السيسي: كل طوبة في البلد عارفها وشايفها… يا مصريين الدولة مش أكل وشرب… ناكل ولا نسيب الناس مرمية في الشوارع؟

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: اهتمت صحف أمس الخميس 15 يونيو/حزيران بما قاله الرئيس السيسي، من إن البنية الأساسية لافريقيا بحاجة إلى آلاف المليارات من الدولارات، مؤكدا «احنا بنحفر مستقبل بلدنا كل طوبة في البلد أنا عارفها وشايفها». متابعا: اوعوا تزعلوا من اللي هقوله، نأكل ولا أشيل الناس واسكنهم في بشاير الخير والدنيا تبقى غالية شوية”. “ناكل ولا أسيب الناس مرمية في الشوارع ونايمة في الصفيح، الدولة بتحاول تعالج تاريخ طويل”. وأضاف الرئيس السيسي، أنه إذا لم نمتلك بنية أساسية تليق بدولة فلا يمكن بناء مستقبل، موضحا أن الموازنة التي خصصت لوزارة النقل بلغت 2 تريليون جنيه. “بشرح الشرح ده ليا وللمسؤولين وللناس المهتمة في مصر وخارج مصر، عشان تعرف ليه الدول مش مستقرة، الناس عايزة تعيش، طب ازاي؟ الناس تقولك عايزين ندي للناس فرصة للحريات أكتر تتكلم.. صح.. بس خلي بالك الناس مش هتفضل تتكلم وتتفرج عليك هيسيبك ويطلع على البحر يهاجر.. إحنا بنحاول نعمل حاجة عشان نعيش زي أوروبا. وأضاف السيسي خلال كلمته في افتتاح محطة “تحيا مصر” متعددة الأغراض في ميناء الإسكندرية: “يا جماعة أنا لما بكلمكم كده يا مصريين عشان تعرفوا يعني إيه مصر.. الدولة مش أكل وشرب.. الدولة حاجة تانية خالص”. مشيرا إلى أن تطوير الموانئ يهدف لوضع البلاد على خريطة المنافسة والاستفادة من قدراتها وموقعها، مشددا على أنه لا تهاون في مواجهة التعديات على أملاك الدولة. يشار إلى أن السيسي افتتح أمس محطة «تحيا مصر» متعددة الأغراض على رصيف (55-62) في ميناء الإسكندرية، إلى جانب حضور مراسم رفع علم مصر على سفينة وادي الملوك..
ومن أخبار الديون: أعلنت الجريدة الرسمية عن قرار رئيس الجمهورية بشأن الموافقة على اتفاق قرض بين مصر وبنك التنمية الافريقي “برنامج دعم الأمن الغذائي والصمود الاقتصادي” بمبلغ لا يتعدى 271 مليون دولار أمريكي. ومن أخبار الرياضيين: وجه ماهر شتيه عمدة قرية نجريج في محافظة الغربية، التي ولد فيها فخر العرب في حديثه لـ«الوطن»، رسالة له احتفالا بعيد ميلاده، قائلا «زي النهاردة ولد ابننا محمد صلاح اللي شرفنا ورفع راسنا وفخر العرب، وبقوله كل سنة وأنت طيب وبنتمنى لك التوفيق ودايما فخورين بك»..
كيف يحدث هذا؟

كيف ينتخب شعب وحرائره في السجون؟ سؤال يتردد على شفاة الكثيرين دون أن يجرؤ كاتب على طرح القضية للعلن.. وحده قرر الدكتور يحيى القزاز التخلي عما ينتاب الكثير من خوف محاط بحذر وطرح السؤال في “المشهد”: منذ يومين كتبت مقالا بعنوان “هل يغيب السيسي عن الانتخابات الرئاسية المقبلة؟”، أعلن خلاله عدولي عن رفضي المشاركة في الانتخابات الرئاسية المستحقة 2024 إذا عدل الرئيس عن ترشحه واستقدمت الدولة المجتمع الدولي مشرفا على الانتخابات من البداية، لإعلان النتائج، وتوافرت بعض المتطلبات الأساسية لحقوق الإنسان، كفتح المجال العام، وحرية الحركة والتنقل والاجتماعات العامة والنقد والمساواة وتكافؤ الفرص.. وسقط سهوا المطالبة بالإفراج عن مسجوني الرأي. علق البعض ينتقدونني ويلومونني برفق جارح على إغفالي المطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي. وركز المنتقدون على إخلاء سبيل النساء أولا وقبل كل شيء منهن الإعلاميات: هالة فهمي وصفاء الكوربيجي ومنال عجرمة ودنيا سمير، على سبيل المثال لا الحصر. يرون احترام النساء واجبا وحسن معاملتهن وإن تجاوزن فريضة مقدسة. خجلت من نفسي، وصرت أهرب منها.. كيف أنسى حرية من هي أمي وشريكتي واختي وابنتي، من هي عمار الكون؟ هي ليست سقطة تستحق الاعتذار، إنها جريمة تستحق الحساب والعقاب. وأصعب حساب.. حساب النفس، وأقسى عقاب.. عقاب الضمير. الإفراج عن الجميع رجالا ونساء واجب، وعن النساء فريضة.

لا نامت اعينهم

انتهى الدكتور يحيى القزاز عند الحقيقة التي لا يجرؤ الكثيرون عن الخوض فيها أو مجرد مناقشتها: الانتخابات لن تكون ديمقراطية ولا نزيهة في وجود معارضين رهائن في السجون. كيف يمارس الشعب حريته في اختيار حكامه وهو يخاف من مجرد إبداء الرأي همسا أمامهم؟ هل يمكن أن نطلق حملة شعبية للإفراج عن جميع المعتقلين قبل الانتخابات الرئاسية وبالذات النساء؟ إذا لم نستطع الجهر بحملة تطالب بإخلاء سبيل النساء كشرط للمشاركة في الانتخابات. هل نستطيع أن نكون أحرارا في خوضها والمشاركة فيها؟ كثرة الأسئلة وغياب الردود دلالة على التخبط والخوف. هل رأينا انتخابات ديمقراطية حرة في وطن مقيد، ونخبة سياسية عاجزة عن إبداء الرأي؟ إذا كان كل من ينتقد سياسات الحاكم عدوا إرهابيا يستحق السجن، إذن كل من يؤيدها منافق انتهازي يستحق النبذ. المساواة في الظلم عدل معكوس. لا إشادة بأحد ولا هجوم على أحد.. تعادلية عدمية تفرضها العدالة العمياء بحق أصحابها المهمشين. من حق المؤيد والمعارض أن يعلن رأيه في إعلام الدولة.. تعادلية إيجابية يفرضها الحق في الحرية. عصر العبودية ولّى، وهَجَرَ الصمت مخدعه.. فولى هاربا، وامتطى الحر فرسه وشرخ. تلك أولى أبجديات حرية الرأي، ونزاهة الانتخابات الديمقراطية الحقيقية. كيف ينام حر وعرضه ورعيته في الزنازين؟ الحرية لأعراضنا.. الحرية لحرائر مصر.. ولا نامت أعين الجبناء.

الضفة لن ترضخ

ألغى بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، اجتماعا كان سيعقده يوم 12 من هذا الشهر، وكانت الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عليه هي سبب إلغاء الاجتماع. والقصة التي اهتم بتفاصيلها سليمان جودة في “الوفد” تفيد بأن مستوطنة إسرائيلية ضخمة كانت موضوعا أساسيا مطروحا للنقاش على طاولة الاجتماع، ومن المعروف أن المستوطنة تحمل اسما مختصرا هو «إي 1».. وكانت الموافقة عليها قد جرت في تسعينيات القرن الماضي، وكانت عملية تنفيذها تقدم رِجلا وتؤخر الأخرى منذ الموافقة عليها، لأنها كانت ولا تزال أخطر مشروع استيطاني إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. والمعارضون لها كانوا قد أطلقوا عليها مسمى «مستوطنة يوم القيامة» ليس لأنها تضم 3400 وحدة سكنية، ولا لأنها تقع في وسط الضفة، ولكن لأنها سوف تفصل عند تنفيذها شمال الضفة عن جنوبها، ولأن مجرد البدء فيها يمكن أن يقلب الدنيا في الضفة. ولا تستطيع إدارة الرئيس بايدن، ولا أي إدارة أمريكية غيرها، أن تحتمل إقامة مستوطنة تفصل بين شمال الضفة وجنوبها، لأن الفصل معناه تعطيل «حل الدولتين» الذي يتوافق حوله المجتمع الدولي، الذي تقول الولايات المتحدة على لسان إداراتها المتعاقبة أنها ملتزمة به أمام الفلسطينيين والعالم. وإذا كان تنفيذ هذه المستوطنة قد تأخر ما يقرب من 30 سنة، فهذا معناه أن كل حكومة جاءت في تل أبيب منذ الموافقة عليها، لم تجرؤ على تنفيذها، ولا كذلك استطاعت أي إدارة أمريكية جاءت على مدى العقود الثلاثة أن توافق عليها. ولكن المشكلة أن نتنياهو عندها قرر تأجيل الاجتماع، قال ما معناه إنه يؤجل مناقشة مشروع المستوطنة ولا يلغيه.. وهذا التأجيل لا الإلغاء يمثل مشكلة في حد ذاته، لأنه لا حل سوى الإلغاء في النهاية، ولأن التأجيل يؤجل الموضوع لا أكثر، وتأجيله ليس حلا، ولن يكون. وإذا كانت واشنطن تضغط في اتجاه إلغاء مشروع المستوطنة تماما، فليس أمامها سوى أن تواصل الضغط في هذا الاتجاه، لأن الإلغاء يحقق المصلحة الأمريكية في المنطقة، بمثل ما يحقق المصلحة الإسرائيلية، وبالطبع يحقق المصلحة الفلسطينية بالتوازى معهما. المصلحة الفلسطينية تتحقق بتحويل حل الدولتين إلى واقع، وإذا حدث هذا ستستقر الأحوال في المنطقة، التي لا مصلحة للولايات المتحدة ولا لإسرائيل في عدم استقرارها.

في انتظار الحصاد

خلال لقائه مع مجموعة من أهالى قرية الإبعاديةَ في محافظة البحيرة قال الرئيس السيسي أنه لا يقلق من السوشيال ميديا لأنها دردشة تشبه الدردشة التي كانت تتم بين المواطنين في المقاهي ولكنها الآن تتم على الهواء. وبالفعل السوشيال ميديا وفق ما رأى عبد القادر شهيب في “فيتو” تنقل ما يدور بين الناس من أحاديث علنا للجميع، وبشكل عفوي مباشر.. ولذلك متابعتها توفر معلومات وفيرة عن شواغل الناس واهتماماتهم وما يؤرقهم ويثير ضيقهم ويزعجهم وما يفرحهم ويريحهم.. أي أنها مادة شديدة الثراء لمن يتولون تحليل اتجاهات الرأي العام، تفيدهم كثيرا في القيام بتحليلاتهم التي يضعونها أمام مُتَّخِذ القرار وهو يتخذ القرارات. نعم ما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي يعكس اهتمامات وشواغل قطاع من المواطنين، تحديدا القطاع الذي يستخدم خدمة الإنترنت، ولا يعكس بالطبع شواغل من لا يستفيدون من هذه الخدمات، إلا أن هؤلاء تحديدا ينتمون إلى الطبقة الوسطى وهي الطبقة الأنشط والأكثر تأثيرا في المجتمع وحركته السياسية.. فكل التغييرات التي تشهدها البلاد المختلفة تلعب فيها هذه الطبقة المتوسطة الدور المؤثر والبارز. هنا يصير الاهتمام بما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي أمرا مهما وضروريا من قبل المؤسسات والأجهزة المناط بها القيام بتحليل اتجاهات الرأي العام لمراجعتها عند اتخاذ القرارات من قبل متخذي القرارات.. فإذا كانت السوشيال ميديا هي دردشة على الهواء، كما قال الرئيس السيسي فهي هنا لا تثير القلق، وإنما على العكس تماما تفيد في معرفة شواغل الناس واهتماماتهم لمراعاتها عند اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم.

انتظروا النتائج

يتردد حاليا الحديث عن انفراجة محتملة في العلاقات بين مصر وإيران، بالتزامن مع ما تمر به منطقة الشرق الأوسط من موجة انفراجات لقضايا تأزمت طوال السنوات الماضية، ومنها كما أشارت الدكتورة إيمان رجب في “مصراوي” إعلان كل من السعودية وإيران توصلهما لاتفاق يعيد العلاقات الدبلوماسية بينهما برعاية صينية في مارس/آذار 2023، ودعوة الرئيس بشار الأسد للمشاركة في القمة العربية التي عقدت منذ أسابيع. ويدعم الحديث عن التقارب المصري -الإيراني المحتمل عدة تصريحات صدرت عن الجانب الإيراني، ومنها تصريح المرشد آية الله علي خامنئي أثناء استقباله سلطان عمان منذ أيام بأن بلاده ترحب “بعودة العلاقات بشكل كامل مع القاهرة في إطار التوسع في سياسات حُسن الجوار، واستغلال طاقات وإمكانات الدول الإسلامية لتعود بالفائدة على جميع شعوب ودول المنطقة”، وتصريح المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي بهادري جهرمي الذي أكد استعداد بلاده لتعزيز العلاقات مع مصر. ولم تصدر عن الجانب المصري تصريحات مماثلة، بل إن وزير الخارجية المصري صرح بأن “ما يثار بشأن وجود مسار مصري إيراني مجرد تكهنات لا أساس لها من الصحة”. إن الحديث عن انفراجة محتملة في العلاقات بين القاهرة وطهران يرتكن إلى تصور سائد في دول عدة في المنطقة مفاده بأن موقف السعودية من إيران طوال السنوات الماضية كان يمثل قيدا خارجيا على سياسات مصر تجاه إيران، وإن وجود تغير في هذا الموقف على النحو الذي يكشف عنه الاتفاق الذي رعته الصين، يترك مساحة ما لمصر لتقرر نمط العلاقات مع إيران خلال الفترة المقبلة. ولكن رغم أن العلاقة الاستراتيجية بين مصر والسعودية والتي ترسخت بشكل كبير بعد دعم السعودية لثورة 2013 التي أسقطت حكم الإخوان في مصر، كانت تراعيها مصر في كثير من تحركاتها الخارجية وبدرجة ما السعودية، إلا أن تغير موقف السعودية من إيران لا يعني بالتبعية تغير موقف مصر من إيران في المستوى ذاته. إذ أن هناك عوامل أخرى تؤثر في فرص التقارب بين مصر وإيران وكانت سببا في تمسك مصر طوال السنوات الماضية بسياسة “ننتظر ونرى” في تعاملها مع فكرة التطبيع الكامل للعلاقات مع إيران، رغم جهود الوساطة التي مارستها كل من عمان والعراق لسنوات.

لا يعرف المستحيل

روى وزير النقل الفريق كامل الوزير، موقفا حدث بينه وبين رئيس شركة تاليس العالمية عن المشروعات القومية التي يتم تنفيذها على أرض جمهورية مصر العربية. ونقل محمود مصطفى في “مصراوي” عن الوزير قوله، خلال كلمته في افتتاح محطة “تحيا مصر” متعددة الأغراض في محافظة الإٍسكندرية، بحضور الرئيس السيسي، إن رئيس شركة تاليس العالمية قال له خلال أحد اللقاءات بينهما، إن هناك الكثير من دول العالم لديها حلم وطموحات، إلا أن مصر هي الدولة الوحيدة التي لديها أحلام وطموحات وتقوم بتنفيذها. وأضاف وزير النقل:”رئيس شركة تاليس العالمية قال لي: “عندكم رئيس بيحول المستحيل إلى ممكن”، متابعا: “بإذن الله مصر تستطيع”. وتعد محطة “تحيا مصر” أحد الروافد الرئيسية للمحطة اللوجستية التي تم إنشاؤها خلف الميناء، ما يساهم في رفع تصنيف ميناء الإسكندرية. وتدير المحطة أياد عاملة مصرية بنسبة تزيد عن 95% الذي بدوره سيوفر حوالي 1500 وظيفة عمل مباشرة و2000 فرصة عمل غير مباشرة. وتشتمل المحطة على ساحات تداول تبلغ نصف مليون متر مربع، وتنقسم إلى 3 محطات تداول (حاويات – بضائع عامة – سيارات)، وقادرة على تداول من 12 إلى 15 مليون طن بضائع سنويا واستقبال من 6 إلى 7 سفن ذات حمولات كبيرة في الوقت نفسه. وتقدر أطوال أرصفة المحطة حوالي 2450 مترا طوليا ما يؤهل المحطة لاستقبال السفن ذات الحمولات الكبيرة، حيث إن أقصى عمق يصل إلى 17.50 متر.

صديقة الموتى

لا تنكر القاهرة مُحبّيها ولا تخون ودَّهم، ولا يُعقل أن تلفظ من استقرّ مثواهم في تُرابها، إنها متحفٌ مفتوح من الأضرحة ومراقد النجباء في كل العصور، ما يجعلها مدينة صديقة للموت بجدارة، لكنها كما قال حازم حسين في “اليوم السابع”، في الوقت نفسه تُحبّ الحياة وعليها واجبات تجاه الأحياء، يصعب أن تبقى على حال الاختناق الراهنة بالسكّان والزائرين، وهي في حاجة إلى أن تتنفّس، لتظل صالحة للعيش وقادرة على خدمة أكثر من عشرين مليونا يتسابقون في أوردتها كلّ صباح، لهذا لا تتوقّف أعمال التطوير، ولا يصح أن يكون ذلك بين الخيارات أصلا، على أن تُصاغ البرامج في الإطار الضامن للتاريخ والحاضر معا. قبل أسابيع أُثيرت نقاشات عن الأمر، كان مدخلها بعض المشروعات الجارية شرقا، والمأخذ فيها ما أُشيع عن العمل في نطاق جبّانات الشافعي والسيدة نفيسة، بما لها من رمزية عقائدية وما تحمله بعض أركانها من قيمة تاريخية، فُتح الملف وأدلى فيه كثيرون بما يطيب لهم، فاختلط الصدق بالاختلاق، وغابت الحقائق أحيانا، وكان ضروريّا أن تضع الدولة نقطة فارقة في آخر السطر.ظلّ الأمر مُعلّقا إلى أن حسمه الرئيس أخيرا، بات ذلك مُعتادا، أن تُحل الأمور من خلال رأس الدولة مُباشرة، وهو مسلكٌ يُنبئ عن مواكبةٍ رئاسية دائمة، واطّلاع حثيث على حركة الرأي العام، ورغبة حقيقية في إقامة الأمور على أرضية راسخة من الجدية والمُكاشفة، الغريب أن الحكومة تكاد ترخي زمام المُبادرة لآخره في كل الامتحانات تقريبا، والموضوعات المُشتعلة في نطاق اختصاصها لا ينقشع دخانُها إلا عندما يتدخّل الرئيس، وهو موقف محمود من القيادة السياسية، إلا أنه من غير الطبيعي أن يبقى التنفيذيّون المعنيّون بالملفّات في موقع ردّ الفعل، مع ما ينشأ عن ذلك من ضبابيةٍ وتعقُّد للخيوط، ورواجٍ للشائعات أحيانا، قبل أن يأتي طوق النجاة من أعلى المستويات، لعلاج أخطاء كانت يمكن تجنُّبها منذ البداية، أو كبح انفلاتها، أو ترشيد انعكاساتها المُجتمعية، حال أحسن الوزراء والمحافظون ومساعدوهم إدارة الأزمة، والاضطلاع بالتزاماتهم، وتحمُّل النتائج بشجاعة ومسؤولية.

تناقض صريح

على مدى أسابيع من حضور موضوع مقابر شرق القاهرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، كان الملمح الإيجابى من وجهة حازم حسين في اهتمام عوام المُستخدمين، أن هناك وعيا جادّا ومُتناميا بمسائل الهويّة والتاريخ، ونزوعا مُخلصا لصيانة إرث مصر وعناصر ثرائها. ربما ينطوى الموقف على تناقضٍ صريح مع خطابات مُغايرة تحتضنها المنصّات نفسها، ويطلّ فيها فريق من المُنسلخين عن انتمائهم للحضارة المصرية أو الساعين للالتحاق بدوائر أخرى، ذات امتدادات عقائدية أو عرقية غريبة عن نسيجنا، إلّا أن الحالة الأخيرة، إذا وُضعت بجانب موجة الفخر الحاشدة خلال حفلي موكب المومياوات الملكية في القاهرة وافتتاح طريق الكباش في الأقصر قبل عامين تقريبا، وإلى الهبّة الحامية ضد شبكة «نتفليكس» مع عرض شريطها التلفيقي عن الملكة كليوباترا الشهر الماضي، يُمكن القول إننا إزاء نزعة وطنية تتشكّل وتحفر مسارها في نفوس ملايين المصريين، قد تهتزّ أو تخفت أحيانا، لكنها تسمح بالالتقاء على أمورٍ عميقة وكامنة في روح الشخصية المصرية. رغم أي انتقاد أو مآخذ على المؤسَّسات والأفراد، لا يُمكن تجاهل أن تلك السبيكة الجامعة من عناصر الانتماء والقيم وإجلال جذورنا الضاربة في عُمق الأرض، واحدة من مكوّنات القوة التي يمكن البناء عليها لناحية إثراء المجتمع وتعزيز تجانسه. يُجِلّ المصريون الموت، ويحتفظون له بقداسةٍ راسخة، صحيح أن تلك الرؤية مُتجذّرة في الاعتقاد الإسلامي والمسيحي على حدٍّ سواء، لكن ما يحضر ضمن منظومة الطقوس المصرية يتجاوز فكرة الدين إلى الامتداد التاريخي، يُمكن الجزم بأن كثيرا من مفردات العالم الآخر سرت في شرايين الاجتماع، لتنتقل من ماضى الأجداد إلى حاضر الأحفاد ويوميّاتهم، يتجلّى ذلك واضحا في إعلاء قيمة المقابر، والاهتمام بتخطيطها وعمارتها وزخارفها، وأن تصبح مزارا له قيمة جمالية ومعرفية في ذاته، على نحو مُفارق لما تُرسّخه تصوُّرات الأصولية الإسلامية، أو غيرها عن الموت ومراسمه وجغرافيّته، انتقلت المدافن من غرب النيل إلى شرقه، لكن رمزيّتها ظلّت على حالها، لذا ليس ثمّة فارق بين الاهتمام الراهن بما يجري في «السيدة والإمام»، وما جرى مع تشييع مُومياوات أكثر من 20 ملكا من حضن النيل عند التحرير إلى الناحية المُقابلة لمقابر الشرق في متحف الحضارة، كأن المصريين يُعيدون إنتاج الطقوسيّة القديمة، ويحتفون بالقيمة المُتحقِّقة في عُمران الموت.
رغم بلوغه المئة

هنرى كيسنجر ثعلب السياسة الأمريكية.. بلغ عامه المئة.. واللافت للنظر من وجهة نظر الدكتورحسن يوسف طه التي أبداها في “الوفد” هو أن الرجل في عامه المئة يتحدث بثقة وتركيز ويقظة.. رغم كبر السن لكن الرجل له حضوره وتأثيره، وآراؤه التي ينبغي أن يلتفت إليها.. أو على الأقل الإنصات إليها، ربما يمكن الاستفادة منها، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر.. كيسنجر مهووس بالذكاء الاصطناعي، وقد اشترك مع اثنين من المؤلفين في تأليف كتاب صدر عام 2021 بعنوان «عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان».. وكيسنجر عبر عن خشيته من أن الذكاء الاصطناعي سيتسبب في أزمات عالمية، وهذا يتطلب وجود قيادات تمتلك الكثير من المسؤولية والحكمة في تسيير الأمور وتعمل على تجنب الصراع. وهو يعترف بأن السرعة التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي ستجعله يشكل إشكالية في وقت الأزمات. ويقول.. إنني أحاول الآن أن أفعل ما فعلته في ما يتعلق بالأسلحة النووية.. والتنبيه على حجم مخاطرها الكارثية على البشرية.. على المستوى نفسه أحاول الآن لفت الانتباه إلى أهمية تأثير هذا التطور وبيان مخاطره. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل أحد ينتبه لما يقوله كيسنجر؟ هل أحد يلتفت لكل التحذيرات التي تنطلق من هنا وهناك.. أم أن المهم هو تحقيق النجاح والتفوق دون النظر إلى الجوانب السلبية والمعتمة في الموضوع؟

كان زمان

كان الرأي الآخر دائما وفق ما أشار إليه فاروق جويدة في “الأهرام” موضوعا للخلاف بين الفن والسلطة، فإذا كانت السلطة تمثل الواقع بكل ما فيه من الحقائق، حتى إن كانت غريبة فإن الفن حلم لتغيير الواقع والوصول إلى صيغة أفضل للحياة.. ومن هنا كانت السلطة دائما تتعامل مع الفن بحساسية شديدة، هناك أفلام أثارت الخلافات وربما المعارك ومنها «شيء من الخوف» و«البريء» و«الكرنك» و«ميرامار» و«ثرثرة على النيل».. وكانت لى أزمات كثيرة في مسرحياتي التي أنتجتها الدولة، وقام بها نجوم الفن، “الوزير العاشق” و”دماء على ستار الكعبة” و”الخديوي”، وأخيرا “هولاكو” التي واجهت ظروفا صعبة، رغم أن المخرج الراحل جلال الشرقاوي كانت أمنية حياته أن تكون آخر أعماله.. واختلاف المواقف بين الفن والسلطة خلاف قديم وكلنا يذكر “فرافير” و”المخططون” ليوسف إدريس و”بكالوريوس في حكم الشعوب” و”على الرصيف” و”الحسين شهيدا” و”الفتى مهران” للشرقاوي.. وقد سأل الزعيم جمال عبد الناصر الرئيس تيتو رئيس يوغسلافيا ماذا تفعل إذا وجدت عملا فنيا يهاجم النظام ويطالب بإسقاطه، فقال له تيتو «النظام الذي يسقطه فيلم أو مسرحية ليس جديرا بالبقاء ويجب أن يرحل».. ويبقى الخلاف بين الفن والسلطة صراعا بين الحلم والواقع، بين الحقيقة والخيال، بين من يريد تغيير الحياة ومن يرى انه ليس في الإمكان أفضل مما كان.. وفي كل زمان يخرج عمل فني يثير العواصف والرياح بين السلطة والفن، وقد يصل إلى المنع والمصادرة، وقد يجد قدرا من الحكمة، ولكن الخلاف سوف يبقى بين سلطة ترى أنها الحقيقة وفن يرى أنه الحلم، وهذه من ثوابت الحياة.. ومن وقت لآخر تبدو أمامنا حكاية عن عمل فني اقترب من الحقيقة، وسرعان ما يجد من يمنع، لأن الناس لا تريد الحقيقة وتبقى أحلام الكتاب والشعراء أوراقا صامتة بين من يملك القلم، ومن له حق في أن يستخدم سلطة القرار.. وقد عانى كثير من المبدعين من عواصف الإهمال والتهميش، لأنهم بحثوا عن الحقيقة وقدموا للحياة صورة زمان أجمل.

جدوى الحنين

الحنين كما تفسره خديجة حمودة في “الوطن” هو الشوق العاطفي للماضي وهو تجربة عاطفية عامة وعالمية واجتماعية للغاية، تتمحور حول خيالية الحنين حول الذات والروابط الاجتماعية المهمة، وأحداث الحياة ذات المغزى الشخصي. ويفترض الكثير من الناس كما ترى الكاتبة، أن الحنين إلى الماضى هو مجرد ترفيه وشعور يستمتع به الأفراد، لأنه يعيدهم لأيام شبابهم الأكثر راحة، بينما يرى البعض أنه دليل على عدم قدرة الشخص على التكيف مع الحاضر، وربما يشير إلى الخوف من التغيير. ويعتبر علماء النفس الحنين للماضي موردا نفسيا يمكن أن يحدث من خلال الذكريات الصريحة المرتبطة بالماضي مثل، الاصطدام بصديق قديم أو سماع موسيقى اعتدنا سماعها أيام الشباب، إلا أنهم يؤكدون أن السبب الأكثر شيوعا له عندما يصادف الشخص إحباطا أو يهاجمه حزن بطريقة ما، وربما الملل أيضا. وقد تحدث محللون وقادة أعمال عن الحنين أو بمعنى علمي عن النوستالجيا في التسوق والإعلان، حيث اكتشفوا أن ذلك الإحساس قد يساعد بعض الشركات على بيع مجموعة من المنتجات للمستهلكين، من خلال جعل الناس يركزون على الماضي، كما يستخدمه السياسيون دائما عند مخاطبة الجماهير في حملاتهم الانتخابية. وقد درس باحثون في جامعة ولاية واشنطن كلية إدارة الأعمال والاقتصاد، ردود فعل المستهلكين تجاه الإعلانات التي تبعث على الحنين إلى الماضي مقابل الإعلانات المخالفة لهذا الاتجاه، فوجدوا أن الأولى جعلت الناس على استعداد لدفع المزيد مقابل الأشياء التي تهمهم، وقد استفادت من تلك الفكرة العلامات التجارية الكبيرة التي استطاعت أن تبني علاقات عاطفية مع عملائها، حيث زادت مبيعاتها بنسبة عالية. كما أثبتت التجارب الميدانية لأبحاث دارسى علم النفس أن الحنين للماضي يجعل الإنسان أكثر دفئا بالمعنى الحرفي، وقد وجدت سلسلة من الدراسات العلمية تم نشرها عام 2012 أن الاستماع إلى موسيقى الحنين إلى الماضي تسبب في ارتفاع درجة الحرارة المحيطة للمشاركين، بمعنى آخر أن الحنين جعلهم أكثر دفئا حتى أن هؤلاء الأفراد أنفسهم كانوا أكثر تحملا للبرد عندما طلب منهم غمس أيديهم في الماء والثلج. فلنحرص على ذكرياتنا ونَعِشْ ونستمتع بفيضان الحنين.

قبل أن يداهمنا

قبل أن يدخل الصيف، بـ«زحمته» وصخبه المعتاد، نتيجة انتهاء امتحانات المدارس، وانطلاق الطلاب في الشوارع، والشعور الأسري العام بالتحرر والإجازة، دعا عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم” لضرورة أن نستفيد بما يفعله العالم وفعله المصريون القدماء، بالاستعداد الجيد والتخطيط حتى لأقل الإجراءات، التي من شأنها أن تجعله صيفا مفيدا، قليل الخسائر. أظن أن مَن يقرأ السطور الماضية ربما يستنكر الحديث في أمر وضع الخطط الموسمية، ولاسيما أن الحياة فيها ما يكفيها من صعوبات وأزمات، ولكنك عزيزي القارئ لست أسوأ حالا من «نملة» تخطط لحياتها، رغم أنها تتعرض في كل لحظة لخطر الموت بحذاء رجل أو امرأة أو طفل، ربما لا يدري أنه يسير عليها. أظن سيدي القارئ أن الموت والحياة والصعوبات والتحديات والنجاحات أمور نتعرض لها جميعا، ولكن هل فكرت في أن تخطط لحياتك قبل التفكير في كل هذا؟ هل فكرت في أن تخطط كيف تواجه أزمة إن وقعت؟ هل فكرت في أن تخطط لمواجهة نقص «مصروف» البيت مثلا؟ هل فكرت في أن تخطط ليومك أو لإجازتك حتى؟ أعلم أن المستقبل بيد الله، وأعلم أن (وما تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا)، وأعلم أن (وما تَدْرِى نَفْسٌ بأي أرْضٍ تَمُوتُ)، ولكن للأسف الشديد أرى أن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا في تفكير المصريين، نعاني من هذا الأمر على المستوى الشخصي في الحياة اليومية البسيطة، ونعاني منه أيضا على مستويات أخرى. نترك كل شيء للغد وما يحمله من ظروف، لا نعطي لأنفسنا الرغبة في أن نقود نحن الأيام‏ والظروف، لا أن تقودنا. أظنها آفة يجب أن نتخلص منها قبل زحمة الصيف.

خلق الكوادر المؤهلة

بلغ مسؤول في إحدى الهيئات سن المعاش، العاملون في هذه الهيئة ذهبوا إلى رئيسها المباشر متوسطين أن يمد الخدمة لهذا المسؤول. الرجل رفض وقال إنه من الطبيعي أن يتم تجديد الدماء في المؤسسة والبحث عن كوادر جديدة تقود المؤسسة في المرحلة المقبلة. يواصل عماد الدين حسين في “الشروق”، حينما بدأ الرئيس البحث عن الشخص الذي سيحل محل المسؤول الذي بلغ سن المعاش، قال له المحيطون والمساعدون إنه لا يوجد من يصلح ليحل محله، فكل الموجودين ليست لديهم خبرة أو كفاءة هذا الرجل، فهو الأفضل على الإطلاق، وبالتالي ينبغي أن يتم التجديد له حتى تستمر الشركة في العمل والتقدم. أصر الرئيس الأعلى للمؤسسة على عدم التجديد للرجل، وقال بحزم إن هذا الشخص لا يستحق عدم التمديد فقط، ولكن يستحق المحاكمة لأنه أخفق إخفاقا شديدا في صنع وتدريب وتهيئة كوادر جديدة تكون قادرة على قيادة العمل في المؤسسة في أي وقت.
من وجهة نظر رئيس المؤسسة ــ وهو صادق تماما ــ فإن هذا المسؤول ربما يكون تعمد عدم خلق كوادر في الهيئة التي يرأسها، حتى لا يحل أحد محله في المستقبل. وحينما يخرج على المعاش، فإن المؤسسة سوف تترجاه أن يستمر في عمله باعتبار أنه لا يوجد من يحل محله. القصة ليست من وحي الخيال، بل سمعتها من مسؤول مهم في إحدى المؤسسات، وحكاها لي في إطار محاولاته لضبط المؤسسة وإصلاح أوضاعها الإدارية كمدخل مهم وضروري للإصلاح العام. ما فعله الرئيس الأعلى لهذه المؤسسة عين الصواب لأن استمرار هذه الظاهرة الخطيرة يدمر ثقافة العمل والإنتاج على المدى الطويل. لكن السؤال هل نلوم المسؤول الذي يحاول الاستمرار في موقعه على حساب المؤسسة بأكملها، أم نلوم اللوائح والقوانين والروتين وثقافة العمل، التي تتيح للبعض ثغرات تجعلهم يدمرون الصف الثاني والثالث والرابع في المؤسسات المختلفة؟ مثل هذا المسؤول سيكون هدفه الأول قتل أي موهبة في المؤسسة، حتى لا تحل محله، ولن يفكر مطلقا في إعطاء الفرصة للموهوبين والمجيدين واكتشافهم وترقيتهم، بل إذا وجدهم سيحاول إصابتهم باليأس والإحباط أو التخلص منهم بأي طريقة. في حين أن المدير الناجح هو الذي سيقوم بإعطاء الفرصة لهؤلاء المتميزين، وسيكون قمة نجاحه الحقيقي، تكوين صف ثان وثالث ورابع من المسؤولين ليحلوا محله حينما يتقاعد أو ينتقل لأي مكان جديد. المسؤولية الأولى تقع على عاتق ثقافة العمل، ومبدأ الثواب والعقاب والتشريعات التي تحكم هذا العمل، لكن هناك مسؤولية كبرى تقع على كل مدير ومسؤول داخل كل هيئة ومصلحة ومؤسسة ووزارة، ليقوم بتكوين القيادات والكوادر المؤهلة والجاهزة لتولي المسؤولية في أي وقت. ظنى الشخصي أنه لن يتحقق الإصلاح الشامل من غير إصلاح إداري حقيقي، والأخير لن يتحقق من دون أن نضمن وجود كوادر مؤهلة ومخلصة وأمينة ونزيهة فوق رأس أي مؤسسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية