القاهرة – «القدس العربي»: كل المؤشرات تؤكد أن جريمة مقتل المذيعة شيماء جمال على يد القاضي، الذي ألقي القبض عليه قبل ساعات، في طريقها للتحول إلى لغم مرشح للانفجار في وجه دوائر المال والقرار بسبب المزايا الممنوحة لأعضائها والشبكات المعقدة بين أطرافها فضلا عن تعاظم نفوذ “شجرة عائلة المتهم” التي كشفت اعترافات زوجة شريكه معلومات مثيرة حول علاقة القاتل بـ “الكبار” التي مكنته من التنقل وإنهاء معاملات حكومية وبنكية عقب الجريمة، كما أمده “مجهول” بعشرة خطوط هواتف طالبة منه أن يستخدم الشريحة لمدة ساعتين فقط ثم يتلفها ويستعين بأخرى. وأشارت معلومات إلى أن القاضي القاتل أيقن عقب علمه بقيام شريكه بالإبلاغ عنه أن “مستقبله انتهى” وأنه اخفى عن زوجته الأولى الجريمة وأبلغها بأنه “تم ضبطه في قضية رشوة بالصوت والصورة”.
كشفت مصادر أمنية تفاصيل القبض على القاضي القاتل المستشار أيمن عبد الفتاح حجاج، نائب رئيس مجلس الدولة وأمين صندوق نادي قضاة مجلس الدولة، المرفوع عنه حصانته لاتهامه بقتل زوجته الإعلامية شيماء جمال ودفنها في إحدى المزارع في منطقة أبوصير في البدرشين.
واشارت المصادر إلى إن مأموريات أمنية من قطاع الأمن العام ومديرية الأمن في الجيزة وبعض مديريات الأمن الأخرى، شاركت في عمليات ملاحقة المستشار عقب اختفائه، وتعمده تعطيل كل الهواتف الخاصة به عقب اكتشاف الجريمة، وتم استهدافه بـ15 مأمورية أمنية موسعة في محافظات الجيزة والقاهرة والسويس والقليوبية والإسكندرية. وأضافت المصادر أن المأمورية كانت قد حسمت منذ اليوم الأول عدم استخدام القاضي المتهم أيا من المطارات للهروب عقب اكتشاف الجريمة، وذلك عقب مراجعة السجلات في كل الموانئ والمطارات، خاصة أن التحريات أو أقوال أسرة الضحية أكدت أن المتهم كان قد حجز للسفر إلى دبي مع زوجته يوم الثلاثاء الماضي، أي بعد تنفيذ الجريمة بـ24 ساعة، إلا أن التحريات أكدت عدم مغادرته البلاد.
واهتمت صحف أمس الخميس في المقام الأول بذكرى الثورة حيث أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن ثورة 30 يونيو/حزيران ما زالت هي نبراس “عملنا وشعاع النور”. وتابع: واجهنا وضعا اقتصاديا غير مسبوق استعنا عليه من بعد الله بصمود أسطوري لشعب عظيم، ومضينا في مساري بقاء الدولة وترسيخ أركانها وبناء المستقبل. وأكد أن مصر تسير في الطريق الصحيح. ومن أخبار الحوار الذي تنتظره القوى كافة قال الدكتور عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، إن المشاركة في الحوار الوطني يجب أن تكون مفتوحة، وأن تكون الدعوة عامة.
وأضاف “نحن نحتاج إلى جمهورية جديدة بالفعل كما نحتاج إلى حوار وطني صريح أمين جاد، ويبدو أن هناك فعلا جديا في ذلك، الحوار الوطني يطرح أفكارا تتعلق بالجمهورية الجديدة”. وأوضح أن الإنسان المصري والاهتمام بتعليمه وصحته وحريته وحياته كلها هو الجمهورية الجديدة، وليس فقط المدن والمشروعات الجديدة. وقال موسى: “أطالب الجميع عندما يبدأ الحوار الوطني في القاعات أن يبدأ أيضا في الساحة المصرية”… ومن التقارير التي لاقت اهتماما واسعا ظهور المطربة المختفية آمال ماهر في شريط مصور مدته 52 ثانية أكدت خلاله أنها بخير وشكرت كل من سأل عنها وهنأت المصريين بذكر الثورة.
شيماء ما زالت مجهولة
فجّر مصدر في الطب الشرعي مفاجأة مدوية في واقعة مقتل المذيعة شيماء جمال على يد زوجها بسبب خلافات أسرية، ودفن جثمانها في مزرعة في منطقة البدرشين، إذ كشف أن الجثمان مسجل في دفتر الجثث المجهولة في مشرحة زينهم تحت رقم «181»، لحين ظهور نتيجة تحليل البصمة الوراثية «دي إن إيه»، والتأكد من أنه يخص المذيعة أم لسيدة أخرى.
ونقل خالد فهمي في “الوطن” عن المصدر ذاته أن مأمورية من الطب الشرعي انتقلت مساء يوم الاثنين الماضي إلى مزرعة في منطقة البدرشين، وذلك بناء على قرار من جهات التحقيق، لاستخراج جثة مدفونة في تلك المزرعة، مضيفا أنه جرى استخراج جثة سيدة وتعذر التعرف على ملامحها أو عمرها بسبب حالة التعفن. وتابع المصدر أنه جرى نقل الجثة إلى مشرحة زينهم بناء على قرار جهات التحقيق كي يتم إجراء الصفة التشريحية للجثمان لمعرفة سبب الوفاة، وكذلك أخذ عينات وإرسالها إلى المعمل الطبي لإجراء تحليل البصمة الوراثية للتعرف على هويتها، مشيرا إلى أن الجثمان تم تسجيله في دفتر المجهولين الخاص بمشرحة زينهم تحت رقم 181، لحين الانتهاء من تحليل البصمة الوراثية لمعرفة هل بالفعل الجثمان للمذيعة الشابة شيماء جمال أم هو لسيدة أخرى.
وفي سياق متصل تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض على زوج المذيعة الشابة شيماء جمال، أثناء اختبائه داخل شقة في محافظة السويس، وجار عرض المتهم على النيابة العامة لمواجهته بما هو منسوب إليه من اتهام بقتل زوجته ودفن جثمانها داخل مزرعة استأجرها في منطقة البدرشين، حسبما جاء في اعترافات سائقه الخاص الذي أرشد عن مكان دفن الجثمان.
غيث قد ينهمر
حالة من التفاؤل مصدرها التقارب مع الأشقاء ومن بين المؤيدين بقوة اسامة سرايا في “الأهرام”: الزيارات الخليجية لمصر ما كادت تنتهي (السعودية، وقطر، والبحرين، والأردن) في قمم متتابعة، ومتتالية. كان واضحا أن الحضور المصري في منطقة الخليج العربي، أكرر العربي، يأتي تحضيرا لقمة كبرى يتم الاستعداد لها، هي زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنطقة الخليج، أو على أرض السعودية في جدة على البحر الأحمر، بحضور زعماء دول مجلس التعاون الخليجي (الست)، مع (مصر، والعراق، والأردن)، وهي من الزيارات التأسيسية المهمة في زمن المتغيرات الإقليمية، والعالمية، وإعادة التموضع، وتتم في ظروف أزمة عالمية للطاقة، والغذاء ناجمة عن الحرب الروسية – الأوكرانية، التي تدخل شهرها الخامس، والمؤشرات تشير إلى أنها قد تصبح حربا مزمنة تمتد سنوات، والقوة الكبرى، والنظام الدولى يقفان أمامها عاجزين عن الحل، والضحايا فيها، والمهاجرون بالملايين، مما يعني أن التحولات في الأسواق العالمية تتفاقم، كذلك، في الطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد لمعظم السلع العالمية. أحداث ستجعل معظم دول العالم، ونحن في مقدمتها، تجري، ليس تغييرا في سياساتها، ولكن تحولات كبرى، إذ فاجأنا تطور إقليمى بارز (إيران والسعودية تجريان مباحثات مباشرة في قطر)، وترجمة لسياسة «مسافة السكة»، التي تتبعها مصر والرئيس عبدالفتاح السيسي مع الأشقاء العرب، وجدناه في زيارة مباشرة في عُمان، للقاء السلطان هيثم بن سعيد، ومنها ينتقل إلى البحرين للقاء ملكها، الذي كان في شرم الشيخ منذ أيام قليلة، ( عُمان كانت العاصمة الأولى للمفاوضات الأمريكية مع إيران، والبحرين كانت لسنوات طويلة مطمعا لإيران، استنادا إلى حسابات طائفية، وأطماع فارسية في زيادة التوازن الإيراني في الإقليم العربي (غزة في فلسطين، ولبنان، وسوريا، واليمن، والعراق) لاستخدامها في مفاوضاتها الأمريكية – الأوروبية حول سلاحها النووي، وها هي المفاوضات نفسها تنتقل إلى قطر بالحضور السعودي – الإيراني. المؤشرات تدل على أن دول الخليج والمنطقة العربية تقول نملك، أو نأخذ الأمور بأيدينا، ولن ننتظر حلولا جاهزة تأتي من العواصم الكبرى (واشنطن، ولندن، وباريس).
