القاهرة ـ «القدس العربي»: في فترة الثمانينيات كانت السينما المصرية قد وصلت الى مستوى من النضج بعد أن تخلصت من أدران السنوات التجارية، واستوعبت الدرس السياسي بعد اغتيال السادات، فاتجهت صوب المثقفين تخاطبهم بلغتهم وتحاول الاقتراب من الهموم الحقيقية للشارع المصري.
في هذه الفترة كان المناخ ملائما تماما لطرح القضايا الشائكة ومنها، علاقة المثقف بالسلطة، التي بادر الى فتح ملفها السيناريست وحيد حامد، حيث كتب فيلمه المتميز «البريء» الذي تولى إخراجه عاطف الطيب برؤية صادمة حذرت من تكرار العنف ضد الشعب.
وخص بالذكر طبقة المثقفين الذين تم التنكيل بهم في عهود سابقة. واستثمارا للتساهل الرقابي المؤقت آنذاك جاءت تجارب مماثلة تطرق الحديد وهو ساخن، وتؤكد مجددا على مبدأ الحرية، وتلفت النظر إلى خطورة افتقادها الإبداع الثاني لوحيد حامد فيلم «زوجة رجل مهم» ليعاد طرح السيناريو بوضع المسؤولية على رجل الشرطة، في ما يصدر عنه من ممارسات غير قانونية، ولعمق الفجوة بينه وبين المثقف، ومن ثم بينه وبين المواطن العادي. وفي هذا الفيلم استند الكاتب إلى أحداث 18 ـ 19 يناير/كانون الثاني لإثبات صحة ما يدعي باعتبارها كانت واقعا حقيقيا جرت أحداثه وتفاصيله عام 77، وهو العام نفسه الذي مات فيه المطرب الكبير عبد الحليم حافظ كرمز للرومانسية ونموذج فني وإنساني مفضل للبطلة ميرفت أمين زوجة ضابط أمن الدولة أحمد زكي.
وبالطبع تعمد المخرج عاطف الطيب التركيز على هذا البعد لبيان دلالته ومغزاه.
ومن «البريء» و«زوجة رجل مهم» إلى «ضد الحكومة» و«معالي الوزير» يبرز النجم الأسمر الكبير كبطل للأفلام الثلاثة، فنرى أداء عبقريا وحالة مرضية من التقمص يعجز أخرون عن القيام بها، فهو الأقدر على معايشة الشخصية بتفاصيلها والتماهي فيها لتصبح جزءا أصيلا من شخصيته الحقيقية.
وتتواصل المسيرة الفنية بأفلام مهمة لنور الشريف لنشاهد «كتيبة الإعدام» و«ليلة ساخنة» و«زمن حاتم زهران» و«ناجي العلي»، ونلمح ارتفاعا في سقف الحرية ومرونة رقابية محسوبة بدقة تهدف إلى اعمال سياسية للتنفيس وإطلاق صواريخ الفضفضة والكلام في الهواء، بعيدا عن المساس المباشر بشخص الرئيس، وهو ما استغلته السينما أيما استغلال في استخدام الإسقاطات غير المباشرة لزوم توصيل المعنى، وربما وضح ذلك جليا في أفلام كثيرة منها «آسف على الإزعاج» و«عسل أسود» و«ألف مبروك» لأحمد حلمي و»ليلة سقوط بغداد» و«فيلم ثقافي» و«بنتين من مصر» للمخرج محمد أمين. كذلك أفلام خالد يوسف «حين ميسرة» و«دكان شحاتة» والفيلم الأهم والأخير ليوسف شاهين «هي فوضى» كل هذه المجموعة من الأفلام وجهت نقدا شديد اللهجة لنظام مبارك، واقتربت بجرأة من كل القضايا إلا شخصه، غير أن هناك فيلمين مهمين هما «جواز بقرار جمهوري» و«طباخ الرئيس» هما اللذان بعثا إلى الرئيس الأسبق رسالة خاصة وشخصية، وقد تقبلها النظام في إطار أنها رسالة ود ومحبة لا تحمل إدانة للرئيس ولا لذويه، حتى أن فيلم «آسف على الإزعاج» حمل النبرة الودية نفسها وتحايل كثيرا على المعني وتحري الدبلوماسية في خطابه مع الرئيس حينئذ.
لم يهتم نظام مبارك بمد جسور التواصل مع أهل الفن فلم يكن يجمعه بهم غير يوم واحد في العام وهو عيد الإعلاميين، المناسبة الرسمية التي كانت تستغرق كلها في الحديث عن الإنجازات والتطوير. ولعل اللقاء الأهم في هذه المناسبة هو ما تم منذ نحو عشر سنوات تقريبا، وتحدث فيه الفنان القدير حمدي غيث بعتاب مع الرئيس الأسبق بسبب تأخره بضع ساعات عن الموعد المقرر للقاء، وهو ما يبرره مبارك حينئذ تبريرا غير مقنع بكلمات عابرات لمجرد تطيب الخواطر.
ما نذكره في هذا اليوم أن عددا كبيرا من الإعلاميين والفنانين عادوا غاضبين من اللقاء، واعتبروا ما حدث من تأخير إهانة لهم وللفن ولتاريخهم الطويل. لم يعترف مبارك بعيد الفن الذي خصصه سلفه الرئيس السادات للاحتفاء بالنجوم والمبدعين، والدليل أنه لم يجدد دورات الاحتفال وأوقفها لأجل غير مسمى.
التكريم الرسمي الذي كانت تحظى به السينما ونجومها هو المهرجانات الفنية، وتلك كانت ضمن نشاط وزارة الثقافة، فمهرجان القاهرة السينمائي الدولي هو المناسبة المعتمدة رسميا وفيها تعرض الأفلام وتوزع الجوائز، كذلك بقية المهرجانات الاخرى السينمائية وغيرها الموسيقية والمسرحية وهي في تعدادها كثيرة ومتنوعة وتعد نوع من البروبغندا أكثر منها تكريما وتشريفا للفن وأصحابه والعاملين به.
وقد أخذ على وزارة الثقافة في هذا العهد اهتمامها بالمهرجانات على حساب المضمون الثقافي، ورأى البعض أن هذا كان إسرافا في غير محله من شلة المنافقين بينما رأى آخرون أن الثقافة والفنون بطبيعتها ذات أجواء كرنفالية، وما حدث في السنوات الماضية لم يزد عن كونه تجاوبا مع الطبيعة الثقافية.
عدد كبير من المثقفين والفنانين شاركوا في ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران وهذا يعكس ملمحا من ملامح عدم الرضا عن الواقع الثقافي طوال الثلاثين عاما الماضية، ويشير إلى أن كثرة الفعاليات والمهرجانات لم تكن كافية للتناغم مع الشارع ولا موفرة لاحتياجات غير النخبويين وأن الأمر كان مقتصرا على العاصمة فقط، بيد أن بقية المحافظات ظلت تعاني من خواء ثقافي ولا تعدو الأنشطة الشكلية بها وهمية تضاء «لزغللة» العيون.
من دواعي الإهمال وعدم العناية بالفن والفنانين ما وقع من كوارث وشهدته الساحة الثقافية بجلاء ووضوح وطواه النسيان كأنه لم يكن، من أمثلة ذلك حريق المسرح القومي والمسافر خانة وبقاؤهما خرائب سوداء منذ ما يقرب من عشر سنوات. أيضا حريق بني سويف الذي راح ضحيته خيرة الفنانين المسرحيين والنقاد وأغلق ملفه، وسرقة لوحة الخشخاش وعدم الاستدلال على الجاني بعد شيوع التهمة.
الوقائع والأحداث بكبيرها وصغيرها تدل على أن شيئا من احترام الدولة للفن والثقافة والإبداع لم يتبلور، اللهم الا كما أوضحنا كان مجرد ضوضاء ثقافية وكلام مرسل للترضية وصور شكلية للزينة فقط.
كمال القاضي