ادلى الاستاذ محمد حسنين هيكل قبل يومين بتصريحات، حاول تصحيحها لاحقا، لصحيفة ‘السفير’ اللبنانية قال فيها، ان الفريق اول عبد الفتاح السيسي ليس مرشحا للرئاسة، وهو ما يبدو متسقا مع ما لمح اليه الفريق في ختام احدى المناورات الاسبوع الماضي عندما قال منفعلا ‘لا يطلب مني احد ان اترشح للرئاسة’.
وكانت النتيجة تكريس الغموض واتساع الجدال حول الموضوع، سواء من جانب انصار ترشح السيسي، وما اكثرهم، او من بعض خصومه الذين يبدو انهم اتخذوا من مهاجمته شخصيا، واحيانا باساليب مهينة لاصحابها انفسهم، وسيلة لتحقيق اجندات او مآرب خاصة.
لكن توقيت هذا التصريح، اي بعد كتابة مشروع الدستور، ومع اتساع المواجهة لتشمل بعضا مما يسمى بالقوى الثورية، والتراجع الكبير في شعبية الحكومة، مع مرور نحو مئة وخمسين يوما على تدخل الجيش في الثالث من يوليو، يجب ان يفتح الملف الاكثر تعقيدا في المرحلة المقبلة، الا وهو موقع المؤسسة العسكرية من اعراب صيغة الحكم الجديدة والمفترض ان تكتمل في الصيف المقبل، خاصة اذا ترشح السيسي للرئاسة، وهو احتمال يبقى قائما في رأي البعض.
ويحتاج فحص هذه المنطقة الصعبة في مشهد يشبه الرمال المتحركة، الى تجرد في ‘رفع الواقع’ بعيدا عما يمكن تسميته بـ’التحليلات السياحية’ التي يلجأ اليها بعض من لا يعرفون الداخل المصري، او تلك القائمة على ‘تفكير التمني’ او ‘نفث الاحقاد’.
وبالنظر الى الاطار التاريخي، هل يمكن ان نغفل ان المؤسسة العسكرية تدخلت بشكل مباشر في ثورة يناير منحازة الى الشعب، عندما ابلغت الرئيس المخلوع مبارك انها لن تستطيع ان تحميه في مواجهة المتظاهرين، وان الحل الوحيد ان يترك الحكم، وهو ما فعله فورا؟
وهل يمكن اغفال ان الاخوان ايدوا حكم المجلس العسكري طوال الفترة الانتقالية، بعد ان عهد الى بعض اعضائهم بتعديل الدستور، ثم سمح لهم بالمشاركة السياسية والفوز في الانتخابات، رغم انهم كانوا جماعة بلا غطاء من القانون، وان تمتعوا بشرعية شعبية لا يمكن انكارها حينئذ؟
وألم يكن المحدد الرئيسي الحاكم للمؤسسة العسكرية حينئذ، كما دائما، هو الانحياز الى الشعب، وعدم الدخول في مواجهة معه بأي ثمن؟ وحيث اننا نتحدث عن مؤسسة حقيقية تلتزم بتقاليد وقواعد صارمة ولا تعمل وفق اهواء شخص ايا كان، فهل يمكن فصل التدخل في الثالث من يوليو عن هذا السياق؟
هل كان ذلك التدخل ممكنا اصلا لو لم يخرج الملايين في الثلاثين من يونيو، وهو ما اعترف به الرئيس المعزول نفسه في التسجيل المسرب من مكان احتجازه، بل وشارك فيه بعض حلفاء الاخوان مثل حزب مصر القوية؟ وأليس غريبا ان يتحدث (المبررون او الانكاريون) عن ارتكاب الاخوان (اخطاء جسيمة) ثم يرفضون الاعتراف بان 30 يونيو موجة ثورية صادقة، ويزيدون انها كانت مجرد فوتوشوب (..). أليس مثل هذا الانكار هو تحديدا ما جعل الجماعة وقياداتها حيث هم الان.
وهل كان تدخل الجيش موجها ضد الاخوان والتيار الاسلامي، أم انه كان ضد مرسي تحديدا؟ وألم تتم دعوة رئيس حزب الحرية والعدالة الاخواني للمشاركة مع باقي القوى السياسية في وضع خارطة المستقبل وتنفيذها؟ وألم يكن رفضها خطأ تاريخيا؟
وماذا لو ان مرسي كرئيس (ديمقراطي منتخب) احترم ارادة الملايين التي خرجت ضده فاعلن عن انتخابات رئاسية مبكرة خلال ستة او تسعة شهور، ألم يكن قد نجح بسهولة في منع تدخل الجيش، ووفر على نفسه وجماعته وشعبه كل هذه المعاناة؟
ان الذين يشخصنون القضية ويفترضون انه اذا اختفى الفريق السيسي عن المشهد غدا، لاي سبب من الاسباب، فان الزمن سيعود للوراء، هم واهمون إما عن جهل لا يليق، او عن سوء قصد.
اما اليوم فقد اصبحت الانتخابات الرئاسية تبدو مثل ما يسمونه في فن الرواية (ذروة العقدة الدرامية)، وهذه قراءة لبعض من الملامح الرئيسية في هذه المعضلة، بما يكتنفها من غموض وحسابات معقدة:
اولا: اذا كان الفريق السيسي قرر بالفعل ألا يترشح للرئاسة في الانتخابات المقررة خلال شهور قليلة، فعليه اولا ان يعلن ذلك ليفسح المجال امام ظهور وجوه جديدة، بعد ان فقد المرشحون القدامى مصداقيتهم، وان كانوا مازالوا لا يستطيعون ان يفيقوا من احلام الرئاسة او اوهامها.
اما السيسي فسيكون، على المستويين الشخصي والسياسي، نجا من (فخ) كان الكثيرون ومازالوا يزينون له الوقوع فيه، بل انه حقق انجازا سيذكر له، الا وهو انه ترفع عن السعي الى منصب الرئاسة عبر انتخابات لا يكاد يشك احد في انه قادر على اكتساحها، بسبب شعبيته الواسعة حاليا، التي يبدو انها تستفيد بدلا من ان تتضرر من اولئك الذين يصرون على حشر اسمه في كل ازمة او كارثة تعرفها مصر او المنطقة. والاهم ان السيسي يكون قد نجح في التغلب ليس فقط على ضغوط شعبية وسياسية من الداخل، ناهيك عن الاغراء الشخصي بالمنصب، ولكن حتى ضغوط اقليمية، وتحديدا من بعض دول الخليج التي تعتبر ان توليه الرئاسة سيكون مهما في تصدير التجربة المصرية في مواجهة جماعة الاخوان الى الاقليم بأسره.
اذ ان المتحمسين لترشيحه حاليا سيكونون اول من يثور ضده ان فشل في تحقيق تقدم سريع بمواجهة التحديات الاقتصادية والامنية والخدمية الهائلة التي تعرفها مصر، وهذا امر معقد يحتاج الى وقت وموارد مالية كبيرة يصعب توفيرها في ظل المعطيات الحالية. الا ان هذا كله لا يلغي حقه السياسي والقانوني في الترشح اذا استقال من قيادة الجيش. وعلى اي حال، فمن المرفوض الا يسمح الفريق السيسي لشخصيات معروف انها محسوبة على نظام مبارك المخلوع بان تتحدث باسمه او تتحدث عنه كمرشح (حتمي)، ليس فقط لما يسببه هذا من اساءة لشخصه ورصيده الشعبي، ولكن لثورة هذا الشعب المصري سواء في يناير او يونيو.
ثانيا- ان عدم ترشح السيسي يفوت على اعداء مصر فرض مزيد من الاجراءات العقابية ضد الجيش، بتهمة انه ‘تولى الحكم بعد تدبير انقلاب عسكري’، رغم ان السفير البريطاني بالقاهرة صرح الاسبوع الماضي بان حكومته ستعترف بالسيسي رئيسا شرعيا ان فاز في انتخابات نزيهة، ولن تعتبر ما حدث انقلابا. والاهم ان المؤسسة العسكرية التي تخوض حربا حقيقية ضد الارهاب، لن تدخل مجددا في خانة المواجهة مع بعض ‘القوى الثورية’ التي استنفرت بعد اقرار قانون تنظيم التظاهر، معتبرة انه يحيي ‘الدولة البوليسية’.
ثالثا- اما على المستوى السياسي، فان عدم ترشح السيسي ربما لا يكون كافيا لوقف بعض الحملات الاعلامية، سواء في الداخل او الخارج، حيث ان اهداف تلك الحملات لم تعد تتعلق بعودة غير محتملة للرئيس المعزول محمد مرسي، لكن بتوفير الغطاء لتصعيد اعمال العنف والارهاب، وبالتالي تهيئة الاجواء لتدخل خارجي، ولكنه سيمثل فرصة مهمة لاستئناف عملية التحول الديمقراطي بعيدا عن شبهة هيمنة المؤسسة العسكرية، خاصة ان رئيس الجمهورية المقبل سيستند الى اغلبية انتخابية شعبية، فيما سيكون لرئيس الوزراء اغلبية او اكثرية برلمانية، ولن يكونا مجرد ديكور، كما يتهم النظام الحالي.
ثالثا- ان المادة المؤقتة 234 في الدستور التي اشترطت موافقة المجلس الاعلى للقوات المسلحة على تعيين وزير الدفاع، تكرس واقعا وبعضا من التراث المستقر لهذه المؤسسة، وهو ما احترمه الرئيس المعزول نفسه عندما عين السيسي بناء على ترشيح المشير طنطاوي، رغم ان ترتيب السيسي في الهرم القيادي كان بالقرب من المئة والخمسين. كما ان دستور 2012 المعروف باسم (دستور الاخوان) نص ايضا على تعيين وزير الدفاع من (ضباط الجيش)، الا ان (دسترة) هذا الوضع القائم فعلا ستوفر عنصر طمأنة واستقرار للمؤسسة، وهي وبالتأكيد تبقي الباب مفتوحا لترشح السيسي بعد ثماني سنوات، وهي الفترة التي تنتهي بعدها هذه المادة الانتقالية، بعد ان تتحرر الاجواء من اسباب التوتر او التعاطف التي خلفتها الاحداث الدراماتيكية هذا العام، ما يجعل الجميع في وضع افضل لاتخاذ قرارات عقلانية.
رابعا- ان كل ما سبق لا يلغي حقيقة ان مصر تعاني فراغا سياسيا مخيفا في ظل نخبة بلا مصداقية او بلا قاعدة شعبية، وبالتالي عاجزة عن تقديم مرشحين للرئاسة، وان الفريق السيسي بالنسبة لاغلبية المصريين اليوم يبقى هو المرشح الافضل، بل الوحيد، وان عدم ترشحه قد يمثل لبعضهم (نوعا من الخيانة لهم)، وهؤلاء قادرون على العودة الى الشارع ان ارادوا، وعندها يصعب معرفة ما ستؤول اليه الامور.
في النهاية، لا توجد اجـــابات سهلة او سيناريوهات مضمونة، او طرق معبدة، بل طريق شاق طويل. وهل كان يمكن ان يكون الوضع غير هذا بعد موجات ثورية اطاحت نظامين ومعهما عقود من الركود والشيخوخة والخنوع والديكتاتورية؟
‘ كاتب مصري من اسرة ‘القدس العربي’