السينما التسجيلية والتسطيح التلفزيوني
عائد نبعةالسينما التسجيلية والتسطيح التلفزيونيتشهد القنوات والفضائيات التلفزيونية في الآونة الأخيرة قريحة عالية في عروض الأفلام التسجيلية، وتنوع موضوعاتها وملاحقتها لما يسمي بالموضه الخبرية، فوقوع حدث ما في بلد ما يعني عرض فيلم تسجيلي عن هذا الحدث وفي أسرع وقت ممكن، وبعد ساعات قليلة من وقوع الحدث يبدأ التلويح بمادة اعلانية عن فيلم تسجيلي سيبث عن هذا الحدث الهام قريباً. وهذا يعني أنه سيكون في الغد أو بعد غد، تبين أن هذه القنوات تسلم رقابها الي مجموعة من الشركات المستقلة، أو تؤسس بدورها شركات انتاج تلفزيونية خاصة تابعة لها، ومهمة هذه الشركات انتاج أفلام تسجيلية بالجملة، حيث ترسل القناة قائمة بالعناوين المراد انتاجها وتقوم هذه الشركات بانتاج هذه الأفلام بمدة قياسية مذهلة، وبوقت وجهد وكلفة أقل، وتسليمها في الأوقات التي حددتها القناة ضمن عقود مبرمة. النتيجة أن مجمل هذه الأفلام لا تصلح أن تسمي أفلاماً، لأنها مجردة من سمتها الفنية والسينمائية، انما تصلح ريبورتاجات للبث خلف مذيعي الأخبار، فالبحث غير الجيد والاعتماد الكبير علي التعليق الذي يمكن أن يكون مقالاً في مجلة، واستخدام الصور الأرشيفية المتنوعة دون نسيج فيلمي أو صيغة لايجاد علاقة بين هذه الصور، أمور أدت الي تسطيح الفيلم التسجيلي وتجريده من مضمونه، وسلبه للحقيقة التي جاء أصلاً ليمكنها.فان أي عملية اتصال في هذا العالم تتكون من مرسل ومستقبل ووسيلة اتصال، والسينما التسجيلية لها خصوصية وديناميكية عالية كوسيلة اتصال لأنها تتيح للمستقبل رؤية الواقع دون تزييف أو تحريف أو تجميل أو حتي تقبيح، فلغة الخطاب السينمائي في هذه الأفلام هي لغة الواقع والحقيقة، لذا نري بعض المخرجين في السينما العالمية يلجؤون وبشكل مباشر للقطات التسجيلية ضمن نسيج الفيلم الروائي عندما يعجزون عن اعادة تمثيل بعض الأحداث أو حتي محاكاتها، لأن كل لقطة في الفيلم التسجيلي هي نتيجة للتسجيل المباشر لمادة الواقع، ولا يمكن مقاربتها بلقطات أعيد انتاجها لمحاكاة الواقع لأن الحدث لا يقع مرتين في الواقع وان وقع فان تأثيره يكون مختلفاً في كل مرة، فاللقــــطة التسجيلية هي التي تدل علي الحقيقة، أما اللقــــــطة المعاد انتاجها للمقاربة من الحقيقة فهي انتاج آخر للحقيقة من خلال اسقاط الوعي البشري علي هذا الواقع، ونلحظ أن كثيرين من مخرجي الأفلام التسجـــــيلية لجأوا الي نفس اللقطات لاستخدامها في أفلامهم وخصوصاً الأفلام التسجيلية التي طرحت مواضيع الحرب العالمية الثانية، التي كان لها الدور الأكبر أي الحرب في ازدياد أهمية الوثيقة السينمائية، ولكن نجد هناك اختلافاً في طرق تركيب الفيلم أو اختلافاً في طرق معالجة الموضوع نفسه، لأن الوثيقة السينمائية موجودة لخدمة الحقيقة أينما وجدت وفي أي سياق، ولكن هذا يختلف في السينما الروائية فاللقطة صالحة لمرة واحدة فقط واذا انتزعت من نسيجها السينمائي ستكون بلا قيمة الا اذا اعيدت ضمن سياقها الفيلمي. ويجب التميز هنا بين الفيلم التسجيلي و العمل الاخباري، واستحالة التقاء كل منهما فالتقرير الاخباري أعد ليوضح شيئاً ما أو ليظهر خبراً ما، أما الفيلم التسجيلي فالأصل فيه أنه أعد ليعرض في صالات السينما، فيحمل هذا الفيلم فكرة ما أو مجموعة أفكار وهو عبارة عن تجميع مواد من الواقع حيث يتم فصل كل لقطة عن واقعها ومحيطها الاجتماعي وتجميعها مع بعضها البعض ضمن صيغة سينمائية جديدة ذات قصدية ممنهجة، وأي خلل يؤدي في هذا الجمع ستكون هذه اللقطات منعزلة وتمثل كل لقطة منها حقيقة مختلفة ليس لها علاقة بالأخري، فالأصل وضع كل هذه الحقائق لخدمة حقيقة واحدة وهي الحقيقة المركزية التي تدور في عقل صانع الفيلم والتي نتجت بالضرورة عن مخزون فكري ووعيوي عميق وبحث مكثف، والذي يعد ثلثي الفيلم التسجيلي والهدف الأساسي من هذا البحث هو الوصول الي الحقيقة التي هي غاية كل سينمائي. يقول الفيلسوف فريدرك نيتشه في هذا المقام لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصاً في قصده بل عليه أن يترصد اخلاصه ويقف موقف الشك فيه، لأن عاشق الحقيقة يهيم بها لذاتها . هذا البحث والتقصي العميق للحقيقة يمكن السينمائي من تحديد شكل هذا الفيلم وترتيب مضمونه ضمن صيغة سينمائية ويكون ذلك من خلال ما يمتلكه من أدوات فنية وخلق جو عام لهذا الفيلم والاشتغال علي جماليات اللغة السينمائية التي تكمن في زوايا الكاميرا واللقطات بكافة احجامها واللون والصوت والتركيب المونتاجي الجيد والمدروس وغير ذلك.لقد نجح عدد من المخرجين المحترفين في اضافة الكثير الي الفيلم التسجيلي، وأظهروا من خلال تجاربهم التي قذفوا أرواحهم وخبرتهم فيها تطوراً عالياً علي شكل الفيلم ومضامينه، وخرجوا عن أشكال الفيلم التسجيلي التي وضعها كبار مخرجي الفيلم التسجيلي أمثال الروسي دزيغا فيرتوف صاحب الفيلم المعروف الرجل والكاميرا والذي يلتقط فيها مشاهد حياتية متنوعة من خلال تجوال الكاميرا في المدينة، والأمريكي روبرت فلاهارتي صاحب الفيلم الشهير نانووك من الشمال والذي يرصد فيه حياة صياد من الأسكيمو وعمل علي صنع هذا الفيلم أكثر من عام ونصف، وتعد التجارب الحديثة متميزة وذلك لتعدد وتنوع موضوعاتها وادخالهم تقنيات السينما الحديثة علي أفلامهم واعتنائهم بجماليات المشاهد البصرية، وتجريب طرق جديدة لمحاكاة الواقع ضمن وعي عميق، وهذا النوع من الأفلام لاقي استحسان كثير من جمهور السينما التسجيلية، ومن أمثال هؤلاء المبدعين المخرج ميشيل خليفي صاحب الفيلم الشهير صور من ذكريات خصبة والذي عرض من خلاله نموذجين للمرأة المتعلمة والمرأه المربية وقد حاز هذا الفيلم جائزة الكاميرا الذهبية في احدي المهرجانات الدولية مما يدل علي اعتناء المخرج بجماليات المشاهد البصرية، وهناك أيضاً تجربة المخرجة مي المصري صاحبة فيلم أحلام المنفي والذي حاز جوائز دولية أيضاً وصورت فيه موضوعاً انسانياً لا يتواني عن وخز القلب الانساني، ولا شك أن هذه الأفلام وغيرها العديد أثرت المشهد التسجيلي العربي ولا بد لكل صانع فيلم تسجيلي من دراسة هذه الأفلام وغيرها والوقوف جيداً علي هذه التجارب قبل البدء بصنع فيلمه التسجيلي والتسليم بحقيقة واحدة هي: أن ضخامة الانتاج لا تعني بالضرورة فيلماً جيداً .مخرج أردني0