السينما.. خيال يسبق العاصفة

حجم الخط
0

مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته السادسة:سعد القرشقبل 116 عاما أحدث الترام ‘ثورة هائلة’، بنص كلام محمد سيد كيلاني في كتابه ‘ترام القاهرة’، ويستطيع قطار السينما الآن تفجير ‘ثورة هائلة’ أيضا، ذات أبعاد اجتماعية وثقافية في مجتمعات تفتقد إلى أماكن يلتقي فيها الناس ويتكلمون، حتى يرى بعضهم بعضا، ولا تحسبهم فرادى. الترام الذي رآه الناس في الشوارع عام 1896 ‘حد فاصل في تاريخ المجتمع القاهري’، أثمر مسارح ومقاهي وجمعيات خيرية ومدارس وأندية ثقافية ورياضية وصحفا ومجلات، وكان له دور بارز في الحركة العمالية واتساع دائرة الحركة الوطنية، بعد أن كان الانتقال صعبا من حي إلى آخر.والسينما الآن جديرة بهذا الدور، ومنذ سنوات تخطو دول الخليج ببطء، ربما حذر، في سبيل إنتاج أفلام روائية طويلة، فالسينما ثمرة حلوة لمجتمع يتفاعل أفراده، وتتقاطع مصالحهم، وتجمعهم هموم ومخاوف، ويتصارعون على سلطة أو نساء، أما الجنة الأرضية فلا وجود فيها للسينما. المجتمع البشري بمقاهيه وشوارعه وجرائمه وزحامه هو ما يخلق صراعا يعبر عن عمق نفوس ألهمها الله ‘فجورها وتقواها’.. بلا تستر على ضعف بشري، أو استعلاء عليه.فأين يقع مهرجان أبوظبي السينمائي في هذا السياق؟بلغ المهرجان (11 ـ 20 أكتوبر 2012) عامه السادس، وبعد هذه السن، ينتقل ‘من البراءة إلى الخبرة’، إذا استعرنا تعبير الدكتور عبد الوهابالمسيري، ومع الدورة الجديدة يأتي مدير إماراتي للمهرجان، بعد الإدارة الأمريكية (بيتر سكارليت)، ويثبت المهرجان أنه يسير بسرعة ترام شق شوارع القاهرة عام 1896، وأحدث ثورة اجتماعية، وتكفي رؤية طوابير من المواطنين الذين ينتظرون حضور أفلام حجزوها، أو يقفون طويلا، انتظارا لمقعد يخلو في فيلم نفدت تذاكره، أملا في تخلف أحد حاجزيه.يفخر المهرجان بقوة أفلامه وتميزها، وهي بالفعل قوية ومتميزة، وبعضها يعرض للمرة الأولى، ولكن نقطة ضعفه، منذ سنوات، هي فيلم الافتتاح الأقل فنيا من معظم أفلام الأقسام المختلفة، ولعل الاختيار يخضع لحضور البطل، وهو في العادة نجم يجب، أو يفضل، أن يكون أمريكيا، وهذا العام حضر ريتشارد جير بطل فيلم الافتتاح (مراجحة)، مع مخرجه نيكولاس جاريكي الذي كان مخلصا لتيمات السينما المصرية، عندما يتناول سيرة ملياردير يتعرض لخسائر، وقيامه ببعض الاحتيالات، وهروبه من سيارة بعد انقلابها، وفيها صديقته التي لقيت مصرعها، وقيام ابنته بدور الضمير الحي، وإصرار زوجته (سوزان ساراندون) على أن يتنازل عن ثروتهللجمعيات الخيرية، مقابل ألا تبلغ عن مشاركته أو مسؤوليته عن موت عشيقته.الثورات العربية حاضرة. ثورات مبتسرة لم تثمر منذ نجاحها في طرد الاستعمار قبل خمسين عاما إلا تشددا دينيا مرا بلون الدماء، وثورات مازلت حملا كاذبا، أو وعدا مؤجلا، إلى أن يكف الفرقاء عن تمزيق ثيابها،والرقص فوق جثتها، ومن الطبيعي ألا تفرز هذه الثورات فنونها الخاصة (أدبا وأفلاما وغناء)، وما تناول بعض جوانبها مازال دون خيال واكب الثورات، ومن هذه الأعمال فيلم يسري نصر الله (بعد الموقعة) الذي استبعد، لحسن الحظ، من مسابقة المهرجان لعرضه تجاريا، ولكن مخرجه نال جائزة ‘أفضل مخرج من الشرق الأوسط’ لهذا العام، وهي جائزةتمنحها مجلة ‘فارايتي’ الأمريكية منذ ست سنوات هي عمر المهرجان.