الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسن وهبي: حينما تفكر في الحوار مع المثقف والسينمائي من طينة مومن السميحي السينمائي المغربي عليك أن تتسلح بالمعرفة الفكر الغربي والعربي وان تكون على تواصل مع الثقافة العربية والثقافة الغربية حيث البنيوية، وكذا أن تكون مطلعا على كل السينمات العالمية انطلاقا من الواقعية إلى الأمريكية واليابانية ومحملا بالأسئلة الدقيقة لاستخراج المعرفة المطلوبة من هذا الفنان والمثقف البعيد المدى، صاحب المشروع السينمائي الثقافي العربي، المطل على الثقافة العالمية منطلقا من جذوره العربية وفي تحاور دقيق بين الثقافات. الحوار التالي يفصل هذه المقدمة لكن عشق السؤال يستمر مع حب هذا الفنان الكبير للحوار. *لن نبدأ بالسؤال التقليدي بخصوص علاقتك بالسينما لكن سؤالا يثيرني وهو كيف تمكنت من الربط بين الإخراج السينمائي والكتابة عن هذا الفن الجميل؟ *هناك وازعان إن صح القول. الأول انه خلال دراستي بفرنسا لاحظت أن الأدب السينمائي يعني الأدب المرتبط بالسينما هزيل عالميا سواء في أوروبا أو أمريكا أو روسيا…. وكتابات ايزنشتاين الروسي هي كتابات حاسمة في تاريخ الفن السينمائي، ثم مخرج من فرنسا مثل جون رونوار وايطاليا روسيليني أب السينما الجديدة في العالم وأب المدرسة الواقعية الجديدة. هذا السينمائي له كتابات واستجوابات ومداخلات كثيرة في التنظير السينمائي. هذا الوازع الأول، أما الوازع الثاني فهو أن السينما هي فن دخيل على الثقافة العربية. يعني أن الثقافة العربية لها قدماؤها لها تراثها في الأدب وفي الموسيقى والمعمار والفكر. أما السينما فمثلها مثل المسرح فن جديد. ولممارسة هذا الفن الجديد من الواجب مساءلة علاقته بالتراث. وكتاباتي بدأت منذ ثلاثين سنة وهي عبارة عن طرح لهذه الأسئلة: كيف يمكنني أن أتعامل مع الفن السينمائي انطلاقا من التراث؟*لقد وصلت إلى مستوى الإشارة إلى التأسيس لتاريخ السينما العربية انطلاقا من التطور الذي يقارب تاريخ الأدب العربي.*بالضبط وهذا سؤال مهم جدا وحاسم وسبق أن طرح في عصر النهضة الحقيقية في القرن 20 لما طرح توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم هذه الأسئلة. كيف يمكن استيعاب الفنون الجديدة داخل التراث العربي. فمثلا قام توفيق الحكيم بالتفكير في الموضوع وكذلك بالإبداع. وكان السؤال الأساسي الذي اطرحه على نفسي لما بدأت أمارس الإخراج هو: كيف يمكنني ممارسة الإخراج انطلاقا من التراث العربي وانطلاقا من تاريخ السينما العالمية والتي بداخلها الوجود العربي الضعيف جدا؟. لان الإنتاج العربي في ميدان السينما هو إنتاج جديد وقليل ولا يغوص في التراث(أقولها بكل مودة وبدون حقد على أية سينما في البلدان العربية) لا بد أن نعرف السينما العالمية. نحن نعرف جيدا الآداب العالمية والتراث العربي. وطرحنا هذا السؤال.
علينا أن نطرح علاقة التراث العربي بالآداب العالمية، كما علينا أن نطرح اليوم علاقة الممارسة السينمائية في البلاد العربية بتاريخ السينما العالمية.*حينما درست في أوروبا ربما حدث لك ارتباط مع مفكرين ومثقفين وسينمائيين. هل ما زلت تحافظ على هذا الارتباط أم تحاول البحث عن الإنتاج المكتوب والسينمائي بشكل مستقل؟ *لقد كان لي الحظ الجميل جدا حيث إنني شاب ابن العشرين سنة وقد وصلت إلى باريس وهي تعيش إحدى اكبر ثوراتها: ثورة البنيوية. هذه المدرسة كرست قطيعة مع الثقافة المثالية وأدخلت إلى الثقافة الحديثة توظيف العلوم الإنسانية والاجتماعية من سوسيولوجيا وانتروبولوجيا وعلم النفس وغيره. إنها كانت ثورة حقيقية في الستينات والسبعينات وبعد هذه الفترة تغيرت مفاهيم ومبادئ الإبداع والفن. لقد كان هذا حظا جميلا بالنسبة لي مما ساعدني على طرح أسئلة كبرى بالنسبة للثقافة العربية. كيف يمكن للثقافة العربية لا أن تلقح بفن جديد مثل السينما ولكن أن تطرح داخل الثقافة العربية أسئلة مرتبطة بالحداثة. حداثة العلوم وحداتة الفكر الجديد المرتبط بالفكر العلمي. هذه الأشياء كانت حاسمة سواء في تكويني أو في رغبة الإخراج. واليوم بالنسبة لسؤالك ومع تقدم الإنسان والتقدم في الممارسة تبقى العلاقة بالأساتذة قوية جدا. ولكن لا بد للإنسان أن يأخذ مسافة بالنسبة لهؤلاء الأساتذة ويتميز بكل شجاعة ويقول انه يبحث عن طريق شخصي خاص به.*على ذكر المسافة يلاحظ بالنسبة لأفلامك أن هناك مسافة بين الفيلم والآخر. هل هذا بوعي أم مرتبط بالإمكانيات؟ *الاثنان معا. هناك إمكانيات صعبة كما أن الوقت اكبر من الغرب للاستيعاب والتفكير والصناعة السينمائية بهذه المنطقة. ولكن من ناحية أخرى لا أريد أن أتسرع في الإنتاج لان الكتابة عبارة عن مختبر والبحث العلمي مهم جدا في هذا المجال كما هو حال الممارسة.
لكن لا اخفي انه لو توفرت لدي الإمكانيات لأنجزت فيلما في السنة. إلا أن الظروف المحيطة بالسينما العربية والإنتاج الثقافي عامة صعبة. * اذا اعتبرنا أن الرمز عندكم هو التراث الثقافة، النضال الاجتماعي، الفن، السينما…. كيف تعتبرون الثقافة والفن.. كرموز وكيف تحللون ما هو تابت وما هو متحرك وكيف ينعكس ذلك على كتابتكم السينمائية؟*هذا هو الكلام الجديد بالضبط والذي تكلمت عنه سابقا وهو ما تعلمته. لقد أدخلت الثورة البنيوية التساؤل في موضوع اللغة والتساؤلات حول اللسانيات. كما كونت البنيوية علما جديدا هو اللسانيات. وفي إطار هذا العلم فان مفهوم الرمز هو مفهوم محوري والتقابل الذي أشرت إليه مهم جدا ما بين الطبيعة والثقافة. وهو أمر أساسي عند العالم الانتروبولوجي كلود ليفي شتراوس والذي ادخل مفهوم الحضارة كأنه مفهوم مرتبط بتفاعل الطبيعة من جهة والثقافة من جهة أخرى. يعني اختلاف الإنسان مع الحيوان. حيث أن الإنسان حيوان منتج للثقافة ومنتج للرموز. وهؤلاء العلماء مثل ليفي شتراوس ولاكان كانوا يقولون ‘ الإنسان حيوان ناطق’. الرمز إذن محوري وتوظيفه في الكتابة السينمائية كذلك. لان السينما مرتبطة برمز الصورة. وهذه الأخيرة في حد ذاتها رمز كما هو الحرف والكلمة. وظيفة الرمز كونه محركا وهو منتج للمعنى كما هو مؤسس ومركب ومنظم للمعنى أو المعاني.*الرمز هو محرك حسب ما فهمت ليس بمفهوم الثقافة الذي يدخل في الصيرورة لمقصود الثقافة بالمفهوم السوسيري أي العلاقة بين الدال والمدلول حتى لا تكون في حالة توقف (pause) ما علاقة ذلك بإنتاج الصورة عندك؟*حينما تقول الصيرورة فانك تقول الزمن أي التطور. وعند سوسير والسينمائيين عموما هناك الفرق بين التزامن واللا تزامن. والرمز له وجهان. وجه تزامني (الزمن) ووجه لا تزامني يتطور مع الثقافات. وتوظيفه في سينما معينة مثلا كالخاص بأعمالي هو ارتباط بما يسميه أصحاب اللسانيات بـ’اللهجة’ (idiolecte) وهي طريقة المتكلم الخاصة به. وهذا المفهوم مهم جدا بالنسبة لنا في المشاكل التي تعيشها الثقافة العربية ما بين الشفوي و الفصحى. و’اللهجة’ هي الكلام الخاص بالمتكلم ارتباطا بالزمن. أي انك تتكلم بطريقة معينة جدا. وهو ما يمكن أن يحل المشاكل على مستوى اللغة العربية والثقافة. وستكون هذه ‘اللهجة’ في يوم من الأيام طريقة معينة للتعامل مع اللغة التي تفرض نفسها ليس في البلد الواحد بل في كل البلدان. واللغة والرمز أحياء وليست أشياء ميتة لا يقرر في مصيرها. اللغة تعيش بكيفية مستقلة كما أنها تتطور. وبالتالي تفرض تطورها على الإنسان. *ما رأيك بالسينما المغربية والبحث عن الهوية من خلال التجريبية. هل وجدت السينما المغربية هويتها أم ما زالت في طور التجريب؟ *السؤال هو الوازع للكتابة في موضوع السينما. والسينما كما قلت سابقا هي فن دخيل على الثقافة العربية. لدى السؤال الأساسي هو سؤال الهوية. حينما أتكلم عن الاستلاب فإنني أتكلم بالضبط عن الاستلاب الثقافي. نحن لنا تراث والحداثة هي الارتباط بثقافة الآخر. في العصر الذهبي دخلت الذات العربية في علاقة مع ذات الفرس واليونان وبيزنطة والهند. ولعل أجمل عطاءات الثقافة العربية كانت مع هذه الثقافات الأخرى ليس عن طريق الاستلاب ولكن عن طريق التفاعل والهضم والتجديد. انه السؤال المطروح حاليا على السينما. نحن نتابع السينما الأمريكية والفرنسية حيث لا يجب التقليد ولا التكرار ولا التبعية. بل يجب القراءة والهضم والتجديد.*لا نطرح السينما والثقافة العربية حيث الاستلاب بالمفهوم السلبي بل نطرح المثاقفة. *حتى المثاقفة سلبية. والمقصود بالسلبي هو عدم المحافظة على الذات حيث تفقد الذات في التقليد. لا يجب علينا تقليد السينما الأوروبية بل يجب خلق سينما عربية مرتبطة بالتراث العربي. تراثنا لا اقصد به القدماء بل المحدثين حيث لنا طه حسين وغيره دخلوا مع الأدب الفرنسي والانجليزي ويقولون ان الأدب العربي لا يمكن أن يعيش إذا لم يدرس الأدب الروسي والفرنسي والانجليزي.
وكذلك بالنسبة للسينما، لا يمكن أن تنتج سينما لها هوية عربية مستقلة إذا لم تعرف ما يدور بالسينما الايطالية والأمريكية واليابانية معرفة وتعميقا. ولا بد من التجديد لان الاستلاب هو التقليد. أما التجديد فهو قراءة الآخر. وانطلاقا من تراثك تنشئ الجديد. إننا لا زلنا على الطريق. ويصعب على أي منا سواء في مصر أو المغرب أن يقول انه وصل نهائيا. لا زلنا في طور البحث وهو مهم ومحمس.