السينما بين فضح العملاء وتخليد الزعماء: هل تنتج ليبيا فيلما عن صدام حسين؟
السينما بين فضح العملاء وتخليد الزعماء: هل تنتج ليبيا فيلما عن صدام حسين؟القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: في رد فعل جدير بالتوثيق شرع الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي فور سماعه بنبأ اعدام الرئيس صدام حسين في اقامة تمثال له في أكبر ميادين العاصمة مجاورا لتمثال الشهيد عمر المختار مؤكدا علي أن يجسد التمثال حالة الشموخ والكبرياء التي كان عليها صدام لحظة صعوده المشنقة قبل دقائق معــــدودة من تنفيذ الحكم، وتهدف فكرة العقيد الي تخليد الحدث التاريخي الجلل وربطه بحادث اعدام الزعيم عمر المختار، حيث تتوافر شروط التماثل بين الشخصيتين، لا سيما وأن قرار الاعدام جاء وفق محاكمة صورية من قبل المحتل في تطابق غريب لظروف والملابسات برغم تباعد الزمن وهوة الاتساع بين الحدثين.واذا نظرنا لدلالة التمثالين وما ورائهما من أهداف نبيلة نري تلك العلاقة التي تربط بين صناعة تمثال كفن تشكيلي له قيمته وطبيعته وبين السينما كأداة لها ذات الخصوصية في التوثيق وحفظ الذاكرة الوطنية، وربما تقودنا المقارنة بين عمر المختار وصدام حسين الي السينما التي كانت سباقة في توثيق الحرب الايطالية الليبية وتسجيل بطولات الزعيم عمر المختار في مواجهة الآلة الحربية الجهنمية التي استهدفت السيطرة علي مقدرات الشعب الليبي والاستيلاء علي أراضيه، وظلت تطارد المقاومين وتفتك بهم حتي ظفرت بالمختار وأوقعته أسيرا في محاولة منها لمساومته نظير التخلي عن قضيته وافساح المجال أمامهم لتنفيذ مخططهم الاستعماري، وهو ما رفضه عمر المختار بشدة وأصر علي مناهضته بشتي الطرق، ما أدي الي استنفار الغضب الايطالي ودفع جنرالات الاحتلال الي اقرار مبدأ التصفية الجماعية لجميع رفقائه والحكم عليه بالاعدام شنقا علي مرأي ومسمع من أهله وعشيرته، وقد مثلت لحظة الاعدام ذروة التصاعد الدرامي والتراجيدي في تحفة مصطفي العقاد السينمائية التي أطلق عليها عنوانا دالا وموحيا أسد الصحراء والذي تواري فيما بعد وراء العنوان الذي رآه الجمهور أكثر لياقة حين ربط بين المضمون الكلي للفيلم والدور الاستشهادي البارز لعمر المختار فاختار أن يكون اسم البطل هو العنوان، وبرغم وجود نماذج كثيرة للبطولة في التاريخ العربي، الا أن عمر المختار بات هو النموذج الأكثر وضوحا في الذاكرة الشعبية، ربما بتأثير الانتاج الضخم للفيلم والأداء الصادق للنجم العالمي أنطوني كوين الذي جسد شخصية عمر المختار واعترف بأن هذا الدور من أهم أدواره، ويأتي الربط بين عمر المختار وصدام حسين منطقيا في هذا السياق لعدة اعتبارات من أهمها وحدة التشابه في الدور التاريخي والجسارة في مواجهة حكم الاعدام، فضلا عن آلية الاعدام نفسها والأسباب التي أدت اليها، يضاف الي ذلك وقوف التمثالين في ميدان واحد بالجماهيرية الليبية ورمزية التخليد والتجسيد علي هذا النحو وما ينذر به من توقعات قد تذهب الي التحسب بانتاج فيلم عن الشهيد صدام حسين لتكتمل المقارنة، خاصة اذا أنتج الفيلم برأس مال ليبي، امعانا في التقدير والتبجيل من جانب الشعب والعقيد القذافي الذي أعلن حالة الحداد بالجماهيرية لمدة ثلاثة أيام ونكس العلم حزنا علي فقدان الزعيم العربي الكبير، ولا تحمل التوقعات بانتاج فيلم عن صدام بحجم عمر المختار أي نوع من المبالغة فقد سبق للسينما أن قدمت ثلاثة أفلام عن صدام في حياته كان أولها الفيلم المصري معلهش احنا بنتبهدل للسيناريست يوسف معاطي وهو نوع من الكوميديا الساخرة جسدها أحمد آدم تجسيدا فلكلوريا هزليا خرج بالدراما عن دورها وحولها الي مجرد نكتة سخيفة لا تثير سوي السخرية من أصحابها، وقد نال الفيلم ومؤلفه ومخرجه وأبطاله الجزاء اللائق فلم يستمر اكثر من أسبوع بدور العرض وأحيل بعد ذلك الي سوق الترسو لينضم الي قائمة أفلام المقاولات الرديئة، التجربة الثانية كانت لمخــــرج عراقي مغمور قدم رؤية تليفزيونية بوازع من السًُلطة العميلة لم تجد قبولا لدي الموزع الخارجي وعُرضت مرة واحدة فقط في عرض خاص ضم عددا قليلا جدا من موظفي السفارة العراقية بالقاهرة وبعض المثقفين الذين ضلوا طريقهم الي حيث يعرض الفيلم المشبوه مجــــهول النسب والهوية والذي يحمل اسما غريبا أتصور أنه التحول أو شيء من هذا القبيل، ولعل التجربة الأكثر استفزازا والتي قوبلت بعاصفة من الرفض عند عرضها بمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة هي تلك المحاولة المسخ التي عنونت باسم عبور التراب وأنتجت برأس مال كردي – أوروبي مشترك، حيث استهدفت النيل من الرئيس صدام حسين علناً ودون مواربة أو اسقاط، اذ لعب دور البطولة طفل يدعي صدام صورته الدراما كطفل لقيط يلفظه المجتمع وتتبرأ منه عشيرته وأهله فيتوه في أنحاء المدينة ويقرر أحد المواطنين تسليمه للسلطات الأمريكية كي تتولي أمره وهو الاعتراف الصريح من جانب العملاء بالخيانة والتواطؤ!هذا الفيلم أختير ضمن برنامج الأفلام المثيرة للجدل حسب التسمية الملفقة والمستعارة خصيصا لعرض الأفلام ذات التوجه الأمريكي، ويعد هذا الفيلم هو الهدف الثاني الذي يحرزه المهرجان في نفسه، خاصة أن فيلما آخر من النوعية ذاتها عُرض علي هامش فعاليات الدورة قبل الماضية 29 انتاج سويدي واخراج عراقي حمل صدام مسؤولية ما يجري من صراعات بالمنطقة العربية، واعتبره خائنا لبلده لأنه هرب منها أثناء الحرب، فلم يكن المخرج العراقي الذي يحمل الجنسية السورية يعرف أن الرئيس صدام هو الذي يقود المقاومة حتي اللحظات السابقة مباشرة للقبض عليه وبالطبع كان المخرج في فيلمه التسجيلي الممول باليورو يعمل لحساب أسياده ويروج للعمالة من خلال رؤية سينمائية مهلهلة تقف حائرة بين التصنيف الروائي القصير والتسجيلي، وبعيدا عن التجارب الثأرية هناك أفكار وسيناريوهات يتم الاعداد لها، بعضها تسجيلي وبعضها روائي ستضع صدام حسين في بؤرة الضوء الساطع وتصحح المفاهيم المغلوطة التي كرستها الميديا الأمريكية وروجت لها أبواق الأنظمة العميلة. ولا بد أن نذكر في ختام هذا السرد السينمائي للتجارب الدرامية التي تناولت أزمة العراق أو شخصية صدام فيلم ليلة سقوط بغداد للمخرج محمد أمين بوصفه الأكثر ايجابية فقد تناول بشكل ساخر تبعية الأنظمة العربية الموالية للبيت الأبيض وربط بين عجز الحكومات عن اتخاذ القرار والعجز الجنسي وفضح دور الموساد في احداث الفتنة العربية – العربية وأشكال التنسيق بينها وبين الـ CIA ، ولأن الفيلم يعتبر عملا فنيا وسياسيا متميزا حُرم من تمثيل مصر في أي من المهرجانات العربية الدولية والمحلية برغم عرضه في كثير من الدول الأوروبية.وهذا العرض ليس الا محاولة لالقاء الضوء علي دور السينما في الحدث السياسي وبصفة خاصة ما يتعلق بالشأن العراقي ومؤامرة اعدام صدام حسين الذي خلت برحيله الساحة العربية من الأبطال.2