وإذا كانت الفنون فائض محبة، للبشر والأماكن والأزمنة، فإن في المهرجان مكانا لفائض محبة، وربما حنين، لبعض كلاسيكياتالسينما: (20 ألف فرسخ تحت البحر)، و(الغناء تحت المطر)، و(لورنس العرب).أما الثورات بمعناها التاريخي فليس أكبر من ثورة الجزائر تجسيدا لها، ونظمت بمناسبة مرور 50 عاما على استقلال الجزائر، ندوة (السينما الجزائرية.. الأمس واليوم والغد)، كما عرضت أفلام: (الأفيون والعصا) لأحمد راشدي، و(باب الواد سيتي) لمرزاق علواش، و(عطلة المفتش طاهر) لموسى حداد، و(زد) لكوستا غافراس، و(وقائع سنوات الجمر)الذي نال عنه مخرجه الجزائري محمد لخضر حامينا السعفة الذهبيةمن مهرجان كان عام 1975، و(معركة الجزائر) للإيطالي جيلو بونتيكورفو، وهو وثيقة سينمائية في فنون حرب العصابات، وتم تدريسه للجنود الأمريكيين قبل غزو العراق عام 2003.ولكن فيلم رشيد بن حاج (عطور الجزائر) المشارك في المسابقة يرصد بعض الثمار المرة، فالأب الذي كان من المجاهدين أصابه سعار السلطة، ولو تسلطه على أبنائه، فهربت ابنته كريمة (الممثلة الإيطالية مونيكاغريتوري) إلى باريس، هجرت بلادها ولغتها عشرين عاما، واضطرت للعودة تحت إلحاح أمها (شافية بودراع)، لكي تنقذ أخاها (مراد) الذي هاجر إلى التطرف، وأصبح يقتل أبرياء بقلب بارد، انطلاقا من هدفه الأكبر ‘تحرير البلاد من أعداء الله’، ومنهم أخته (كريمة) التي حلمت معه، في شبابهما، بتغيير العالم، في مظاهرات مناهضة ‘للإمبريالية الأمريكية’. ويشكك الفيلم في فكرة التوبة الوطنية، والمصالحة التي ربما يوافق المتطرف عليها لينجو من الإعدام، ثم يلحق بزملائه القتلة في الجبال، وقد طال رصاص بعضهم زوجة (مراد)، في طريق العودة من زيارة زوجها المعتقل.ثورة جزائرية تتململ منذ 50 عاما، وثورة تونسية تسرق. ولعل هذا ما هدف إليه نوري بوزيد الذي نال جائزة أفضل مخرج من العالم العربيعن فيلمه (ما نموتش) المشارك في مسابقة الأفلام الطويلة، إذ قال بعد تسلمه الجائزة إنه يهدي الجائزة للتونسيات اللائي يسعين لنيل الحرية ‘ضد كل مظاهر التخلف’.لا يعرف الإرهاب وطنا. وعن بلاده صنع المخرج الأفغاني عتيق رحيمي فيلمه (حجر الصبر) المشارك في مسابقة (آفاق جديدة)، وهي مخصصة للتجارب الأولى أو الثانية لمخرجيها. وتقول حكاية شعبية محلية إن قلب هذا الحجر يتسع لبوح الموجوعين، وهنا تجعل الزوجة الشابة زوجها الغارق في غيبوبة حجر صبرها، فهو لا يموت ولا يحيا، منذ استقرت رصاصة في رقبته. تتحدث الزوجة التي تمرضه بصبر عن أحلامها الصغيرة، وشوقها إلى حب لم تحظ به من زوج لم يقبلها يوما، ولا نظر إليها.تقول له وللمشاهد رأيها في عالم قاس يحكمه رجال مدججون بالأسلحة والأيديولوجيا، ولا يجيدون إلا صناعة الحروب، لأنهم فشلوا في الحب. ونالت بطلة الفيلم الإيرانية غولشيفتي فراهاني جائزة أفضل ممثلة.ربما كان الإرهاب لعنة على أفلامه، فلم يفز فيلم بجائزة، ومنحت لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة جائزتها الكبرى (اللؤلؤة السوداء) للفيلم التركي (أعراف.. ما بين وبين) للمخرجة ييشيم أوسطا أوغلو، ونال جائزة أفضل ممثل جايل غارسيا بيرنال بطل الفيلم التشيلي (لا)، وحصلت فرانزيسكا بيتري بطلة الفيلم الروسي (خيانة) على جائزة أفضل ممثلة.ومنحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة لفيلم (جيبو والظل)، بطولة الإيطالية كلوديا كاردينالي وإخراج البرتغالي مانويل دي أوليفيرا (104 أعوام وهو أكبر المخرجين عمرا في العالم). تدور أحداث الفيلم عبر ثلاث كادرات ثابتة لبيت وحارة، كأنه عمل الوداع لمخرجه. ولم يخل الحوار من تأكيد على قيم عليا إذ ‘لا مثيل للفن’، و’بعض الناس خرفان والآخرون متمردون’.وفي حفل الختام منح المهرجان (جائزة فخر العمر) إلى كلوديا كاردينالي وسوسن بدر، وقدم مدير المهرجان علي الجابري لهما درع الجائزة التي تمنح للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان.في (مسابقة آفاق جديدة) نال جائزة اللؤلؤة السوداء فيلم (عائلة محترمة)للإيراني مسعود بخشي، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة الفيلم الأمريكي (وحوش البرية الجنوبية) إخراج بن زيتلين. وحصل فيلم (لما شفتك)للفلسطينية آن ماري جاسر على جائزة أفضل فيلم من العالم العربي.أما هالة لطفي فنالت جائزة أفضل مخرج من العالم العربي عن فيلمها الأول (الخروج للنهار) الذي حصل أيضا على جائزة الاتحاد الدولي لنقاد الصحافة السينمائية (فيبريسي) مناصفة مع الفيلم الوثائقي الطويل (عالمليس لنا) للفلسطيني مهدي فليفل.تجربة (الخروج للنهار) هي الأولى لصناعه: المصور محمود لطفي، والمونتاج هبة عثمان، ومهندسة الديكور شهيرة مشير، والملابس نيرة الدهشوري، والصوت عبد الرحمن محمود، والتمثيل: دنيا ماهر، سلمىالنجار، أحمد لطفي، دعاء عريقات، أحمد شرف.في الفنون لا يشفع حسن نية، ولا نبل قضية تعالجها.ليس مهما ماذا تقول؟ بل كيف تقول؟و(الخروج للنهار) متوالية بصرية يسيء إليها الاختصار. قصيدة خشنة تملك المخرجة من الحساسية والحرفة واللغة البصرية ما جعلها تتفادى الوقوع في فخ الميلودراما، وإجادة التعبير بالمشهد الطويل، الخالي تقريبامن الكلمات، عن الضجر بلا ضجر، عن الحرمان دون اللجوء إلى شعارات أو كلام كبير حيث لا كلام تقريبا. أم ممرضة وابنتها التي تقوم بتمريض أبيها المشلول، تؤدي ذلك بصبر والتزام ومسؤولية ومحبة وضجر أحيانا.ثلاثة كائنات ينتمون إلى لوحة فان جوخ (آكلو البطاطس).لا تدعي هالة لطفي أنها تكتشف حدثا جديدا، لا جديد إلا في التقشف في استخدام الزخارف، واكتشاف جماليات في الفقر والحرمان والعجز وكبت الأشواق والتعايش مع الألم في صمت، وادعاء كبرياء وتعال على حب مؤجل، لأنه غير متحقق.فيلم يعيد الاعتبار لفن السينما، حيث الحكي بالصورة، والاستغناء عن الحوار كلما أمكن.عمل تعي مؤلفته ومخرجته كيف تصوغ فن الاغتراب، اغتراب فتاة عن أمها، حيث لا يجمعهما تواصل إنساني ولا لغة مشتركة، تسألها الأم بعد خروج سريع من البيت: ‘عملت شعرك؟’، والبنت التي سمعت السؤال أو لا تريد أن تسمعه ترد على الأم بسؤال آخر: وانت عاملة ايه؟الموت المتوقع للأب يدعوك للهاث، انتظارا لنهاية لن تكون مفاجئة، حتى إن البنت تسأل أمها في المشهد الأخير، حين رأتها قد فكت مرتبة السرير وتنثر القطن: أين تقع مدافن الأسرة؟ كانت الأم تستعد ‘لتنجيد’ المرتبة للأب حين يعود من المستشفى، ولكن البنت تسألها: هو احنا هندفن بابا فين؟ينتهي الفيلم، ولا أنتبه لوجود موسيقى تصويرية من عدمه، أشك في الأمر، فأسأل جارا تصادف أنه ناقد أمريكي. رفع عينه عن ورقة يسجل فيها ملاحظات، وقال بدهشة: ‘ربما، توجد هنا موسيقى’. ولعله يقصد موسيقى أغنية أم كلثوم (ظلمنا الحب) التي استمع إليها الزوجان في صمت.*روائي مصري [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية