القاهرة ـ «القدس العربي»: “الله يرحمك يا مبارك” دعاء كلما سمعه كل متعاطف مع ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني أو داعم للسلطة الراهنة استشاط غضبا.. غير أن الدعاء ذاته بات ينتشر على لسان ربات البيوت وكثير من المترددين على الأسواق، بسبب الغلاء الذي يكتوي بناره الجميع.. وأمس الأربعاء 26 أكتوبر/تشرين الأول، تبادل الكثيرون صورا لمجهول يقتحم حشدا من المواطنين التفوا حول جمال مبارك عند حضور جنازة محامي أسرته فريد الديب، وقام بتقبيل يده وسط ارتفاع أصوات بعض الحاضرين “ربنا يخليك يا ريس”، ما أثار دهشة الكثيرين سواء من خصوم السلطة أو أنصارها إذ يتساءل هؤلاء عن حالة الجدل التي يتسبب فيها ظهور نجل مبارك.. واحتفت صحف أمس بتوصيات المؤتمر الاقتصادي والوعود الصادرة عن الحكومة بينما سعى الرئيس السيسي لتوضيح مزيد من الحقائق للمواطنين قائلا: “واضح أن الدولة غير قادرة على تحسين تعليم 25 مليون طالب، ونستهدف حل مشاكل أخرى بجانب التعليم، وعندما يصل دخل الدولة إلى تريليون دولار سنويا نستطيع نحسن التعليم لأن تريليون دولار يساوي 19 تريليون جنيه، وفي هذا الوقت نخرج تريليون جنيه للتعليم، وليس 250 مليار، ونستطيع أعطاء المدرس أجر جيد، ونأكل الأولاد بشكل جيد وننظم أنشطة جميلة رياضية وفنية وغيرها”. وتابع: “لا بد أن نكون كلنا على قلب رجل واحد، ونغَنى دون ما نخطف من دولة، لكن نخطف من فضل ربنا، وكذلك نحتاج الكثير من أجل الصحة”.. وبدوره علق الدكتور محمد معيط وزير المالية، على كلمة الرئيس السيسي، التي تحدث فيها عن أن الظروف الراهنة تحتاج إلى أن يكون مرتب المواطن 10 آلاف جنيه كحد أدنى، ليتمكن من العيش بصورة طبيعية. وقال معيط إنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن ارتفاع التضخم يسبب مشكلة في الأسعار ما يؤثر في المرتبات. وأضاف: «الحكومة تواجه تحديات في ظل الظروف الحالية، منها ما تحدث عنه الرئيس اليوم عن ضرورة خلق مليون فرصة عمل سنويا، وحديثه عن الـ10 آلاف جنيه كحد أدنى للمرتبات». ومن التقارير الأمنية: أمر النائب العام باتخاذ إجراءات التحقيق في المنشورات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي المنسوبة لمن يُدعى «البرنس المصري»، والمتضمنة ازدراء بالدين المسيحي، حيث رصدت إدارة البيان في مكتب النائب العام تداول منشورات ومقاطع مرئية عبر مواقع متعددة يظهر فيها شخص لُقب بـ«البرنس المصري» تضمنت ارتكابه عدة جرائم، منها استغلاله الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة والإضرار بالوحدة الوطنية.
كان المطلوب أن أسكت
أدلى الرئيس السيسي بتصريحات حظيت باهتمام واسع، أكد خلالها أنه يعلم الكثير من الخبايا والأسرار، قائلا: «التاريخ كله عندي.. أنا كنت رئيس جهاز استخباراتي، ومسؤول عن الأجهزة الأمنية، في ظل فترة مهمة وعصيبة، وعارف كويس الأسد كانت بتعمل أيه». وأضاف خلال اتصال هاتفي مع برنامج «التاسعة» المذاع عبر شاشة «الأولى»، مساء الأحد، أن دور الإعلام يتمثل في صناعة سياق فكري لدى المشاهدين، متابعا: «فيه ناس بتتكلم الآن، مكانتش تقدر تتكلم زمان، كانوا دبحوهم في الشوارع». ووجه رسالة للبعض؛ أن كثيرين خشوا مواجهة النظام القائم عام 2013، متابعا: «أين كنتم آنذاك، مكنش حد يقدر يرفع صوته لولا الجيش القوي القادر، أنا كنت شاهد عيان على كل شيء على عكس آخرين لم يكنوا في المشهد». وأوضح أن الجيش تفانى في حماية الوطن، مشيرا إلى تضحيات الشهداء الذين قدر عددهم بـ3000 شخص وأكثر من 13 ألف مصاب، مشيرا إلى سيناريو تخريبي شديد كاد يؤثر في الوطن ويدفعه إلى الحرق. واستطرد: «كان المطلوب مني أسكت، واتحط على الدماغ، وأنا معملتش كده، واستغرق الأمر 8 سنوات لحين ما خلصت على قواعدهم، وهذا ليس منة ولكنه دوري وواجبي».
وزير سناتر
ما زالت أصداء تصريحات وزير السناتر (التعليم سابقا) كما أطلق عليه يحيي قلاش نقيب الصحافيين الأسبق تتوالى.. وتابع الكاتب في “المشهد”:
بدلا من أن يشغل الوزير نفسه باختيار الطريق الصعب لنهضة التعليم الذي هو مقدمة لا غنى عنها لنهضة المجتمع كله، وإخراج العملية التعليمية من غرفة الانعاش – باعتباره أحد الكوادر المزمنة في الوزارة – فاجأنا جميعا بتصريحات كارثية تحت قبة البرلمان، حاول أن يتخلص بموجبها من جثة منظومة شارك في قتلها وذلك برميها عرض الطريق، بل نصب نفسه وزيرا للسناتر وجابيا للضرائب. نحن أمام جريمة متكاملة الأركان، ارتكبها مسؤول عن التعليم على مدى عقود، كان مشاركا وداعما ومصفقا، بل إن ما انتهينا إليه كان هو من صانعي بداياته. نعم حدث هذا عندما شارك على مدى عقود في عملية هجرة المدارس وتفريغها من الطلاب لحساب السناتر، وعندما تم تصميم التعليم لتخريج طالب أمى، وعندما تم تقنين عمليات الغش الفاضح باعتماد لجان خاصة لأبناء “الأكابر” في محافظات بعينها، وعندما تم إعدام المعلمين ماديا ومعنويا، وعندما تم تجاهل تحذيرات الخبراء واستبعاد أفضل وأهم الاستشاريين، وعندما سلموا أن التعليم أفضل بلا تربية وبلا حياة وتحول إلى مجرد برشامة امتحان، يملك مفاتيحها ملوك السناتر والدروس الخصوصية وشهادات توزع حسب الطلب، وكل على قد دمه. قائمة الاتهامات طويلة وتنتظر فقط مثول وزير السناتر الذي كشف أخيرا عن دوره لوصول الحال من التربية والتعليم إلى هذا البؤس المبين وليس أمام الوزير بعد هذه القائمة الطويلة – إذا كان مسؤولا سياسيا عن ملف التعليم – إلا تسليم نفسه للعدالة للتحقيق والمحاسبة، بدلا من محاولاته التي يستعين فيها بالمبرراتية والمستشارين المؤجرين أو بعض أقلام باعت ضميرها.
اعقل يا حجازي
كلما حاول الدكتور رضا حجازي الدفاع عن موضوع ترخيص مراكز الدروس الخصوصية، تورط فيه أكثر وأكثر، وقال كلاما يصفه سليمان جودة في “المصري اليوم” بأنه لا ينطلى على عاقل. ومما قاله على سبيل المثال وهو يحاول تبرير الترخيص، إن عائده المتوقع سوف يتم إنفاقه على المدرسين لتحسين أحوالهم.. ولا تعرف كيف نطق الرجل بهذا الكلام العبثي؟ وكيف يتصور أنه من المقبول إنفاق عائد نشاط غير مشروع، مثل الدروس الخصوصية، على نشاط مشروع يمارسه المدرسون في المدارس؟ هل تساوت المدارس في نظره مع السناتر إلى هذه الدرجة؟ إن الوزير يرغب من وراء هذا كله في «بيع» الفكرة للناس، ولكنه يعرف بينه وبين نفسه على الأقل، أن الفكرة مرفوضة كليا من أولياء الأمور، الذين أرهقتهم مراكز الدروس الخصوصية كما لم يرهقهم شيء. ولكن المثير للتساؤل في موضوع ترخيص السناتر من أوله إلى آخره، هو موقف الدولة مما يقوله وزير التربية والتعليم، الذي كلما جرب تبييض وجه الموضوع في عيون الناس، ازداد الموضوع سوءا واكتسب خصوما في أرجاء المجتمع فوق خصوم. إن التعليم في كل أحواله سياسة دولة، لا سياسة وزير، والمفهوم أن تسارع الدولة إلى مراجعة وزيرها في ما يقوله، خصوصا إذا كان ما يردده يستفز الناس لأبعد حد، ويصطدم بما هو مستقر في البلد عن المدرسة باعتبارها المكان الوحيد للتعليم.. هذا في الحقيقة أمر مستقر في العالم على اتساعه وليس لدينا وحدنا، ولا يمكن أن نفترق عن العالم إلى هذا الحد، فنقرر أن تكون السناتر مكان التعليم لا المدرسة؟ لا يجوز أن تلتزم الدولة الصمت في مسألة في هذه الخطورة، ولا يجوز أن يظل الوزير يستثير أولياء الأمور بحديثه المتكرر في الأمر، بينما الدولة صامتة ترى وتراقب وتسكت. الموضوع أخطر من أن يُترك للوزير وحده، حتى لو كان الوزير الذي نقصده هو الوزير المسؤول عن ملف التعليم في مجلس الوزراء.. إننا نتكلم عن تعليم في بلد كبير، ونتكلم عن وزير يأخذ التعليم في البلد إلى مجهول لم يؤخذ إليه من قبل، ونتكلم عن مستقبل لهذا التعليم إما أن يكون أو لا يكون.
خطوتان إلى الوراء
المنظومة التعليمية في بلادنا، كما يراها الدكتور خالد محسن في “الجمهورية” ليست مجرد وزارة أو قرارات وزارية أو مجموعة من المدارس أو قاعات لتلقي الدروس، وإنما هي منظومة متكاملة الأوجه والأبعاد، فيها المعلم والمنهج، الوسائل التعليمية، التقنيات الحديثة، الأنشطة الطلابية، ونظم التدريس والبيئة المدرسية، ولا يختلف اثنان على أنه لو أحسن القائمون على العملية التعليمية التخطيط الاستراتيجي الفعال، واستثمار المدخلات الجيدة، فسيأتي الحصاد مثمرا وزاخرا ومزدهرا. البيئة المجتمعية أو النسق الاجتماعي العام، والثقافة التعليمية المتوارثة مكون أساسي ومهم من مكونات النظام التعليمي، وهي بيت القصيد، التي ألقت ظلالها السلبية على قضية الدروس الخصوصية، فأمست إشكالية معقدة متشابكة، استعصت على عدد من وزارات التعليم من قبل، رغم أن الطرف الأصيل فيها والمتسبب الأساسي هم أولياء الأمور أنفسهم، مع إصرارهم على عدم التخلي عن ثقافة الدروس الخصوصية لتجاوز المراحل التعليمية، والحصول على الشهادات بأي ثمن، علاوة على تراجع مستوى التعليم العام في العديد من المدراس. ورغم الجهود التي بذلتها الدولة في الآونة الأخيرة للارتقاء بالمنظومة التعليمية، وإيجاد حلول عملية للمشكلات التعليمية المزمنة والمستجدة، فإن حال التعليم في بلاد المحروسة، ما يزال يسير خطوتين للأمام وخطوة للخلف، وأحيانا خطوة للأمام وأخرى للخلف، فالحمل ثقيل جدا، متخم بتحديات وموروثات ومعوقات جمة، ينأي عن التصدي له الشم الرواسي. كما أن الزيادة السنوية المطردة في أعداد طلاب المرحلة ما قبل الثانوية التي اقتربت من 26 مليون طالب، وأربكت جميع الحسابات والتقديرات، وتحتم علينا التريث والتكاتف، فالمسؤولية جماعية ومشتركة لسبر أغوار هذه التحديات المتزايدة.
فشل تلو آخر
أثار قرار وزير التربية الدكتور رضا حجازي بإيجاد آلية لتقنين مراكز الدروس الخصوصية ردود أفعال واسعة وجدلا كبيرا في الشارع المصري، وتوجسا مشروعا من تلاشي دور المدرسة تدريجيا، وربما إلى حد الاندثار. وقد فجع البعض بالقرار، كما أوضح الدكتور خالد محسن واعتبروه أمرا صادما، وأن الوزارة أعدمت الوسيلة، ويئست من إيجاد حلول مبدعة وبدائل للعنة ظاهرة الدروس الخصوصية التي طفت علي السطح في السنوات الأخيرة، واستفحلت، وأصبحت مرضا فتاكا يهدد المنظومة التعليمية بأسرها، ويحبط تطلعات واستراتيجيات تطوير التعليم التي أعلنتها الدولة، التي تعتمد على تنمية روح الابتكار والإبداع والتفكير الناقد. هناك عدد من الحقائق المهمة ربما يسهم إدراكها والوعي بأبعادها في إيجاد الحلول الناجزة، وربما الناجعة، لا ينكرها إلا كل مغرض، أولها أن قرار الوزير جانبه الصواب، وكان من الأنفع دراسة الموضوع من أبعاده كافة، وإجراء حوار مجتمعي شامل، ولو تطلب الأمر عقد مؤتمر متخصص لدراسة ومناقشة ظاهرة الدورس الخصوصية، وإيجاد مخرج لتغيير هذه الثقافة المجتمعية المتوراثة، وتغيير الصورة الذهنية عن التعليم الحكومي، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعودة الطلاب للمدارس. ومن الحقائق أيضا أن الدولة تسعى لتطوير التعليم الحكومي وتحسين بيئته لا لتقويضه والتخلص منه، بدليل نجاح المدارس اليابانية والتجريبية والقومية، أما التعليم الخاص، فله ضرورة مجتمعية لاستيفاء حاجة فئات مجتمعية قادرة على تحمل نفقاته، أما التعليم الموازي سواء أكان دروسا خصوصية في المنازل أو في السناتر فيهتم بالنتيجة ولا يكترث بالجوهر، ويعتمد أصحاب المجموعات الخاصة، “السناتر” على فكرة حشو الأذهان والتلقين والحفظ، ولا هم لهم إلا جمع المزيد من الأموال، وجذب الكثير من الزبائن. ومن الحقائق أيضا الفشل الذريع للمجموعات التعليمية في المدارس خلال السنوات الأخيرة لأسباب عديدة وعدم قناعة الطلاب وأولياء الأمور بجدواها. الجمع بين النقيضين، والاعتماد على المدرسة والمجموعات ستخرج لنا أجيالا مشوشة تعاني من التشتيت وعدم التركيز، ولا مجال الإبداع حين يتحول التعلم لرحلة عذاب يومية، وفقا لرؤى الخبراء التي تؤكد أن القدرة الاستيعابية لا تتسع لكل هذه المهاترات والضغوط النفسية.
رابحون وخاسرون
أحسنت الجهات المنظمة للمؤتمر الاقتصادي على حد رأي عماد الدين حسين في “الشروق” حينما دعت كل أعضاء مجلس أمناء الحوار الوطني ومقرريه بمن فيهم كل المحسوبين على المعارضة خصوصا الدكتور جودة عبدالخالق. كان موجودا أيضا كل رؤساء الأحزاب المستأنسة والحادة وما بينهما. وقد تمت دعوة وجوه معارضة سبق دعوتها في إفطار الأسرة المصرية في 26 إبريل/نيسان الماضي، ومنهم القيادي الناصري كمال أبو عيطة وطارق العوضى. داخل المؤتمر أيضا شاهدت جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور، وهو حزب معارض مبدئي منذ عام 2013، وحينما تتم دعوة رئيسته فهو تطور سياسي لافت ومهم. ومن السياسيين أيضا الكاتب الصحافي خالد داود نائب رئيس حزب الدستور، الذي كان مسجونا حتى شهور قليلة مضت، ومؤخرا صار أحد المقررين في المحور السياسي في الحوار الوطني، وحينما يتم توجيه الدعوة لجميلة إسماعيل وخالد داود فهو تطور سياسي مهم للغاية أيضا. وخلال انعقاد الجلسة الافتتاحية استمعت لمداخلات مصورة أونلاين لكثيرين، لكن لفت نظري وجود الأكاديمي والكاتب الصحافي عمرو حمزاوي، الذي عاد إلى مصر مع انطلاق جلسات الحوار الوطني، وينتظر أن يشارك في جلساته قريبا. كان لافتا أيضا مشاركة السياسي مدحت الزاهد رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. وفي المشهد نفسه استمعت إلى مداخلات مهمة من النائبين محمد فريد من تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، ومحمود سامي الإمام من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والأربعة وجهوا أسئلة جادة وجوهرية للحكومة عن كيف ستتصرف حيال القضايا الاقتصادية الملحة في الفترة المقبلة. السؤال الذي يستحق إجابة واضحة هو: من الذي يكسب ومن الذي يخسر من مثل هذه المشاهد. هل هي الحكومة، أم الدولة أم الأطراف التي كانت غائبة وعادت، أم أن الجميع كاسبون ومن الذي يخسر، وهل هناك خاسرون؟ نعم هناك رابحون وهناك خاسرون.
ربما تمطر
لا يترك أسامة سرايا اليأس يتسلل إليه، وفق ما تشير كلماته في “الأهرام”: بالاعتراف العالمي، والأهم الاعتراف المصري الوطني الشعبي، تقف الدولة المصرية، والمصريون على أرض صلبة لا تهتز تحت أقدامهم، رغم التحديات القاسية التي هاجمت بلادهم، ولا تزال، ليس لأنها سوف تشهد الشهر المقبل أهم مؤتمر عالمي للمناخ في مدينة شرم الشيخ، التي أصبحت أول مدينة مصرية خضراء سوف يأتي إليها كل قادة العالم، بل المجتمع المدني العالمي بمؤسساته التي لا ترحم المخطئين، وأنها استكملت برنامج الإصلاح الاقتصادي الصعب والدقيق، بل اجتازت مراحله بتكلفة عالية، وبنت مدنا جديدة، وبنية تحتية لم تتعود عليها، وتستعد لبرنامج صعب أكثر تقدما في بناء الدول، وتعاظم دورها، وتخلصت جزئيا ما بعد 2011 من خسائر ضخمة، أعقبتها أزمة وباء عالمى قاسٍ، وحرب في أوروبا حدث فيها استقطاب عالمي حاد، ونقص في الموارد الغذائية، والطاقة شمل كل دول العالم، وكل الاقتصاديين يحذرون من أن العام المقبل سيكون الأسوأ على الدول السبع صاحبة الاقتصادات الكبرى، أو مجموعة العشرين – ولكن لأن مصر استطاعت أن تنظم مؤتمرا اقتصاديا شفافا بمنصة عالية الكفاءة، وتدفق معلومات، وأرقام أكثر من كافية، وجمعت فيه كل الخبرات العالمية، والمصرية المهتمة باقتصادنا، وتطوره، ومستقبله، ولأول مرة يفتح الرئيس السيسي قلبه مخاطبا الناس بكل ما شعر به، وما تعرض له وهو يأخذ القرارات الصعبة، بل يقدم أمام المصريين ليس إنجازه، بل فلسفة الحكم، واتخاذ القرار التي صاحبت عهده مع الشعب وهو يتحمل مسؤولية الدولة، ولم يخش، كما نصحه كل المحيطين، بأنه يغامر بشعبيته الجارفة، بل قال إنه قرر أن يستثمر رصيده لدى الناس، والرضا الشعبي الذي حصل عليه ليضع بلاده في مكانة تستحقها. هو اعتراف عظيم من وطني كبير يدرك أن وجود الوطن هو الأبقى، وأن الاستثمار بشعبيته لمصلحة الوطن هو الأغلى، بل أمر هين عليه، وقد تخلص من كل الهواجس، والسوابق التاريخية التي كبلت الحاكم، وصانع القرار، وجعلته بين اختيارين: شجاعة القرار أم فضيلة القرار؟ فاختار البطل المصري (السيسى) الاثنين معا.
هنيئا للكتاكيت
على مدار شهر تقريبا وكل الفضائيات والبرامج الإخبارية التي تابعها خالد القاضي في “الأخبار” تتحدث عن أزمة العلف وأنها السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار الدواجن والبيض، بل اللحوم أيضا. وخلال تلك المناقشات استمعنا إلى آراء المختصين، سواء كانوا أصحاب المزارع أو رؤساء الروابط المختصة بالدواجن، ومعظمهم أجمع على أن سبب ارتفاع الأسعار هو نقص العلف.. وخرج علينا صوت يطالب باستيراد الفراخ المجمدة للسيطرة على الأسعار.. فيما اعترض أصحاب المزارع وقالوا إن الاستيراد ضرب للثروة الداجنة وكذلك روابطهم وممثلوهم.. وأخيرا خرج علينا صوت من الجمارك يؤكد أنه لا يوجد أي مخزون من العلف عندهم، على الرغم من أن هناك مسؤولين أكدوا وجود مليون و200 ألف طن ذرة صفراء وفول صويا في مخازن الميناء منتظرة 800 مليون دولار تقريبا للإفراج عنها طبقا للنظام المعمول به في حالات الاستيراد، وهو السبب في تعطيل الإفراج عن الشحنات بسبب نقص الدولارات. واستمر السجال بين المسؤولين وأصحاب مزارع الدواجن حتى خرج علينا فيديو مسرب لإعدام مجموعة من الكتاكيت، وطبعا هذا الفيديو مصنوع لأنه من مزارعين فقط وفيه عدد قليل من الكتاكيت وتم تسريبه إلى السوشيال ميديا، ومنها إلى البرامج الفضائية وأثار ضجة كبيرة جدا، وكان هذا الفيديو السبب في تحرك الحكومة ومجلس النواب، رغم الافراج فورا عن دفعة من العلف المخزن في الموانئ، وكل اسبوع سيتم الإفراج عن دفعات جديدة ومع الوقت سيتم انخفاض أسعار الفراخ والبيض تدريجيا. لقد نجح الكتكوت في تحريك المياه الراكدة وأفرج عن طعامه الذي كاد أن يدفع حياته ثمنا له وأنقذ حياتنا، نتوجه بالشكر لكل الكتاكيت التي ظهرت في الفيديو وجعلت كل المعنيين يتحركون بسرعة لإنقاذهم وإنقاذنا معهم.
سر الانتفاخ
لا تعرف فكرية أحمد وفق ما تراه في “الوفد”على وجه الدقة، أسباب خيلاء البعض وغروره ولكن المؤكد أن الأطباء النفسيين يعرفون سر الانتفاخ النفسي، والتحول الفسيولوجي الذي يعترى شخصا ما اعتلى فجأة أحد كراسي المناصب، أو وصل إلى درجة وظيفية تلتصق بها كلمة مدير، رئيس، أو وزير، والانتفاخ النفسي يتمثل في حالة تصل إلى حد الهلوسة من الغرور والتعالي ينثرها على «مخاليق ربنا» من أصحاب الحاجات والحقوق، أو ممن أصبحوا تحت قيادته الوظيفية، بجانب موسوعة من العلم تهبط على «دماغه» فجأة مع الترقي الوظيفي، ليصبح وحده «الفاهم» العالم ببواطن الأمور وأسرار وخفايا العمل، بل كل العالم، ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يقبل أن يراجعه أحد، أو يصحح له شخص آخر أي معلومة، تضاف إلى هذا الانتفاخ النفسي حالة من الوسواس بأن كل من حوله يتآمرون عليه، ويحاولون انتزاع الكرسي منه، فينعكس الوسواس لرغبة انتقامية خفية يدفع ثمنها المواطنون، وينتفع بها المنافقون الذين يلتفون حوله ويصنعون له بطانة السوء. أما التحول الفسيولوجى الذي يعتريه، فهو تمدد في طول الرقبة لتتناسب مع حالة الغرور، مع جمود في حركة العين التي تتقمص ثلاث نظرات محددة، هي النظرة النارية الحادة، النظرة المتعالية، والنظرة الساخرة، إلى جانب التشنج في عضلات الوجه لتبرز معها في سخاء العضلات الخاصة بـ«التكشيرة» وتتوارى معها عضلات الابتسام، وتتخذ الأكتاف شكلا مستعرضا تدعمه «باليتات أو حشو» أكتاف جاكيت البدلة، التي لا يتخلى عنها صيفا ولا شتاء لأنها إحدى لوازم التحول، وحبذا لو تم تتويج التحول الفسيولوجي بـ«كرش»، لأنه يعطي الشكل المطلوب لشخص أصبح مسؤولا مهما، فهو يضفي عليه هيبة وحضورا، فالمسؤول النحيل يختلف عن السمين البدين ذي الكتفين العريضتين والكرش.
احذروا الندل
«عيش ندل تموت مستور» من أبشع الأمثال الموروثة عن الآباء والأجداد، ولا يظن الدكتور محمود خليل في “الوطن” أنها بعيدة عن المطبخ الثقافي المملوكي، تلك التي تشجع الفرد على أن يكون جبانا، مثل «الجبان له نصف الدنيا» و«الجري نصف الجدعنة»، أو نذلا مثل «عيش ندل تموت مستور». لم يكن المماليك جبناء، حين يواجهون عدوا، على العكس تماما اشتهر فرسانهم، وخصوصا الأولين، بقدر واضح من الشجاعة والثبات في مواجهة أشد الأعداء، لكن مخزون الشجاعة أخذ في التآكل عند الانتقال من جيل إلى آخر منهم، فتحللت الأجيال الجديدة من العديد من الفضائل التي تميزت بها الأجيال الأولى. على سبيل المثال كانت هناك فجوة كبيرة بين أداء قطز وبيبرس في مواجهة التتار، وأداء قنصوه الغوري وطومان باي في مواجهة العثمانيين. ولعلك تتفق معي في أن الأجيال التي تلت آخر سلاطين الجراكسة من المماليك كانت أسوأ حالا ممن واجهوا العثمانيين. وبإمكانك أن تستدعي من الذاكرة أداء مراد بك وإبراهيم بك في مواجهة الحملة الفرنسية. كان الأميران المملوكيان إبراهيم ومراد هما من يديران أمر البلاد عند دخول الحملة الفرنسية إلى مصر. والاثنان كانا من تلامذة الأمير محمد بك أبوالدهب. واجه الاثنان عدوهما دون أي إدراك لحجم قوته، فكانت الهزيمة السريعة من نصيبهما، وبدلا من أن يتراجعا نحو الأهالي ويلتحما معهم في مواجهة المحتل، فرّ الاثنان بفرسيهما، إعمالا بمبدأ «الجري نصف الجدعنة»، وتركا الأهالي فريسة للفرنسيين. هرب إبراهيم بك إلى الشام وتحصن بين مماليكها، أما مراد بك ففر كما تعود نحو الصعيد، وأخذ يتنقل من قرية إلى قرية.
الذكي يفهم
يحكي جوزيف ماري مواريه صاحب كتاب «مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر» الذي استشهد به الدكتور محمود خليل، أن مراد بك كان يدخل القرية من قرى الصعيد فيقابله أهلها بالبشر والترحاب، فيدهمهم بخبر أن الفرنسيين قادمون من ورائه، فينزعج الأهالي، فيأخذ في طمأنتهم وتشجيعهم ويصف رجال عدوهم بأنهم ضعاف قصار القامة، لا يجيدون العدو بالخيل، أو المبارزة بالسيف، أو الرشق بالرمح، وأنهم إذا خرجوا إليهم بالعصي فسيقضون عليهم، ثم يستأذنهم لجمع المماليك من أقاصي الصعيد وترتيبهم لمواجهة المحتل. كان الأهالي الغلابة يصدقونه في ما يقول، ويخرجون لملاقاة الفرنسيين المسلحين بأحدث أسلحة العصر فيلقون حتفهم. عندما سئل مراد بك في ما يفعله بالأهالي وكيف يلقي بهم هكذا في أتون القتل، رد ضاحكا: أعلم أن أهل القرية سيموتون، لكن قد يفلحون في قتل اثنين أو ثلاثة من الفرنجة، وفي ذلك مكسب كبير، لأن عددهم سيقل، بعد أن انقطع المدد الواصل لهم من فرنسا، وبالتالى تضعف شوكتهم شيئا فشيئا وتسهل مواجهتهم، لم يكن مراد يجد غضاضة في أن يموت آلاف المصريين مقابل عشرات الفرنسيين في سبيل تنفيذ خطته اللوذعية. كادت معادلة «عيش ندل تموت مستور» أن تنجح مع مراد بك، لكن الأقدار كان لها رأي آخر، ففي جولاته المختلفة التي كان يدفع فيها الأهالي إلى مواجهات غير متكافئة، دون أن يأبه بأرواحهم، كمن له شبح الموت، فأصيب بالطاعون، ومات به.
وداعا للثعلب
غيّب الموت المحامي فريد الديب، رحمه الله وغفر له. كان الديب كما قال محمد أديب في “المصري اليوم” نجما من نجوم المحاكم الكبار، وحقق شهرة شعبية جعلته نجم شباك، إذا ترافع أمام المحاكم.. وإذا ظهر في البرامج المسائية، كانت الإعلانات تتهافت على البرامج التي يظهر فيها لارتفاع نسبة المشاهدة.. وكنت من عشاقه، وكثيرا ما استشهد بما أكتبه إلا أنني كنت أحد ضحاياه أيضا عندما طالب في محاكمة الرئيس مبارك بإحالتي للنائب العام، واستجاب له القاضي تلبية لطلبات الدفاع، وهو إجراء قانوني كان هدفه سد الذرائع على المحامي الكبير. ويومها، سألت الأستاذ فريد الديب: ينفع كده؟ قال: ولا يهمك هنحلها.. كان أهم شيء أن ينقذ موكله بأي طريقة.. فريد الديب هو الثعلب والساحر، وهو أستاذ المهنة الذي تعمل له المحاكم ألف حساب.. مات الرجل في ذكرى مولده.. وأنا لم أغضب من فريد الديب.. كنت أحبه لأنه يفهم شغله ويتفوق فيه.. عاش فريد الديب في العزل بسبب مرضه، ثم خرج يعلن الاعتزال لأسباب صحية. وآخر مرة طغى فيها اسم فريد الديب على السطح كان في قضية نيرة أشرف حينما أعلن توليه الترافع عن المتهم محمد عادل، إلا أنه تراجع بعد ذلك بسبب ظروفه الصحية.. بعد عدة شهور اعتزال المحاماة أثناء دفاعه عن رجل الأعمال حسن راتب في قضية الآثار الكبرى. نعى نفسه في المحكمة، وقال إنها آخر مرافعة.. وتولى الديب الدفاع عن كثير من المشاهير والنجوم الكبار، على رأسهم الرئيس الأسبق مبارك، ولذلك نعاه علاء مبارك لوقوفه بجانب الأسرة في وقتٍ انسحب فيه الكثيرون، ودافع عن عائلة السادات ونجيب محفوظ ومحمود السعدني.. وآخر هؤلاء حسن راتب والجاسوس عزام عزام، وحقق بذلك ثروة طائلة، وقال، إن أحدا لا يستطيع أن يكشف عن أتعابه، لأنها سر بينه وبين موكليه، ولم يكشف عن أتعابه في قضية مبارك، مع أن البعض قدرها بالملايين.
راح واستراح
الدكتور ولاء صيدلي حلوان، الذي سقط أو تم إسقاطه من الدور الخامس من شقته، مات واستراح وفق ما يعتقد خالد حريب في “البوابة” من هذا العالم المرتبك والمتوتر، الصيدلي ضحية ولا شك في ذلك مجني عليه، جاءت خاتمته على إسفلت الشارع. الصيدلي الضحية لم يدفع الثمن وحده ولكن الضحية الأكثر تأثيرا في قصة الدكتور ولاء هو ابنه الطفل يونس الذي لم يتخط السادسة من عمره، يونس رماه القدر ليكون في مسرح الأحداث شاهدا وشهيدا، لم يكن يونس يتسكع في مكان مشبوه حتى يختلط علينا الأمر في مسألة أمانه وتأمينه، ولكنه كان في بيته أو سكنه والسكن المشتق لغويا من السكينة صار وهما بعد أن اعتدى الواقع البشع على قواعد اللغة، وعلى كل ما استقر من أبجديات الحياة. وبدلا من أن يلتقي الطفل بأسباب السعادة التقى في بيته كتيبة مدربة على العنف والقسوة، تلك الكتيبة كانت جده لأمه وأخواله وثلاثة آخرين من أصدقاء أخواله إلى جانب والدته جاؤوا جميعا لكي يعطوا الأب الصيدلي درسا في الأدب، جاؤوا وقد أظهروا قانون الغاب. عبثا حاول الأب الإفلات من المصيدة رسائل الاستغاثة على الواتساب لم توقف المخطط الذي بدأ بالاحتجاز والتهديد والترويع، وفي بعض الأقوال التوقيع على أوراق وانتهى الحال بالوقوع الحاد من الدور الخامس إلى أسفلت الطريق العام. يونس الذي شهد واستمع لكل ما حدث يعيش الآن في رعاية جدته لأبيه حسب قرار النيابة بينما تعيش كتيبة الإعدام التي زارت الدكتور ولاء في بيته تعيش كلها في السجن على ذمة التحقيقات. أرسل الصيدلي المغدور رسائل استغاثة من خلال الواتساب.. قال إن في بيته بلطجية، ولكن الرسائل لم تنقذ الموقف، أعرف أن ما كتبته قرأته مستويات عليا في الداخلية. تفاءلت ثم عاد التشاؤم سريعا. كلما دهس غشوم قلب طفل مثل يونس ولاء اتحسس الغد الرمادي ولا اطمئن.
وهم القوة
ما زال مرسي عطا الله في “الأهرام” يستدعي محطات مهمة في تاريخنا: عندما تمكنت إسرائيل بعد معارك 5 يونيو/حزيران عام 1967 من احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، رفع الإسرائيليون شعارا كاذبا ومخادعا اسمه «نظرية الأمن الإسرائيلية» التي تستند حسب مفهومهم الخاص إلى حق إسرائيل في ارتكاز قواتها المسلحة عند خطوط آمنة لن تبرحها، ومن ثم كان لا بد من عمل عسكري كبير لكي نثبت لإسرائيل خطأ هذه النظرية. ولهذا ومنذ اللحظة الأولى لبدء مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ابتداء من يوم 11 يونيو عام 1967 كان التكليف السياسي للقيادة العسكرية الجديدة وعلى رأسها الفريق أول محمد فوزي قائدا عاما والفريق عبد المنعم رياض رئيسا للأركان واللواء أحمد إسماعيل علي قائدا للجبهة بأنه منذ الآن وإلى أن تحين ساعة الصفر بعد بناء القدرة الكافية للعبور وتحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية، حسب نمو وتطور إمكانات وقدرات القوات المسلحة، ينبغي على كل عمل عسكري نقوم به أن يحمل في طياته ما يثبت لإسرائيل أن نظرية الآمن أكذوبة خاطئة، وأنه لا يمكن أن تكون هناك حدود آمنة في غيبة من القبول بمقررات الشرعية الدولية. كان هذا التكليف السياسي من جمال عبدالناصر للقيادة العسكرية المصرية الجديدة في 11 يونيو/حزيران عام 1967 هو عنوان كل ما جرى طوال سنوات حرب الاستنزاف التي كبدت إسرائيل أفدح خسائر بشرية ومادية عرفتها طوال سنوات الصراع العربي الإسرائيلي، وكان هذا التوجيه السياسي واضحا ومحددا في البند الثالث من التوجيه الاستراتيجي، الذي وجهه الرئيس أنور السادات إلى الفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية يوم الجمعة 5 أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 أي قبل 24 ساعة فقط من بدء زلزال العبور الكبير. لم تكن إذن معارك حرب الاستنزاف لرفع الروح المعنوية بعد النكسة، ولم يكن النصر المجيد الذي حققناه في حرب أكتوبر مجرد مصادفة أو ضربة حظ وإنما كان الهدف حاضرا في ذهن القيادة العسكرية المصرية في ظل إدراك بأن للعدو مميزات يجب حرمانه منها.