السينما التسجيلية تملأ فراغ الأفلام الروائية الطويلة

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: منعطفات كثيرة تمر بها السينما المصرية هذه الأيام، ربما تجعلها أقل حضوراً في المناسبات والمهرجانات يتعين علينا الإشارة إليها، لا سيما أنها لا تمثل فقط مجرد منعطفات وإنما يصل تأثيرها إلى الحد الذي يمكن معه اعتبارها معوقات.
أول ما يواجه صناع السينما من صعوبات هو ندرة الأفكار ومدى صلاحية ما يقدم للإنتاج والعرض، حيث تغلب على بعض كتاب السيناريو وما يسمون أنفسهم بالمؤلفين نوازع الاستخفاف والهزل والميل بدافع الاستسهال والاستهبال إلى الكوميديا الركيكة التي لا تعتمد في قوامها على شيء إلا السخرية والإفيه الساذج الذي يتساوى مع البلاهة في كثير من الأحيان، ولهذا اللون متخصصون سواء كانوا كتاباً أو مخرجين أو نجوما!
وعلى سبيل المثال هناك من يسجن نفسه داخل شخصية واحدة ولا يستطيع الفرار منها كما فعل محمد سعد منذ أن قدم شخصية اللمبي وظل عليها إلى الآن فلا تعدو أدواره التالية كونها تنويعا على ما سبق فليس عنده غير فيلم واحد يستنسخ منه كل فترة نموذجاً يتشابه في الشكل والطابع ويحمل كل جينات العته ‘اللمباوي’، فلا تبدو هناك فروق جوهرية بين الفيلم المذكور وكتكوت واللي بالي بالك وتك تك بوم وغيرها من سلسلة الأعمال التي أتحفنا بها كتاب ومخرجو السينما الكوميدية النموذجية في السطحية والخفة.
المشكلة بالطبع ليست مشكلة سعد وحده ولكنها مشكلة قطاع كامل من السينمائيين استخفوا جمهورهم فأطاعهم وضبط مزاجه الفني على إيقاعهم فكانت النتيجة الضياع الحتمي لقيمة الفن والإبداع والسينما وتشويه سمعة العاملين بالمجال.
في فترات سابقة كان التنوع الانتاجي موجودا ومثلما كان هناك غث من الأفلام، كان أيضاً الثمين لكن المختلف الآن هو وحده الغث وشيوع الفاسد، فلم يعد للفن الجيد محل من الإعراب، وسط هذا الهبوط تحاول السينما التسجيلية تعويض الفاقد وملء الفراغ بإحياء الصورة الايجابية للسينما الجادة، وفي سبيل ذلك تسعى سعياً حثيثاً للخروج من دائرة التهافت والضعف بالانفتاح على المجتمع الدولي وملامسة ما يتداول من أفكار لها صفة العالمية، وبالفعل نجحت السينما التسجيلية في كسر حاجز المحلية والإقليمية عبر المشاركة في مهرجانات مهمة مثل مهرجان لقاء الصورة الذي اقيمت آخر دوراته بالمركز الثقافي الفرنسي مؤخراً وعُرضت به مجموعة مختارة من أفلام ناقشت قضايا حيوية مثل قضية المرأة وقضية العشوائيات ومشكلة تأخر الزواج وأبعادها عند الجنسين وما يترتب عليها من مثالب.
وأخطار تصل ذروتها إلى الانشغال بالعالم الافتراضي ‘عالم الإنترنت’ للهروب من وطأة الواقع والرغبة المجنونة في تعويض الفقد والحرمان.
هكذا تحاول السينما التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة أن تكون أكثر قرباً من المجتمع فهي النافذة دون تأشيرات دخول أو تصاريح رقابية إلى العمق الإنساني والقادرة على رصد النوازع الحقيقية والاحتياجات الضرورية لدى البشر الأسوياء.
أهم ما يميز صناع ومبدعي هذا النوع من السينما أنهم على موجة واحدة من الوعي والفكر والثقافة وتجمع بينهم روابط إنسانية تدفعهم دائماً إلى اختيار الأهم فالمهم من الموضوعات والأطروحات المتعلقة بالإنسان بغض النظر عن لونه أو جنسه أو وطنه أو دينه.
ولحسن الحظ أن العاملين بالسينما التسجيلية طاقات وكفاءات متوافرة ومتواصلة تدعو للاطمئنان على مستقبل السينما المبدعة وتنبىء باتساع أفقها وتمدد نفوذها وتأثيرها.
من دلالات تواصل الأجيال وترابطها في مجال السينما التسجيلية استمرار إبداع الكبار من المخرجين أمثال المخرج الكبير هاشم النحاس وأحمد فؤاد درويش ونبيهة لطفي، فضلا عن دأب الشباب وتميزهم أمثال شيرين غيث وشريف البنداري وحازم متولي ويوسف هشام وطارق أبو العلا وسميح منسي وسامي إدريس وآخرين ممن لهم بصمات واضحة في إثراء الحركة السينمائية، ولعل هذا ما يعوض غياب الراحلين الكبار من عينة المخرج وكاتب السيناريو القدير مدكور ثابت وهو من فارق الساحة الفنية منذ فترة وجيزة بعد رحلة طويلة من العطاء والإبداع وإنجاز الأميز والأهم من الأفلام نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر فيلمه الأشهر الأصل والصورة المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ وقد تعرضنا له بالكتابة والتحليل منذ سنوات على صفحات ‘القدس العربي’.
نعود مرة أخرى الى حيث بدأنا فالسينما الروائية الطويلة تعاني من ترهل في الأفكار والشكل والمضمون ويساء توظيفها فهي تلعب على المضمون والرائج في شباك التذاكر، فالكوميديا بأسوأ ألوانها هي الطاغية يشذ عن هذه القاعدة التجارية أفلام أحمد حلمي التي تحاول استخدام الكوميديا وسيلة وليست غاية، فحلمي يطرح من خلالها قضايا مهمة ولا يسرف فيما يخدع الناس ويدغدغ مشاعرهم فيضحك عليهم ولا يضحكهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية