحام.. سيرة ذاتية بين المتعة والكشف

قد تبدو قراءة السيرة الذاتية ممتعة ومشوّقة للقارئ، فيما قد تكون مُعذِّبة ومؤلمة لكاتبها، الذي يروي فيها تفاصيل حياة كاملة بحلوها ومرّها. إنها نوع من البوح أمام الجميع، وقبله أمام النفس، طالما أراد الكاتب أن يرويها بصدق، بدون أن يحذف منها ما قد يخجل منه. السيرة الذاتية هي نوع من الكتابة السردية، يجذب القارئ إليه، وربما بحث عنه القارئ الذي يريد أن يفيد من تجارب الآخرين، سواء أكانوا أدباء أم فنانين، أم سياسيين أم غيرهم. إذ هناك من يكتب سيرته الذاتية، بحثًا عن شهرة وذيوع صيت، لما قد تتضمنه من أحداث ومشاهد مسكوت عنها، ويقوم هو بتعريتها للجميع. وهناك من يكتبها، ولا هدف له سوى أن يبوح بما في جعبته ليتخلص مما قد يجثم على صدره، جراء كتمانها. وهناك من يكتبها لينقل تجربته الشخصية، إنسانية كانت أم إبداعية، ليفيد منها الآخرون.

إصرار ومثابرة

لولا إصراره على دخول المدرسة، لأصبح عمار علي حسن أجيرًا مكسور الظهر في حقول الفلاحين، أو عامل تراحيل ينتظر من يطلبه لأداء عمل ما، أو تاجر حبوب، فيما كان والده يتمنى له أن يصبح محاميًا شهيرًا، أو قاضيًا. منذ بدايته وعمار علي حسن يواجه الصعاب: أبوه الذي لم يكن متحمسًا لدخوله المدرسة، نطقه حرف الراء ألفًا، كتابته للكلمات مقلوبة الحروف، نسيانه أدواته في أي مكان يجلس فيه. هذا ما يعرفه قارئ سيرة عمار علي حسن، التي صدرت حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية تحت عنوان «مكان وسط الزحام… تجربة ذاتية في عبور الصعاب».
عمار علي حسن المتمرد الذي كان تلميذًا متواضع المستوى حتى الصف الثالث الابتدائي، أصبح بعد ذلك تلميذًا متفوقًا ذائع الصيت، وكان من أوائل الثانوية العامة بقسمها الأدبي، لم ينفذ طلب والده بدخول دار المعلمين ليصبح مدرسًا، بل التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. هنا يقول الكاتب إنه كان يعمل في الحقول وبنايات المدن، كي يوفر جزءًا من نفقات دراسته في الجامعة، مساعدًا أباه الذي أثقلت كاهله نفقات أخوته الآخرين. وهو طفل كان وقت حسن موزعًا بين المدرسة والحقل ولعب كرة القدم، وكان أبوه يقول له «لا أريدك أن تحني ظهرك أمام أحد، فأنت ستصير أفضل منهم جميعًا». أصعب شيء تعرّض له عمار وهو صغير هو درس القمح في القيظ، وري الأرض فجرًا في شهر طوبة.

يؤكد الكاتب أن السياسة، رغم أنها أعطت تجربته عمقًا وذيوعًا، فإنها جرّت عليه متاعب جمة، أقلها التعمية على كتاباته الأدبية لسنوات، وهو الذي يرى الأدب أحب ما يكتبه إلى نفسه.

ما أعجبك أيتها الحياة! الطفل الذي كان يعمل في الحقول لجمع دودة القطن من على أوراق نبات القطن، صار بعد ذلك، بإصراره ومثابرته، مفكرًا وكاتبًا وروائيًا، يكتب أوراقًا ينير بها دروب الآخرين. في سيرة عمار علي حسن نجد أشياء كثيرة يستفيد منها القارئ في حياته، يقول عمار إن الحظ إن أتى، عليك أن تلتقط خيطه وتديره بوعي وذكاء ودأب وإصرار، خاصة وأن هناك من يواتيه الحظ فيبدده ولا يختلف حاله عمن غرقوا في بحار سوداء من النحس.

أفكار خيالية

عمار يؤكد هنا أيضًا أن من ليس له حظ كبير سينتصر، إن أحسن التعامل مع القدْر اليسير الذي تجود به الأيام عليه، وإذا أتعب ذهنه في التفكير والترتيب ودراسة الخيارات والاحتمالات، والمفاضلة بينها بوعي. عمار الذي تعلم من الدومينو أن الحظ يحتاج إلى إدارة واعية، تعلم من كرة القدم أن بذل الجهد الفائق وارتفاع الروح المعنوية المستمر والإخلاص في الأداء، بوسعه أن يغلب أي موهبة متكاسلة أو متعالية أو مغرورة. هنا أيضًا لا ينسى عمار فضل باعة الكتب القديمة عليه، إذ كانت يده مغلولة عن شراء الكتب الجديدة، ورغم شغفه بالقراءة إلا أنها لم تمنعه من أن يشارك أقرانه ألعابهم، بعد أن تخلى عن توحده وعزلته. وهو في طفولته، وباستثناء يوم العيد، لم يكن ينخرط في الألعاب، وكان يفضل الاختلاء بنفسه لساعات في حديقة جده ليغرق في أفكار خيالية، كانت تأخذه من نفسه، وكان يتملكه وقتها شعور غامض بأن له دورًا ينتظره في هذه الحياة، وعليه أن يسعى خلفه ولا يضل الطريق. كانت عزلة عمار وأطواره الغريبة، تجعل الآخرين يرونه طفلاً طيبًا، وبعضهم أطلق عليه لقب «شيخ». ومرددًا حكمة أننا نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل، اعتاد ألا يقف طويلاً أمام طعام، وأن يأكل ما يجده، بدون أن تكون له طلبات خاصة.
سيرة عمار علي حسن ملأى بمشاهد عديدة منها المؤلم، المحرج، المفرح، ومنها ما يبث الأمل، وما يصيب بالإحباط، وحياته مكتظة أيضًا بالتمرد والشغب والسعي وراء تصحيح الأوضاع الخاطئة، وهو الذي كان يأمل في إنشاء حزب معارض. عمار الذي يرفض أن يهينه أحد يعتبر أن المعرفة قوة في وجه التسلط والطغيان، وقد تعلم في الجيش الانضباط والوصول إلى الهدف من أقرب طريق، وقوة التحمل، والعمل تحت ضغط شديد، وبعد أن خرج منه وتعامل مع المؤسسات المدنية وجد على رأس كل منها جنرالاً يتصرف فيها وكأنها عزبة ورثها عن أبيه، ما جعله يواصل تمرده ومقاومته. عمار علي حسن عزيز النفس الذي أورثه تعففه وكبرياؤه، متاعب لازمته منذ صغره وصعدت معه في أيام العمل إلى أقصى حد، يراه أصدقاؤه والمحيطون به طفلاً كبيرًا.

صائد النهار

هنا أيضًا يؤكد الكاتب أن السياسة، رغم أنها أعطت تجربته عمقًا وذيوعًا، فإنها جرّت عليه متاعب جمة، أقلها التعمية على كتاباته الأدبية لسنوات، وهو الذي يرى الأدب أحب ما يكتبه إلى نفسه. الكاتب أيضًا يعتبر الكفاح من أجل الحرية والعدل والكرامة والكفاية واجبًا لا يمكنه التخلي عنه، وتبقى محاولته في محاربة النهج العشوائي في التفكير والتدبير، لها ما يبررها في بلد كان في حاجة ماسة إلى «ثورة فكرية» قبل أن يقوم أهله بـ«ثورة سياسية». عمار يختتم سيرته الممتعة هذه قائلاً إنه، ورغم كل ما جرى في نهر حياته من مياه غزيرة، لا يزال يرى نفسه عامل التراحيل الذي عليه أن يكدح طويلاً حتى يحصل على القليل، ثم يحمد ربه عليه، رافضًا كل ما يأتيه بلا عرق أو كد، وزاهدًا في ما هو بيد غيره، وساعيًا قدر استطاعته إلى أن يمشي على الأرض هونًا، لكن لخطوه علامة.
عمار علي حسن أوصى أسرته أن تأخذ نسخة من كل كتبه لتدفن إلى جواره، وأن يُكتب على شاهد قبره، الوصف الذي أطلقه عليه رجل ذو علم وبصيرة، هنا يرقد صائد النهار. وبعد.. «مكان وسط الزحام» كتاب يحتوي على تجربة ثرية للغاية لكاتب ومفكر مرموق، لم يجد أدنى حرج في ذكر بدايته البسيطة، التي قد يخجل منها كثيرون، أو يقومون بتجميلها كذبًا، كي يوهموا الآخرين أنهم أبناء عز منذ نعومة أظفارهم. جميل صدق عمار علي حسن وبساطته، ورائعة كتابته التي تجعل منه كاتبًا متفردًا سواء أكتب أدبًا أم فكرًا أم سياسة.

٭ شاعر ومترجم مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية