حاوره:
عبداللطيف عدنان: حين عاد باتريسيو غوثمان إلى تشيلي، بعد إكماله دراسة السينما في مدريد سنة 1971، وجد نفسه في قلب الحدث السياسي الأهم الذي عرفه بلده وقارة أمريكا اللاتينية إن لم نقل العالم الثالث برمته. كانت المناسبة هي نجاح تجربة ديموقراطية متفردة، بداية بوصول الطبيب الماركسي سالفادور أليندي إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، ليتوّج في التاريخ كأول ماركسي يصل للرئاسة بطرق سلمية دون اللجوء للعنف الثوري؛ ونهاية بالسرعة القياسية التي حقق فيها هذا الرئيس العديد من الاصلاحات على عدة مستويات سوسيواقتصادية قلصت من الشرخ الطبقي بشكل ملفت للنظر. كان الشارع في تشيلي مسرحا لردود فعل عديدة ومتضاربة. فإلى جانب شعور الاغتباط بهذه التغييرات القياسية كان نوعا من الخوف والتخوف على مصير هذه التجربة الديمقراطية مسيطرا على الجو العام. من جهة صعدت البرجوازية واليمين المحافظ في طرق وأساليب المعارضة والمقاومة؛ ومن جهة أخرى ظهرت أعراض التآمر بين هذه الأطراف المحلية والإمبريالية الدولية في فاعل الولايات المتحدة الأمريكية. كان واقع تشيلي أكبر بكثير من طموح المخرج المبتدئ. سبب كاف جعل باتريسيو غوثمان يضع جانبا نصوص سيناريوهات ومشاريع أفلام روائية بدأ الأشتغال عليها قبيل عودته من إسبانيا وفي أيامه الأولى في أرض الوطن. فالأحداث اليومية أنذاك كانت حبلى بصراعات متعددة ومتجددة، جعلت سينما التسجيل والتوثيق المباشر تفرض نفسها بشدة متجاوزة كل رغبة إبداعية في المقاربة الروائية الخيالية، أو المعالجة بأسلوب جمالي ومن منطلق همّ شكلاني. أخذ واقع تشيلي يومها بعدا ملحميا جعل أي عملية إخراجية لإعادة بنائه أو القبض بأطرافه ضربا من المستحيل السينمائي. أو كما عبر غوثمان في إحدى المناسبات:’لم يكن الوقت مناسبا للشعرية وإنما للتوثيق’. انخرط باتريسيو غوثمان في عملية تسجيل ماراثونية على مدار ثلاث سنوات. فيها غطت عدساته الزوايا العديدة والمتنوعة لانتفاضة الشارع. كما سلط الضوء على اليمين المحافظ من مرحلة دسائسه ومؤامراته الدولية إلى تصعيداته العنفية؛ تتبع كذلك ملحمة شعب يساند الرئيس بحماس منقطع النظير. شعب قاوم بشتى الطرق والوسائل السلمية المتاحة له، وارتجل حلولا ظرفية لتخطي الأزمات التي اختلقها اليمين بمعاونيه وسدنته. وحين لم تستطع التحالفات بكل الطرق زعزعة الرئيس الذي أعيد انتخابه لفترة ثانية لم يبق من مجال إلا للخيار العسكري الانقلابي، والذي انتهى بإجهاض تجربة أليندي الديموقراطية وتعويضها بأشرس ديكتاتورية عرفتها أمريكا اللاتينية في تاريخها الحديث. تمخضت هذه التجربة التسجيلية عن رائعة من أحسن عشرة أفلام في تاريخ السينما لحد الآن، وهي ثلاثية معركة تشيلي (انتفاضة البرجوازية 1975، الانقلاب 1976، ثم قدرة الشعب 1978). انتج هذا الفيلم على مراحل متفرقة وفي جغرافيات مختلفة.
كما هو معروف يعتبر تشيلي البلد الوحيد الذي راكم متنا سينمائيا ضخما أنجز جله في المنفى. وباتريسيو غوثمان، كجل السينمائيين التشيليين ذاق هو الآخر مرارة المنفى. في جغرافيات بعيدة عن الوطن مارس فنه كهم اختلط فيه الجمالي بالسياسي، والتاريخي بالإنساني. وبعد 17 سنة من هذا الوضع عاد غوثمان إلى تشيلي في سياق ما عرف بالتوافق السياسيconsensus . فقد توصلت المعارضة في تشيلي إلى قناعة التغيير من داخل المساحة التي يمنحها دستور 1980 الذي كان الديكتاتور بينوتشي يرمي به إلى تمديد صلاحية حكمه لفترة رئاسية لاحقة، لكنه أدى إلى نتيجة عكسية. بانتصار التجمع La Concentraciùn وضعت المقاومة حدا لمرحلة بينوتشي وكان الثمن الذي دفعت في ذلك هو التفاوض على مستقبل تشيلي على حساب الماضي الاشتراكي. وبالتالي كانت نتائج التغيير منحصرة على المستوى السياسي دون المستويات الأخرى. عادت الديموقراطية إلى التشيلي سنة 1990 ولكن بدون مثالياث أليندي، أو رخصة عرض فيلم معركة تشيلي الذي ظل محظورا في القاعات التشيلية إلى حدود سنة 1997. طبع الأجواء السياسية في تشيلي مابعد بينوتشي نوع من الخوف على انهيار التوافق الهش بين النظام السابق والديموقراطية الجديدة. هذا الخوف جعل التشيليين يندمجون طواعية في نوع من الرقابة الذاتية عبر ممارسة نوع من النسيان المبرمج شمل سواء بسواء مرحلة بينوتشي والحكم العسكري الدموية، ومرحلة أليندي والاتحاد الشعبي المشرقة. في هذا القمع الذاتي والرقابة الآلية التي شكلت الوجه الوحيد للتعامل مع الماضي استطاعت ديكتاتورية المرحلة السابقة أن تتنفس في رئة الدموقراطية الجديدة.
لا يمكن الوقوف على قراءة مستوفية لسينما غوثمان دون الأخذ بعين الاعتبار هذا السياق الذي شكل منعطفا مهما في تأليفه على المتسوى النوعي قبل الكمي. على عكس العديد من السينمائيين التشيليين لم يقفل غوثمان مرحلة السينما التسجيلية في ظرف منعطف التوافق السياسي، ولم يعد إلى مشاريعه المؤجلة في السينما الروائية؛ وإنما انخرط بنوع من الوعي النقدي والهمّ التعبيري الجمالي في سلسلة إبداعات في الجنس التسجيلي جعلته بسواد الرأي أحد أقطاب هذا الجنس السينمائي ورائدا من رواد موجته التأليفية أو ما اصطلح عليه النقاد بـ le documentaire dauteure. عبر ما يزيد عن ستة عشر عملا تسجيليا آخرها رائعة ‘الحنين إلى النور’ Nostalgia de La Luz (2010)، قدم باتريسيو غوثمان متنا سينمائيا يمكننا من خلاله الوقوف على قراءة الذاكرة الفردية والجماعية، وبجانب ذلك، رصد التطورات الشكلية والشكلانية التي لحقت جنس السينما التسجيلية. فيها نعاين كيف تطور هذا الجنس في مضامينه بتجاوز هم الاكتشاف الجغرافي، وهاجس التوثيق والروبورتاج السياسي، إلى المغامرة في تخوم التجارب الإنسانية الأكثر حميمية وأصبح بحق هذه السينما اللاروائية *non fiction التي تملك لكنتها الخاصة في التعبيرية السينماتوغرافية بعيدا عن المقال التوثيقي التلفزي أو المتابعة الوصفية. في هذا السياق، تقدم سينما باتريسيوغوثمان نفسها كمدرسة قائمة بذاتها، يجتمع فيها الالتزام السياسي بالهم الفني والتجربة الجمالية الطلائعية. سينما تزاوج بين فرضيات المخيال ومادة الواقع. يندمغ فيها بشكل شاعري إجراء التوثيق مع وصفة الروائية. سينما الحيز المثالي الذي تتحقق فيه لذة المشاهدة مع باتريسيو غوثمان كان لنا لقاء في الخريف الماضي بمدينة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية. أثناءه كان هذا المبدع السينمائي في عقده السابع، وبتواضع العظماء، يسافر بنا في جغرافيات الفن والسينما والأدب والسياسة. شيء جعل عملية الإنتقاء من حديثه صعوبة لا توازيها إلا المتعة التثقيفية في تتبعه. لم يفتنا في هذا اللقاء مع هذا السينمائي، الخبير في التقاط وقائع حراك الشارع، في فورته الثورية، وبعين نقدية وتحليلية، السؤال عن رأيه في مادة الساعة، حراك الشارع العربي. * فيلم المؤلف التسجيلي: نظرية لم تكتب بعد *باستثناءات قليلة، أهمها كتابات جون كورنر John Cornerلم تنل سينما المؤلف التسجيلية حقها الوافر من خطاب النظرية في السينما. أغلب هذا الخطاب هو بداية مستثمر في السينما الروائية أو الخيالية كما يحب البعض تسميتها. وثانيا لم يصف بعد بشكل دقيق ما هو خاص وخصوصي في سينما باترسيو غوثمانPatricio Guzmçn، كريس ماركرChris Marker، أونيكولا فيليبيرPhilibert Nicholai وعديد من الأسماء لا تسمح المناسبة بذكرها. هل يمكنك تحديد إطار نظري خاص تشتغل فيه ومن خلاله هذه السينما؟ * في الواقع، المجال النظري الذي نملكه كمخرجين مؤلفين في الفيلم التسجلي، ضعيف جدا، ونادر، ومشتت بين نظريات سينمائية أخرى. هناك حيز تنظيري لهذا الجنس السينمائي ولكن في أغلبيته متجاوز. جنس الفيلم التسجيلي تطوربسرعة في العشرين سنة الأخيرة والعديد من النصوص النظرية التي قرأتها لم تواكب هذا التطور وأصبحت بالية كنتيجة لذالك. * مثالا.. * دون أن أشير إلى أسماء معينة بالتحديد، هناك بعض المنظرين من بريطانيا وأمريكا الشمالية وضعوا تصنيفات للفيلم التسجيلي لا علاقة لها بواقع الابداع الحالي. إن كان ولابد من مرجع تنظيري فأنا أجد نفسي مع قناعات الناقد أكثر من المنظر، كما هو الحال بالنسبة لعلاقتي مع الفرنسي جون لويس كمولي. هذا الأخير من خلال كتاباته المتميزة بالدقة في التحليل وبعد النظر، وضع يده، دون السقوط في متعاليات التنظير، على بعض الخاصيات الشكلية التي يتميز بها فيلم المؤلف التسجيلي.
من جهة أخرى لا يمكن غض النظر عن تنظيرات المدرسة الروسية وبالأخص مساهمات احد رواد هذا الجنس أعني تزيغا فيرتوفDziga Vertov، وإن أصبحت هذه النظريات، مراعاة لما نشاهده اليوم، أدبيات تنتمي لمرحلة ما قبل تاريخية. * ما هي أشكال هذا التطور التي جعلت إسهاما نظريا مهما كهذا تنتهي مدة صلاحيته وينتمي كما قلت لمرحلة ما قبل التاريخ؟ * عديدة هي أوجه هذا التطور. منها ما هو داخل السينما نفسها، ومنها ما هو مرتبط بعوامل خارجة عن السينما. أحصر الحديث في الكلام عن النقلات النوعية التي حصلت على مستوى الشريط الصوتي. أعني ما حصل منه على مستوى استعمال الصوت الخارجي voice o ، والتعليق بالخصوص. في العشرين سنة الأخيرة تطورت هذه الإوالية الصوتية في اتجاه النص الأدبي. كما هو الحال في الرواية، صار التعليق يميل لما هو جواني وموجود في الدواخل. وبناء على هذا اصبح النص الكلامي يتميز بالبطء ويطغى عليه التخمين بالمفهوم السيكولوجي والتأمل بالمفهوم الفلسفي. انفصل الصوت الخارجي عن الصورة وحقق نوعا من الاستقلالية بالنسبة لها، قد يلامسها أحيانا ليبتعد عنها أحايين عديدة في اتجاهات اخرى. هذا التطور الذي حصل في مجال العنصر الصوتي هو ما أصبحنا نلمسه في العشرين سنة الأخيرة خصوصا مع مؤلفين كروبرت غرامر وهايدي نيغمان Heddy Honigmam. هذا الأخير ذهب بعيدا وتخلى بشكل شبه مطلق عن التعليق في أفلامه. * كيف أثر هذا على عنصر آخر في المركبات الصوتية للفيلم التسجيلي كعنصر الموسيقى المصاحبة. * الموسيقى هي الأخرى أصبح لها دور مهم في الآونة الأخيرة. هي الأخرى حققت نوعا من الاستقلالية عن وظيفة التدوير أو الوظائف التقليدية التي أنيطت بها من تفخيم الانطباع إلخ. كما هو الشأن بالنسبة لكل المركبات اللغوية الأخرى للفيلم صارت دور الموسيقى يتفعل من خلال رؤية فيلم المؤلف وسينما الإبداع. وأقصد هذه السينما المجازية التي تجد لها مرجعية في الشعرية التي تحاول التقبض بالزمن، أو بمعنى آخر بإيقاع الحياة. سينما تسجيلية بهذه التطورات، إلى الساعة، لا تملك جسما تنظيريا. المنظر لهذه السينما لا يزال في مجال المستقبل. * ألا ترون في جيل دولوز من قارب هذا التنظير بطريقة أو أخرى من خلال طروحاته ذات المنحى البرغسوني عن السينما والزمن؟ * دولوز كما تعلم لم يركز مائة بالمائة على السينما. كان أكثر تركيزا على الكلمة والمباحث الدائرة في فلكها. دون الذهاب بعيدا أجد الكثير من هذا التطور في سينما كريس ماركر، الذي من فيلمه la jetee إلى Sans Soliel حقق قفزة إبداعية مهمة ارست تقليدا جديدا في هذا الجنس السينمائي. صار مخرج الكلمة في بعدها التأملي والرمزي. نفس الكلام يمكن أن يطبق على الكندي بيير بيروPierre Perrault. كما قلت لا نعلم من سيكتب نظرية هذه السينما التسجيلية الجديدة التي سماها النقد فيلم المؤلف التسجيلي le documentaire dauteure ، والتي نمارس كمخرجين معدودين ومحدودين جدا، لا أبالغ إن قلت إننا ألف سينمائي، إن لم نكن أقل بكثير من ذلك. * كأحد رواد هذه السينما، كيف يشتغل باتريسيو غوثمان من خلال نظرته أو نظريته الخاصة؟ كيف ترى وتصنع الفيلم التسجيلي؟ * اشتغالي التأليفي نابع بالدرجة الأولى عن حدسي الخاص. وتطوري في هذا الجنس السينمائي تحصيل لنضجي في استعمال اللغة السينمائية، والوعي بالطاقة والقدرة التي تمكلها السينما التسجيلية حين تعتمد لغة سينمائية محضة وتبني دلالتها على أبجدية سمعية بصرية بالدرجة الأولى. ثانيا، إصراري على تأليف أفلام تسجيلية تبتعد عن النص الاستعراضي والبيداغوجي. أفلام تتخلي عن الصوت الخارجي المعلق إن لم تكن هناك حاجة لذلك. ثم أخيرا الأشتغال من داخل الوعي بالامكانيات التي تمنحها التكنولوجيا الحديثة. لا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة طورت إمكانيات اللغة السينمائية. في عملية المونتاج مثلا أصبح المخرج، وبفضل التقنية المعلوماتية والبرامج الحاسوبية، يملك أكثر من بديل في عملية المعالجة، وفي مجال ساعات صار بإمكانه تغيير التوليف من اتجاه لآخر. مع الإمكانيات القديمة كان هذا الأمر شبه مستحيل. كانت المعالجة التركيبية عبار عن تقطيع وتلصيق تختفي معه معالم الفيلم ويجعل عملية المونتاج منهكة ومستهلكة للمجهود. الآن، بفضل التكنولوجيا الحديثة صار الاشتغال ممكنا من داخل الوعي بكون الفيلم التسجيلي في الأول والأخير نتيجة اختيار لحياكة معينة، قماشة نهائية لعديد من الإمكانيات والبدائل. * قلت حياكة textil ، قماشة tejido ، ولكونك مؤلفا في هذا الجنس أنت إذا تعني نص texto؟ * كلمات لها نفس الأصل الذي يوحي بعملية التوليف وفنية الحياكة. نصية الفيلم صارت واقعا ملموسا أكثر مع ما تقدمه التكنولوجيا للصناعة السينمائية. أصبح المونتاج تطريزا باللغة التقريرية. كما أصبح سريعا ودقيقا. وبنفس السرعة أصبحت تتحقق كذلك النتائج الجمالية والشعرية المتوخاة من ورائه. * كيف تمرست مع هذه السرعة مقارنة مع ما يقارب ثلاثة سنوات من الاشتغال على توليف جزء واحد من ثلاثية معركة تشيلي؟ * (يضع يده على رأسه للحظة ويكمل).. لقد وضعت هيكلة فيلمي الأخير ‘الحنين إلى النور’ في غضون شهرين. لأن التي ركبت الفيلم كانت شابة في آخر عشرينياتها، كانت سريعة في العمل. بمجرد ما أوضح لها الفكرة حتى تترجمها للتو للغة المعالجة التوليفية. لكن لكونها شابة وكوني المخرج تريّثت قليلا، لأن الأمر أصبح يتعلق بموضوعية العمل. استدعيت سيدة لها باع طويل في عملية التركيب والمونتاج، اشتغلت من قبل كمخرج مساعد مع السينمائي كريستوف كيسلوفسكي. لقد ساهمت، بنضجها وبحنكتها في الميدان، في خلق التوازن الذي كنت أتوخاه من وراء هذه العملية. المونتاج كما تعلم عملية أساسية في التأليف التسجيلي. مخرج كنيكولا فيليبر كانت أفلامه نتيجة للمونتاج قبل كل شيء. كان يشتغل بمفرده. كخلاصة ما يميز الإبداع في الفيلم التسجيلي اليوم هو السرعة والاشتغال بشكل فردي.