بيروت ـ “القدس العربي” من ناظم السيد: ظهرت الرواية والسيرة العربيتان المعاصرتان في وقت متزامن. وإذا كانت الرواية العربية نالت شيئاً من الشهرة العالمية، فإن السيرة ظلّت أسيرة المجتمع المحافظ. من النادر أن نجد سيرة عربية مثيرة للاهتمام علي غرار سير الكتّاب الغربيين أمثال كزنتزاكس وهنري ميلر. لا يزال أدب الاعتراف محرّماً في العالم العربي باستثناء قلة خرقوا هذا الحظر أمثال محمد شكري ورؤوف مسعد وعبد القادر الجنابي. لكنَّ العالم العربي ـ مع ذلك ـ ينوء بسيرته. هنا يرمي المجتمع بثقل قضاياه علي الكتابة الأدبية. قضايا المرأة، الحروب، السجون، الاستبداد، المنفي، التحولات الديموغرافية… كلها عناوين تشكّل خريطة للروايات والسير العربية. لكن تصاعد الفردية التي تبدو نوعاً من الانشقاق، وخفوت القضايا الكبري في العالم العربي، ساهما في إبراز الحياة الهامشية والخاصة في الأدب. هكذا راح الكتّاب العرب يكتبون سيرهم في روايات مختفين تحت أسماء شخصياتهم الروائية.
في المغرب العربي تمثل الكتابة عن الذات تقليداً في الأدب الحديث والمعاصر كما رأي الباحث التونسي بوشوشة بن جمعة في كتابه اتجاهات الرواية في المغرب العربي. وهذا ما أكدته الروسية سفيتلافا براجوغينا في كتابها حدود العصور حدود الثقافات الذي تدرس فيه عدداً كبيراً من روائيي المغرب العربي بينهم الطاهر بن جلّون، رشيد بوجدرة، عبد الكبير الخطيبي، مرغريت طاووس، كاتب ياسين، مالك حداد وغيرهم. وفي دراسة لعبد الإله الصائغ وجد أن رواية الوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي هي سيرة ذاتية له ولأصدقائه. أما عبدالله إبراهيم فرأي أن الربيعي يستثمر جانباً من السيرة الذاتية في روايته خطوط الطول…. خطوط العرض، إذ يتكوّن النص من الوصف المتدرّج لنشأة الشخصية الأساسية، غيّاث داود، وتكوّنه الجسدي والنفسي… . وهذا ما ينطبق علي نجل الفقير للجزائري مولود فرعون و شارع الطبّالين لمارغريت طاووس و الدار الكبيرة لمحمد ديب و قرية البروق لعلي بومهدي و الذاكرة الموشومة لعبد الكبير الخطيبي التي ترصد طفولته وشبابه وسنوات دراسته في مراكش وفرنسا و حرودة للطاهر بن جلّون التي تبدو نوعاً من سيرة ذات وسيرة مكان (مراكش). حتي ان محمد شكري اصطحب ذات مرة المستشرق الياباني نوتا هارا ليريه الصهريج الذي وصفه في الخبز الحافي حيث عاش طفولته في طنجة. أما الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق التي تعيش في لبنان، فتصرّح بأن رواية مزاج مراهقة لا تخرج عن الأحداث الحقيقية التي جرت لها أو لبعض الأصدقاء، في حين أن تاء الخجل اعتمدت علي وقائع لفتيات مغتصبات نُشرت قصصهن في الصحافة الجزائرية. لكن الفاروق التي تناولت الرواية النسائية في الجزائر في رسالة الماجستير الجامعية، وجدت أن الروائيات كلهن تتقاطع حياتهن مع ما كتبن. في مصر حيث كان الناس لفرط إحساسهم بالتاريخ والزمن يحنّطون موتاهم ويدوّنون سيرهم ويصنعون تماثيلهم من البازلت والغرانيت، امتزجت الرواية بالسيرة حتي عند أكثر الروائيين برودة وحياداً في تصوير الحياة. منذ الرواية الأولي مطلع القرن العشرين، زينب، تطابقت وتماثلت السيرة الخاصة مع الرواية. في هذه الرواية يتقاطع المؤلف محمد حسين هيكل مع بطلها حامد، خصوصاً التأملات الفكرية التي تقتحم مسار السرد وتعوم فوق الأحداث. وبعدها بسنوات تبيّن أن إبراهيم المازني هو نفسه تقريباً إبراهيم الكاتب في الرواية التي تحمل الاسم نفسه. ويمكن المقارنة من خلال السيرة التي وضعها المازني بعنوان قصة حياة. أما طه حسين الذي كتب سيرته في الأيام بضمير الغائب، فقد عاد وضمّن سيرته مواربة في روايته أديب، في حين بدا توفيق الحكيم أكثر تخفّياً في أعمال مثل عصفور من الشرق، يوميات نائب في الأرياف. وقد نشر الحكيم سيرته الذاتية بشكل مباشر في سجن العمر. حتي نجيب محفوظ الذي باح متأخراً بـ أصداء السيرة الذاتية، ترك جانباً من شخصيته في الثلاثية، أولاد حارتنا، اللص والكلاب، ثرثرة فوق النيل و حب تحت المطر. ويذكر حامل نوبل لجمال الغيطاني في كتابه نجيب محفوظ يتذكر أن شخصية كمال عبد الجواد في الثلاثية هي الكاتب نفسه: جزء كبير من نفسي يتمثّل في شخصية كمال عبد الجواد… إن أزمة كمال هي أزمتي، وجانب كبير من معاناته هي معاناتي. وعلي طريقة نجيب محفوظ الواقعية، لكن الشعبوية كتب طبيب الأسنان علاء الأسوني روايته عمارة يعقوبيان التي طُبعت ثماني مرات وتحوّلت فيلماً سينمائياً. وقد كتب الروائي اللبناني إلياس خوري مقالاً عن نسخ الأسواني روايته عن ميرامار محفوظ في ملحق صحيفة النهار الثقافي ( 8 تشرين الأول/ اكتوبر 2006). المهم في الموضوع أن عمارة يعقوبيان تعيد كتابة الواقع بلا أدني خيال وبلا تعميق للشخصيات التي تقدّم بالطريقة الجاهزة التي تقدّمها بها الأفلام المصرية الشعبية. العمارة نفسها حقيقية، الشارع، الشخصيات والأحداث. حتي ان ابن الصحافي المثلي في الرواية حاتم رشيد، رفع دعوي ضد الرواية والفيلم. إذا كانت رواية يا بنات الإسكندرية لإدوار الخرّاط، شكّلت خلفية لحياته، و الحب في المنفي لبهاء طاهر تحيل علي المؤلف، فإن رؤوف مسعد كتب سيرته بكل ما فيها من انتهاكات في رواية بيضة النعامة. إنها سيرة لجسد المؤلف المنتهك بالعلاقات الجنسية السوّية والشاذة. وحده الجسد يطغي علي الرواية منذ الطفولة الي المنفي الي السجن. أما صنع الله إبراهيم فكتب روايتين تتضمنان شيئاً من تجربته مع السجن هما تلك الرائحة و شرف. وكذلك فعل روائيون مصريون تعرّضوا للسجن بينهم نجيب الكيلاني في مواكب الأحرار و اعترافات عبد المتجلّي و رحلة الي الله، وفتحي غانم في حكاية تو، وفتحي فضل في الزنزانة التي تحكي تجربة الكاتب مع السجن بسبب نشر وترويج رواية علاء حامد غير المرخّص بطبعها. هناك أدب عربي كامل عن السجون والاستبداد من عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط الي ياسين رفاعية في الرجال الخطرون الي شاكر حصباك في البصقة الي نبيل سليمان في السجن الي فاضل العزاوي في القلعة السوداء، وإن كان هذا الأخير يمزج ما بين الواقعي والسحري، الحقيقي والأسطوري في معظم رواياته. إذا تركنا مصر واتجهنا الي بلاد الشام سنجد أن الواقع نفسه يُعاد إنتاجه في اعمال روائية، وتحديداً التجربة الشخصية في هذا الواقع. من هؤلاء حنا مينا الروائي الملتزم بإيديولوجيا والذي يمكن تصنيف رواياته ضمن الواقعية الاشتراكية. مثلاً، كرم أحد شخصيات الربيع والخريف عاش في المنفي وعمل مدرّساً في بودابست وفي إذاعتها، كما حوّل شقته الي متحف ضم مجموعة كبيرة من المقتنيات الأثرية والتحف واللوحات التي جلبها معه من الصين. هذه الشخصية دفعت الناقد مراد كاسوحة يقارن بينه وبين المؤلف الذي عاش أيضاً في بودابست. ويذكر مينا في كتابه هواجس في التجربة الروائية كيف عمل عام 1967 في الإذاعة ببودابست، وقبلها في جامعة بكين… . وفي تعليقه علي شخصية جوزيف في رواية الثلج يأتي من النافذة يقول كاسوحة إن جوزيف الذي يتنمّر علي زوجته ويهينها، ولا يترك مناسبة إلا ويسخر منها، لا يجد غضاضة من التفاخر الدائم بثوريته، ولا يخفي إعجابه بالقديس بولس الذي اتخذه كمثل أعلي للثورية. ثم يورد بعض أقوال جوزيف: لقد تعلمت من بولس أشياء كثيرة، وعلي طريقته تقيأت الفتور، وأصبحت حاراً، أصبحت ثورياً. ويذكر الناقد أن مينا نفسه قال في إحدي رسائله لأنك لست بارداً ولا حاراً تقيأتْك نفسي. وكذلك ورد معني مشابه في هواجس في التجربة الروائية: البطل يجب أن يكون بارداً وحاراً، أما أن يكون فاتراً، فإن نفوس القرّاء تتقيؤه. في كل حال، الصلات التي حاول كاسوحة إقامتها بين حياة حنا مينا وأدبه، تفصّله الباحثة السورية ماجدة حمود في دراستها التي نشرتها في مجلة الموقف الأدبي بعنوان الرواية النسوية السورية وخصوصية الخطاب: المتأمل للرواية السورية منذ الخمسينات الي التسعينات، يلاحظ أن أكثر التقنيات الروائية المستخدمة فيها، هي تقنية اليوميات والرسائل، يتجلي فيها صوت البطلة ممتزجاً بصوت المؤلفة عبر ضمير الغائب. وتعطي الباحثة أمثلة عدة منها الحب المحرّم لوداد سكاكيني، أيام معه لكوليت خوري، الوطن في العينين لحميدة نعنع. والأمر نفسه ينطبق بطريقة فنية أكثر مواربة علي صيادون في شارع ضيّق لجبرا إبراهيم جبرا الذي وضع سيرته الذاتية في البئر الأول، و الروائيون و سلطانة لغالب هلسا بحسب عبدالله إبراهيم. أما الكاتب منصور الحازمي فيري في مقدمته التي وضعها للجزء الخاص بالرواية من موسوعة الأدب السعودي أن رواية فكرة لأحمد السباعي تتقمّص شخصية المؤلف وأنها أشبه بالترجمة الذاتية، رغم أن الشخصية الرئيسية في الرواية امرأة، وكذلك رواية ثمن الحرية لخالد دمنهوري صورة طبق الأصل لشخصيته… وأقرب الي السيرة الذاتية. أما روايتا إبراهيم الناصر ثقب في جدار الليل و سفينة الموتي فلهما طابع السيرة. ويظن الحازمي أن شخصية فؤاد في شقة الحرية لغازي عبد الرحمن القصيبي هي الروائي نفسه. ويضاف الي هذه الروايات المحاكمة للكويتية ليلي العثمان. أما حاتم الصكر فقد فصّل التشابه بين الروائي اليمني حبيب عبد الرب سرور وبين بطل روايته دملان في دراسة قصيرة. ويبدو التشابه في العمر والمهنة والأمكنة التي عاشا فيها. حتي دملان وعاصمتها تنكاء أو تنكا تحيل لفظاً علي اليمن وعاصمتها صنعاء أو صنعا. ويشير الي لوحة الغلاف التي تظهر صنعاء وبواباتها وعماراتها. كأن الغلاف يرد هذا العمل المتخيل الي أصوله الواقعية. في لبنان أيضاً كتب الروائيون جانباً من سيرهم. الحي اللاتيني و الخندق الغميق (اسما شارعين في بيروت) و أصابعنا التي تحترق لسهيل إدريس تتضمن شيئاً من حياة الكاتب. علي سبيل المثال، فإن المشيخة التي يذكرها إدريس في الخندق الغميق، يوردها في سيرته الذاتية ذكريات الأدب والحب. أما رواية ليلي عسيران أنا أحيا فهي عمل يوثّق حياة هذه الروائية المتحررة التي عانت بسبب هذه الرواية. كذلك حنان الشيخ، ولا سيما في روايتها الأخيرة حكايتي شرح يطول التي تسرد فيها سيرة الأم والعائلة. بدوره يعيد حسن داوود في روايته بناية ماتيلد حكاية القاتل إبراهيم طرّاف الذي قتل ماتيلد وابنتها قبل أن يُعدم لاحقاً. روايات داوود الأخري توثّق حياة العائلة: سنة الأوتوماتيك هي رواية المؤلف وأبيه وعمه، أيام زائدة هي رواية جد المؤلف، لعب حي البياض هي رواية أم المؤلف. أما محمد أبي سمرا فيقول إن روايته الأولي بولين وأطيافها كانت عن أمه، ورواية الرجل السابق كانت عن صديق، ورواية سكان الصور تتضمن شيئاً من سيرته. الولد في الرواية هو الروائي نفسه والأخ هو أخوه والأب أبوه. لكن أبي سمرا يعتبر أن الروائي هو من يستطيع إيجاد مجري لغوي يدل علي حقيقة العالم وزمنه. دائماً نقول السرد. السرد لا يصنع رواية بل الزمن اللغوي الذي يكون لصيقاً بزمن السرد نفسه. كما أن الرواية مجموعة سير قد تكون سيرة لشخصية أو لحادثة أو لنمط حياة وعلاقات وأزياء وأمكنة. من جهتها، ترفض علوية صبح المقولة التي تزعم أن المرأة لا تكتب إلا عن نفسها، وأن سيرة كل بطلة من بطلاتها هي سيرتها الشخصية. وتعطي صبح مثالاً روايتها مريم الحكايا التي ترصد حياة الجنوبيين بدقة في القري الجنوبية أو أثناء هجرتهم الي العاصمة وضواحيها وروايتها دنيا. في هاتين الروايتين الشخصيتان الرئيسيتان هما مريم ودنيا، لكنهما مختلفتان كلياً، متسائلة ما هي سيرتي الذاتية هذه التي تتقنّع في عملين تختلف سيرة بطلتيهما؟ (الجدير ذكره أن هذه التصريحات سبق أن نشرتها ضمن تحقيق في صفحة فكر فن أدب في صحيفة النهار اللبنانية). لكن الطيب صالح يذكر في إحدي محاضراته، أنه في زيارة له الي قريته في شمال السودان، اجتمع حوله أهله وقالوا: سمعنا أنك بقيت كاتب كبير. نريد أن تسمعنا شيئاً مما تكتب. عندئذ نادي أحد تلاميذه وطلب منه أن يقرأ شيئاً من عرس الزين. وبعدما انتهي قالوا له مستغربين: والله يا هو دا كلامنا ذاتو لكن فيهو شوية لولوة. فقال الطيب صالح: هذه اللولوة هي التي يسمونها الفن. ورغم أن صالح ينفي عموماً وجود السيرة الذاتية في أعماله بالمعني الدقيق للمصطلح، إلا أن النقّاد رأوا تشابهاً بينه وبين بطل روايته موسم الهجرة الي الشمال مصطفي سعيد، وذلك بالمقارنة مع علي الدرب ـ مع الطيب صالح ـ ملامح من سيرة ذاتية.
والحال، فإن الكتابة بـتأويلاتها ورموزها ودلالاتها ورحابتها وضيقها تأتي من ذلك العالم الصغير، عالم الذات الذي يتكّون من آلاف الآخرين، عالم العائلة الغني بسبب حميميته والتصاقنا به، عالم الشارع الذي يعرض تنوّعاته مجاناً، عالم الكتب والأصدقاء والعلاقات والعمل. لهذا ليس من المستغرب أن يقوم عالم روائي كامل علي طفولة روائي. لكنَّ الروائي الناجح يستعمل اللغة ليخفي لا ليصرّح. الروائي متظاهر بالصمت بينما اللغة تثرثر وحدها في إحالة علي عبارة هايدغر اللغة تتكلمني بدل أنا أتكلم اللغة. وأختم بخبرية موثّقة عن آلن روب غراييه، أحد أبرز ممثلي الرواية الفرنسية الحديثة القائمة علي التداعي اللغوي ونظرية موت المؤلف وتحاشي أي أثر شخصي في العمل الأدبي. في حوار أجرته معه مجلة الكرمل (عدد رقم 30 العام 1988)، أنكر غراييه كل ما قيل عن حكاية موت المؤلف والرواية الجديدة. وقال إن الأمر لا يعدو كونه خدعة سببها رولان بارت وشارك هو نفسه فيها. ويتابع قائلاً إنه لم يكتب يوماً إلا عن نفسه. حتي أشهر رواياته الغيرة التي كانت مادة للنقّاد الحداثيين، يقول عنها إن البيت الموصوف بدقة هو نفسه الي حد ما ذلك البيت الذي سكنته في فورد دو فرانس. والرواية كلها تجربة حقيقية. لكني كنت الجار لا الزوج.