الشعب يعاني
في حياة الشعوب أحداث لا تنسى، والزمن وحده كما اعترف فاروق جويدة في “الأهرام” هو الذي يحكم ما يستحق البقاء وللزمن شواهد يتركها على وجه الحياة. واليوم نحتفل بذكرى 30 يونيو/حزيران ولن أتوقف كثيرا عند تفاصيل الأشياء ولكنني سوف أتوقف عند شواهد وإنجازات لا أحد ينكرها. تابع الكاتب: لن ننسى ما حدث في عشوائيات مصر التي انتشرت في كل مكان بتخلفها وأمراضها وما عانته فئات الشعب الفقيرة سنوات طويلة. إن البيوت التي أقيمت في عشوائيات مصر كانت شهادة ميلاد جديدة. والملايين الذين عالجتهم الدولة من فيروس C كان شيئا حضاريا غير مسبوق. لا يمكن لأحد أن ينسى شبكة الكهرباء التي أضاءت ربوع مصر ووضعت نهاية لعصر من الظلام، لن ننسى شبكة الطرق التي امتدت في أرجاء مصر وقربت المسافات وخلقت مجتمعا حضاريا يسعى للنهضة والتقدم. لن ننسى المدن الجديدة وكيف وفرت سكنا مناسبا لشباب يبحث عن مستقبل أفضل في كل ربوع المحروسة. لن ننسى ما شهدته مصر من اكتشافات بترولية وضعتها في مقدمة دول البترول وبدأت تستعد لكي يكون البترول أحد مواردها المهمة. لن ننسى برنامج “حياة كريمة” ودعم الطبقات الفقيرة والملايين في ريف مصر ينتظرون هذه النقلة الحضارية والإنسانية. لن ننسى الثورة الزراعية في صحراء مصر من أجل توفير احتياجات المواطن المصري. لن ننسى المدن الجديدة والملايين من الشباب الذين أتيحت لهم فيها فرص العمل والإنتاج. لن ننسى ما شهدته قناة السويس من التطوير في إطار خطة للتوسع في هذا الكيان الاقتصادي الضخم. لن ننسى تنمية سيناء وعشرات المشروعات التي أقيمت فيها والخدمات والمرافق. إن ما حدث في مشروعات السكك الحديدية والقطارات الجديدة كان تحولا كبيرا في هذا المرفق الخطير الذي كان يعاني ظروفا صعبة. وقبل ذلك كله لن ننسى ما قام به جيش مصر العظيم في معركته ضد الإرهاب وإعادة الأمن والاستقرار لكل ربوع مصر وما ساهم به في بناء مصر الحديثة. أشياء كثيرة شهدتها مصر بعد 30 يونيو/حزيران والأمانة تقتضي أن تقال كلمة حق. في حديث للرئيس السيسي أكد أن مصر أنفقت 400 مليار دولار في السنوات الماضية في إعادة بناء مرافق الدولة.
كلنا في الهم
وحّد التضخم وارتفاع الأسعار الكون. عالم أول وثان وثالث أصبح وفق رأي سليمان قناوي في “الأخبار” يعيش على التقشف ويعاني ضيق المعيشة. البريطانيون حذفوا وجبة من وجباتهم الثلاثة. هيئات المعاشات في أكثر من دولة في العالم الاول تراجعت عن وعودها بزيادة المعاشات لمواجهة الغلاء. بنوك الطعام في أوروبا تتعرض لضغوط لم تواجهها منذ 20 عاما لشدة الفقر، هناك 15 مليون أوروبى يقفون على أبواب بنك الأغذية التابع لصندوق المساعدات الأوروبية طلبا للوجبات. المانيا صاحبة أقوى اقتصاد فى أوروبا حددت زجاجة زيت واحدة وكيس دقيق لكل مواطن لقلة الموجود وزيادة سعر زيت الطعام بنسبة 100% والمعكرونة 20%. كما نصحت مجلة «فوكس» قراءها بالتوقف عن شراء زجاجات المياه وشرب الماء من الحنفيات وشراء المنتجات المحلية فقط ومتابعة عروض التخفيضات. الأمريكيون أيضا يعانون ارتفاعا حادا في أسعار اللحوم ونصحتهم وكالة بلومبرغ بأن يتحولوا للنمط النباتي بالاعتماد على الخضراوات والبقوليات كبديل للحوم، والاستغناء عن السيارات الملاكي (الخاصة)، واستخدام وسائل النقل العام، وإعادة التفكير في الإنفاق على الحيوانات الأليفة. وشعار اسبانيا الآن «مفيش بقالة» حيث تعاني من نفاد إمداداتها من الذرة وزيت عباد الشمس. واستغنى الفرنسيون عن سياراتهم الخاصة وبدأوا في استخدام وسائل النقل العام أو الدراجات لارتفاع أسعار الوقود. كما تداولت مواقع التواصل الاجتماعى مقطع فيديو يصور تهافتا على زجاجات الزيت في متجر فرنسي بسبب نقص المعروض منها. وهكذا ضرب الغلاء الجميع، صحيح أن مسألة التقشف نسبية، فهناك فرق بين من حذف وجبة من اللحوم أو الدواجن ومن حذفها وهي من الفول والطعمية، لكن بات الجميع يقتصد، ضغطت معظم الأسر المصرية مصروفاتها الى أقصى حد وعدلت من عاداتها الغذائية ولو بالتقليل حتى من أكل العيش (آخر من تبقى لهم من طعام رخيص) والحمد لله أن حالنا أفضل مما وصفه المقريزى فى كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة» عن استشراء الغلاء في عهد الدولة المستنصرية فيقول: “انتهب الخبز من الأفران والحوانيت، حتى كان العجين إذا خرج إلى الفرن انتهبه الناس فلا يحمل إلى الفرن ولا يخرج منه إلا ومعه عدة يحمونه بالعصي من النهابة”.
مع الأخضر
يتبنى سليمان جودة في “المصري اليوم” حملة دعما للون الأخضر: دعوت قبل أيام إلى إطلاق مبادرة رئاسية تحت شعار “مئة مليون شجرة”، وقلت إنها ستكون شبيهة بمبادرة “مئة مليون صحة” التي تحمس لها الرئيس من قبل، فحققت هدفها خلال مدى زمني كان له أول وكان له آخر! وفي رسالة من المهندس رؤوف كمال، أمين عام جمعية خبراء العلوم والتكنولوجيا، قال إن هذه مبادرة ستضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد، لأنها ستكون بمثابة إنشاء مئة مليون مصنع للأوكسجين في البلد، وستقول بشكل عملي إننا جديرون باستضافة مؤتمر المناخ العالمي في شرم خلال نوفمبر/تشرين الثاني، وستحظى بتأييد وحماس كل منظمات المجتمع المدني دون استثناء! المهندسة أسماء الحلوجي، رئيسة جمعية محبي الأشجار، كتبت تقول إن إطلاق هذه المبادرة رئاسيا سيكون إطلاقا للأمل في أنحاء البلد، وسيكون تعزيزا للتفاؤل في نفوس الناس! والأستاذ سمير تكلا، أمين عام المجموعة البريطانية – المصرية في البرلمان البريطاني، كان عائدا من لشبونة حيث الأشجار في كل مكان، فكتب رسالة من كلمة واحدة تقول: يا ريت! والدكتور محمد شتا، خبير الإدارة المحلية، يتحمس جدا لمبادرة من هذا النوع، ويدعو إلى شيئين: أولهما أن نعمل على أن تكون الأشجار مثمرة، والثاني أن نزرعها على شواطئ النيل، والترع، وفروع النهر الخالد، فتشرب تلقائيا دون حاجة إلى نظام ري خاص يسقيها! والأستاذ أحمد لطفي، كبير معلمي الطيران، يقول إنه تمنى لو بادرت الدولة إلى ذلك من تلقاء نفسها، لعلها تعوض الكثير من الأشجار التي تعرضت للإزالة على مدى الفترة الماضية، والتي أثارت الكثير أيضا من الاستياء لدى قطاعات عريضة من الرأى العام! ولا أجد أبلغ من رسالة الأستاذ تكلا، ربما لأنها من كلمة واحدة طبعا، ولأنه ليس أفضل مما قل ودل.
قاض جليل
يحظى القاضي، الذي نظر جريمة قتل فتاة المنصورة، بتقدير واسع. ومن بين المشيدين به محمد أمين في “المصري اليوم”: بهاء الدين المري، قاضٍ مصري عظيم، قدم نموذجا للقضاء المصري، يمكن تسويقه إقليميا ودوليا. كما نشاهد فيديوهات القاضي الأمريكي، فرانك كابريو، الملقب بقاضي الرحمة والإنسانية، ونحتفل به ونقدم له الإعجاب، ونواصل “تشيير” فيديوهاته حتى أصبح نجم نجوم الإنترنت، وحتى أصبحت فقرة محببة لكل من يشاهدها، ويُضرب به المثل في الرحمة والعدل. يقول “المري” إن الرغبة صارت حبا، والقتل لأجله صار انتصارا. وكأنه قدم تحليلا نفسيا للمتهم المراهق، والذي تعامل معه بإنسانية بالغة حيرت قطاعا من الرأى العام، وظنوا أنه أخذته به الرحمة حين قدم له الكرسي وفك الكلبشات وأتى له بزجاجة ماء. كل هذا كان يؤكد إنسانية المحكمة، ويؤكد أن المتهم له حقوق على المحكمة، حتى وإن كان ضليعا في القتل. هذه القيم هي التى ستبقى وإن نسى الناس القضية، وسيظل اسم القاضي العظيم يتردد كلما تذكر الناس العدل والرحمة، مع أن ذلك لم يُخل بسير القضية ولم يخفف حكم الإعدام، وإنما قال له: “لقد جئتَ بفعل خسيس هز أرضا أبية أسرت لويس”… وأشار إلى أرض المنصورة التي قاومت فرنسا وقائدها لويس التاسع حتى هزمته! كما وجه القاضي رسائله للمتهم، ليستقبل الحكم برضا وهدوء. ثم وجه رسائل أخرى للآباء والأمهات ألا يتركوا أبناءهم للأوهام والخرافات ويتناقشوا معهم ليصححوا أفكارهم في كل القضايا التي تشغلهم بدلا من الجلوس على الإنترنت وتضييع الوقت معظم اليوم. وتظل واحدة من رسائل المحكمة إحدى المقولات التي ينبغي تدريسها وهي: “الحب ريح من الجنة وليس وهجا من الجحيم”، إنني أدعو وزارة التعليم لتدريس هذه الديباجة ضمن دروس القراءة لشباب المدارس، ففيها من البلاغة والجمال ما يجب تسجيله للزمن!
دبوس مخدّر
مازال البعض، على حد رأي محمود عبد الراضي في “اليوم السابع”، يتعامل مع الشائعات برعونة شديدة، ويرفع شعار الاستسهال، وإعادة التدوير، وتناقل الشائعات، دون تحقيق أو تدقيق، أو تمرير على المنطق والعقل. العالم الافتراضي على السوشيال ميديا، بيئة خصبة لتداول الشائعات وسرعة تناقلها، هذا العالم الذي لا يعترف بحواجز جغرافية، فيمكن للجالس خلف “الكيبورد” في أقصى الكرة الأرضية، أن يبث سمومه وشائعاته عن بلادنا بأخبار مغلوطة، يتداولها البعض دون تدقيق. السوشيال ميديا باتت تموج بهذه الشائعات، التي لا يسلم أحد منها، كان من آخر صيحاتها “الدبوس المخدر”، والرسائل الصوتية التي ملأت الدنيا بتحذيرات واهية من حوادث خطف مزعومة. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما ظهرت فيديوهات “مفبركة” عن اختطاف الأطفال بواسطة ما سمّوه “الدبوس المخدر”، هذه الفيديوهات المفبركة التي تناقلها البعض دون تدقيق، وساهموا في انتشارها، وتعاملوا معها على أنها حقيقية، مدخلين الرعب والخوف في قلوب الآمنين، ليتبين أنها مغلوطة وتم ضبط القائمين عليها. هؤلاء المشاركون في تناقل الشائعات، لا يقلوا جُرما عن صُناعها، فيشاركون في بث الخوف في قلوب المواطنين، باعتيادهم على “الكوبي ـ بست”، حتى أصبح البعض ينشر على صفحته أي شيء، دون تفكير أو تمهل، لتنتشر الشائعات مثل الهشيم في النيران. يرى الكاتب أن من أعظم المعارك التي تخوضها الدولة الآن، “معركة الوعي”، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة الشائعات والكتائب الالكترونية، فلم تعد الحروب بمفهومها القديم والتقليدي من بنادق وأسلحة ثقيلة، وإنما باتت الحروب تدار من خلال العالم الافتراضي، والسيطرة على العقول، لا سيما صغار السن، والتشكيك في كل شيء، ومن ثم تكمن أهمية “الوعي” ومعرفة الحقائق.
بين زمنين
ما زال محمود الشاذلي مكبلا بالحزب على الضحيتين اللتين أدمى قتلهما الملايين، وعاد الكاتب في “الوفد” بالزمن للوراء: في شبابنا الذي كنا نطلق عليه – زمن الحب – كنا نعشق ونحب ونشعر باللوعة والصد والهجر والخيانة. كانت أم كلثوم تقطع قلوبنا وهي تطربنا وتعبر عن كل مسار عشقنا وتحولاته. في زمن الحب تعلمنا أشواقه ولياليه وبكاءه على نغمات صوتها. هذه الساحرة الخالدة علمتنا الحب وفنونه ولم تتركنا حتى هذه اللحظة. ومع كل تأثيراتها المذهلة تلك فإنها هذبت مشاعرنا وروضت انفعالاتنا فلم تدع لنا فرصة للتفكير في انتقام بسبب الهجر أو الإعراض أو الرفض، فلم تتجه مشاعرنا أبدا لذبح الحب أو نحر الحبيبة أو الانتقام منها أو الشعور تجاهها بالغل أو الكراهية، ما يجعلنا نخطط كي نذبحها علنا، أو نقتلها سرا ونحرق جثتها ونخفيها عن العيون، ثم نأتمن – مثلا – عامل المزرعة على جريمتنا ونعود لممارسة حياتنا العادية وكأن شيئا لم يكن!!
لم نفكر يوما في إيذاء من نحب، بل جعلنا الحب ونحن في خريف العمر نتعاطف مع حبيبة الأيام الخوالي، وكل حبيبة في أي مكان وزمان. وربما ذهبنا لوداعها ونثرنا ورودا على ضريحها، بمذاق انساني بحت. حتى اليوم مازلنا نعيش رومانسية اللحظات الفريدة التي نعتبرها – نحن العشاق والمحبين – أعظم وأنبل ذكرياتنا. حتى أننا – في زمن القتل – نهتز لتحولات العصر وجنونه، فحينما يحدث غدر العشاق، وتذبح طيور الجنة – أو الحب – على قارعة الطريق العام فإننا نهتز من داخلنا وتخفق قلوبنا خفقات حزينة ملتاعة ساعتها نفكر في إنسانية تلك الروح التى أزهقت، ونحاول أن نحيطها بالورود، ونحول مكانها إلى مزار. نحاول الانتصار لإنسانية الإنسان ومشاعره.
لا تنسوا الضحيتين
هكذا دعا محمود الشاذلي منذ اللحظات الأولى لوداع أميرة الدموع – كما سمّاها- في المنصورة – أن يكون مكان اغتيالها مزارا يقصده الناس، وينثروا الورود فيه. وهكذا أدعو الآن كل عشاق الحياة إلى أن ينتصروا لحق “شيماء” – الزوجة المغدورة التي تكشفت مؤخرا أبعاد جريمة قتلها وتشويهها ودفنها في حفرة داخل مزرعة زوجها – في الحياة والعدالة. فيحولوا مكان جريمة قتلها فى مزرعة زوجها القاضي إلى مزار هو الآخر. حديث الناس عن القصاص والعدالة مهم جدا، ولكن الملاحظ على هامش جريمة المنصورة، هو أن القتل كان مذاعا على الهواء صوتا وصورة! هذا أمر مختلف في تقديري عن عملية مقتل شيماء زوجة القاضي، والتي اكتشفت فجأة بعد حدوثها بأيام، ومازال المتهم حرا طليقا. هذه جريمة ارتكبت سرا ويمكن للمنادين بحقوق المتهمين أن يقولوا ما يشاؤون، عن ظروف الجريمة وملابساتها وحقوق المتهم وثغرات القانون والمحامين التماسا لحق القاتل فى الحياة، أما الجريمة المذاعة على الهواء، فالأمر يختلف ولا يجوز فجأة أن ننسى الدماء المراقة أمامنا، ونستذكر فقط حقوق القاتل، على قاعدة “الحي أبقى من الميت” متذرعين بأن هذا “الحي” كان متفوقا مثلا في الصفات والمناقب التي يبحثون عنها عمدا ليتعاطفوا. لعله أمر يشبه فتوى شيخ بإباحة قتل داعرة! حينما تطالبون بالعدل انظروا للصورة الكلية، فلا يفوتكم أن هناك جريمة ارتكبت علنا – دون أن يعبأ القاتل بأدلة تدينه، تسجنه أو تقتله، تقتص منه أو تخفف عقوبته – وأخرى ارتكبت سرا لا يعلم أحد كنهها أو ظروفها أو ما وراءها أو ملابساتها، وطرفاها زوج وزوجة وليس معشوقة ترفض شابا لا تبادله المشاعر!
قلوب قاسية
أهتم الدكتور محمود خليل في “الوطن” بالبحث في أنواع القلوب: “قلوب من الهم تدوب.. وقلوب تمشي عليها دروب”. مثل مصري صميم ما أكثر ما سمعناه من الآباء والأجداد في وصف الظرف الذي يصنع قلبا رقيقا، والظرف النقيض الذي يصنع قلبا قاسيا. يربط المثل الشعبى بين الهم ورقة القلب. القلوب يذيبها الهم. فالإنسان الذي يعاني ويكابد يرق قلبه مع كل معاناة أو مكابدة يخوضها، فمن أوجعته هموم الحياة يكون أكثر ميلا إلى الرقة مع غيره، ومن ذاق طعم الظلم هو الأشد ميلا إلى العدل، ومن عرف معنى الضعف يفهم كيف ينتصر لضعيف مثله. فمن دمغ الهم أو الظلم أو الضعف رحلته في الحياة أرق قلبا وأحن على من حوله. وفي هذا السياق تستطيع أن تتفهم الحكمة الكبرى من ابتلاء الله لعباده في الحياة، يقول الله تعالى: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”. فالقلب الذي يصمد أمام هذه الابتلاءات يخرج نقيا سليما قادرا على العطف والتعاطف. في مقابل القلب الرقيق يبرز القلب القاسي بهالته القبيحة، وهو يسكن نوعا من البشر فقدوا وعيهم بالحياة أو سارت بهم سيرا هانئا ناعما، فتعودوا أن تنال أيديهم ما يرغبون، وأن تطول من يريدون، وتبطش بمن تحب، وتعطي من تهوى، مثل هذه القلوب وصفها الأجداد بأن الإنسان يمكن أن “يسير عليها دروب”، بسبب تصخرها وتصحرها. يصعب على صاحب القلب القاسي الذي تعود أن كل شيء عند أطراف أصابعه، وأن الكل يهابه، أن يتعامل مع من يظن أنه يتحداه تعاملا عاديا أو بسيطا، بل يميل إلى البطش حتى ينعش غرور قوته ويشعر بالسيطرة على الأشياء، ويؤكد لقلبه المتيبس أنه فوق الجميع، وهو يبطش بجبر وتجبر. تأمل الآيات الكريمة التي تقول: “أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين”، وانظر إلى الرباط الواضح الذي يربط بين الإحساس بامتلاك أدوات الدنيا والقلوب القاسية الميالة إلى البطش.
ورطة بايدن
المعضلة الأمريكية، حسب رأي عبد الله السناوي في “الشروق”، أن الحلف العسكري ضد إيران يناقض التسوية الممكنة معها. يوضح الكاتب: أن فكرة الحرب في الشرق الأوسط عبء على الاستراتيجية الأمريكية المنهكة في الصراع المزدوج مع اللاعبين الروسي والصيني، لا تحبذ الحلف العسكرى لكنها تماشي الكلام الإسرائيلي لعله يساعد في دفع إيران لتقديم تنازلات بأي مفاوضات مقبلة تتجاوز الاتفاق النووي إلى الترتيبات الإقليمية التي تلحقه. يدرك الإسرائيليون أن مشروع الحلف العسكري يكاد يكون مستحيلا الآن، لكنهم يلحون عليه مرة بعد أخرى بهدف الاعتياد على منطقه وأسبابه، كأنها فكرة مشروعة وطبيعية يحتاجها الشرق الأوسط فعلا! بالتزامن جرى تأكيد إسرائيلي على مشروع “منتدى النقب”، الذي ترأس فيه وزير خارجيتها وزراء خارجية عرب ممن لهم اتفاقيات سلام معها! أرادت أن تقول إنه مستمر، وأنها تترأسه حتى انتخاب رئيس جديد، وأن جدول أعماله يمتد من التعاون الإقليمى إلى بناء منظومة عسكرية مشتركة. كانت تلك رسالة ملغمة وجدت في البحرين منصة إعلانها قبل أيام من زيارة «بايدن». مستوى التمثيل متواضع والكلام عمومي، لكنه يعكس إرادة المضي في سيناريو عسكرة الشرق الأوسط إلى آخر مداه. أرجو أن نتذكر أنه عقب العودة من النقب صرح وزير الخارجية المصري سامح شكري: “لن نكون طرفا في أي تحالف عسكري”. إذا ما صحت التسريبات المتواترة عن أن السعودية تنتهج الموقف نفسه تتأكد أهمية حاجة البلدين إلى بعضهما لصد ما لا يصح التورط فيه بالضغوط أو الاندفاع إليه بالحسابات الخاطئة. بصورة أو أخرى يماشي الخليج الكلام الإسرائيلي بنصف قلب خشية العواقب الوخيمة. لا هو مطمئن إلى الجار الإيراني ولا هو واثق أن إسرائيل قادرة على حمايته. كان الهدف الرئيسى من جولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مصر والأردن وتركيا استكشاف حقيقة المواقف مما قد يطرح في زيارة “بايدن” وإلى أي حد يمكن لبلاده أن تعول عليها.
في الحساب السعودي، والكلام ما زال لعبد الله السناوي، فإن خطوتي التطبيع المجاني والانخراط في التحالف العسكري مع إسرائيل يسحب عنها أي أدوار مؤثرة تتطلع إليها في العالم العربي. إذا ما انخرطت في الحلف العسكري فهو إعلان حرب لا تريدها مع إيران. الاشتباك السياسي غير المواجهة العسكرية. هناك الآن سعي سعودى إيرانى مشترك عبر الوسيط العراقي للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمات المتفاقمة بين البلدين، في اليمن خصوصا. النتائج معلقة إلى حين إحياء الاتفاق النووي مع إيران.
إنه خيار التفاوض لا الحرب. دول أخرى في الخليج اندفعت في تيار التطبيع إلى حدود غير متخيلة وجدت نفسها مدعوة لتأمين أراضيها ومستقبلها بفتح قنوات اتصال معلنة مع إيران أكدت فيها أنها لن تسمح باستخدام أراضيها في أي أعمال عدائية. رغم تلك الموانع المتحفظة على مشروع عسكرة الشرق الأوسط لا تكف إسرائيل عن المضي فيه.
بتوقيت مقارب شاركت لأول مرة في مناورات “الأسد الافريقي” تحت قيادة أمريكية وبمشاركة دولتين عربيتين في الشمال الافريقي تونس والمغرب التي جرت المناورات على أراضيها. في تلك المناورات بدت تونس “فريسة” جرى اصطيادها رغما عن إرادة شعبها بأثر أزماتها السياسية والاقتصادية التي توشك على الانفجار. لماذا تشارك إسرائيل في مثل تلك المناورات وهي ليست دولة افريقية؟! الإجابة الأكثر تماسكا: إحكام الحصار على القضية الفلسطينية وحجب أي دعم افريقى منتظر لها، وحصار الجزائر التي منعت اعتماد عضويتها في الاتحاد الافريقى كمراقب. في التوقيت نفسه جرت مناورات إسرائيلية في قبرص استعدادا وتأهبا لأي مواجهة محتملة مع إيران، أو حزب الله في لبنان.
هذه كلها رسائل ملغمة لدولة تطلب بالقوة قيادة العالم العربي وإنهاء القضية الفلسطينية إلى الأبد. المفارقة الكبرى إنها في أضعف حالاتها، حكوماتها مأزومة وهواجس أمنها تطاردها وصورتها تقوضت في العالم بأثر سياسات الفصل العنصري في فلسطين المحتلة غير أن الضعف العربي المفرط يغريها باستعراض عضلاتها عليه. بقوة الحقائق لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية، وأي تجاوز من هذا النوع عواقبه وخيمة على من يتورط فيه.
ظلال الحرب
نتوجه نحو ساحة الحرب بصحبة جورج فهمي في “الشروق”: تُلقي الحرب الروسية على أوكرانيا بظلالها على الكنائس الأرثوذكسية حول العالم، التى باتت تجد نفسها في موقف صعب في ظل هذه الحرب التي استعانت فيها روسيا بالكنيسة الروسية لدعم هجومها على جارتها الأرثوذكسية. وبالرغم من سعي الرئيس الروسي إلى تقديم نفسه دوما على أنه الابن البار للكنيسة الروسية، أدى قراره بالحرب على أوكرانيا إلى انشقاقات عميقة داخل الكنيسة الأرثوذكسية بفروعها المختلفة حول العالم، بل وحتى داخل روسيا نفسها. وتُعَد الكنيسة الأرثوذكسية ثاني كنيسة مسيحية على مستوى العالم بعد الكنيسة الكاثوليكية، حيث تضم ما يقرب من 260 مليون مسيحي أرثوذكسي حول العالم، طبقا لتقرير أصدره مركز “بيو” عام 2017. يعيش نحو 40 في المئة من هذا العدد في روسيا، بما يقرب من 100 مليون مسيحي أرثوذكسي. وتلي روسيا أوكرانيا، التي يبلغ عدد المسيحيين الأرثوذكس فيها نحو 35 مليونا. وتتساوى إثيوبيا في هذا العدد مع أوكرانيا، وتليهما في الترتيب رومانيا التي يعيش فيها 19 مليون مسيحي أرثوذكسي، ثم اليونان بنحو 10 ملايين. أما في المنطقة العربية، فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية هي الكنيسة الأكبر في الشرق الأوسط؛ كما إن لبنان وسوريا يضمان طوائف أرثوذكسية، ولكن بأعداد أقل. عموما، تُعَد أوروبا الشرقية والوسطى القاعدة الرئيسة للمسيحيين الأرثوذكس، إذ يعيش فيها نحو 75 في المئة من المسيحيين الأرثوذكس في العالم. أما على مستوى العلاقة بين الكنائس الأرثوذكسية المختلفة، فلا تعرف هذه الكنائس سلطة واحدة هرمية كما هو حال الكنيسة الكاثوليكية، بل إنها منظمة في شكل مجموعة من الكنائس المستقلة التيي يدير كل منها أساقفتها ومجامعها الدينية الخاصة بها.
خسارة نفوذ
أوضح جورج فهمي أن الكثير من قيادات هذه الكنائس في روسيا وأوكرانيا يحمل لقب البطريرك، كما هو حال البابا تواضروس الثاني، بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر. غير أن بطريرك القسطنطينية، ومقره مدينة إسطنبول التركية، يُشار إليه بوصفه “الأول بين المتساوين”، وذلك لما لكنيسة القسطنطينية من ثقل روحي وتاريخي بين المسيحيين الأرثوذكس حول العالم، وخاصة في شرق وجنوب شرق أوروبا. يترأس كنيسة القسطنطينية اليوم البطريرك بارثولوميو الأول. وعلى الرغم من أنه لا يمارس السلطة الدينية الواسعة التي يتمتع بها بابا الفاتيكان في الكنيسة الكاثوليكية، يعتبره أتباعه الرمز الديني الأرفع في العالم الأرثوذكسي. يعود الدور الديني لكنيسة القسطنطينية إلى عصر الإمبراطور قسطنطين، الذي جعل المسيحية في القرن الرابع الميلادي الديانة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية وبالتالي لعاصمتها، القسطنطينية. وقد ظلت القسطنطينية إلى اليوم المقر التاريخى للأرثوذكسية على الرغم من سقوطها فى أيدي العثمانيين فى العام 1453، وتغيير اسمها من القسطنطينية إلى إسطنبول. سعت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى توسيع دائرة نفوذها داخل العالم الأرثوذكسي في مواجهة كنيسة القسطنطينية، وذلك استنادا إلى كونها الكنيسة الأكبر حجما، وكذلك لدورها التاريخي في إطار الإمبراطورية الروسية. إلا أن الحرب الروسية الأخيرة على أوكرانيا أضرت بطموح الكنيسة الروسية، بل وقد تكون قضت عليه تماما. فقد أدت هذه الحرب بالكنيسة الروسية إلى خسارة كل نفوذ لها داخل الكنيسة الأوكرانية، وحتى داخل الأوساط الدينية الأوكرانية التي كانت تدين لها بالولاء قبل بداية الحرب. وتضم أوكرانيا كنيستين أرثوذوكسيتين: الأولى هي الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة في أوكرانيا، والثانية هي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، وهي التي تتبع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. يعود تاريخ هذا الانقسام بين الكنيستين الأوكرانيتين إلى العام 2019. فبعض رموز الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية كانت طالبت كنيسة القسطنطينية بمنحها الاستقلال عن الكنيسة الروسية لسنوات، قبل أن تعلن كنيسة القسطنطينية منذ نحو ثلاثة أعوام اعترافها الرسمي بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ككنيسة مستقلة. هذا الأمر أثار غضب الكنيسة الروسية التى ردت عليه آنذاك بقطع علاقاتها بكنيسة القسطنطينية.