كان المسجد البابري ــ نسبة إلى الإمبراطور الهندي المسلم ــ قد تم إغلاقه، في عهد الاستعمار الإنجليزي للهند في 1855، في وجه المسلمين، واستمر عرض النزاع على المحاكم ، طيلة 155 سنة، إلى أن تم تدميره من طرف المتطرفين الهندوس، رغم الحماية التي وضعها المسلمون حول المسجد (لم تنجح في منع حزب جاناتا من هدم المسجد، وقـــتــل مئات المسلمين). وقد بارك التدمير ‘ادفاني’ زعيم حزب جــانــاتــــا نائب رئيس الوزراء ووزير
(2)
الزراعة الأسبق في الحكومة المركزية بدلهي، وكانت سيارته الخاصة تقود الغوغاء الهندوس الذين دمروا المسجد. وكان حزب جاناتا قد سيطر على الحكومة المركزية في دلهي، وعلى عدد من الحكومات المحلية في الولايات إلى أن انهزم في انتخابات 2004 على يد حزب المؤتمر.
كانت هذه الأحداث التي عرفتها مدينة ايوديا، والموقف المساند من طرف السلطات الإقليمية في ولاية أوتار براديش، ومن طرف الحكومة المركزية في دلـهــي هي التي أدت إلى رد الفعل في بومباي عاصمة السينما في الهند، أو بوليوود كما تسمى (على وزن هوليوود) والتي يحكمها ــ باعتبارها عاصمة ولاية مهاريشترا ــ حزب إقليمي متعصب للهندوس وللماراتيين هو ‘شيق سينا’ بزعامة بال تاكيراي الذي توفي أخيرا ـ 2012 ـ وخلفه ابن أخته زعيما للحزب الإقليمي وللحكومة المحلية، التي تفرض سلطة مطلقة على الولاية، ذات الأهمية الاقتصادية، وعلى العالم السينمائي بها، وكان زعيم ‘ شيق سينا’ الأصغر هذا، قد هدد علانية على شاشة التلفزيون، النجم أميتاب باتشان لأن زوجته النجمة السينمائية ‘جايا باتشان’ صرحت بأنها لا تعرف لهجة ولاية مهاريشترا. أما النجم السينمائي ‘ميتوم’ فقد تم طرده من بومباي، من طرف الحزب نفسه، ومـنــع من العمل، وهو نجم السبعينيات، حتى تدخل النجم السينمائي ‘سلمان خان’ الذي له علاقات واسعة، وأياد خيرية، للعفو عنه وإعادته ، وسلمـــان خــان نفسه يواجه اتهاما قد يدخله السجن بقتله ‘غزالا’ من نوع مهدد بالانقراض أثناء رحلة صيد .
من بومباي إلى مومباي
بومباي تم تغيير اسمها في 1981، مع صعود حزب ‘شيق سينا’ للحكم إلى مومباي على أساس مزاعم، بكون الإلهة ‘مامبا ديفى’ أسبغت رعايتها على المدينة، التي يسكنها حوالي 20 مليون نسمة. وتعتبر ثاني مدينة من حيث الأهمية في الهند بعد كلكوتا عاصمة ولاية البنغال في الشرق، التي يحكمها الحزب الشيوعي الماركسي المستقل منذ 1977، والذي كان قد انشق في 1966عن الحزب الشيوعي الهندي المؤسس في 1920 .
وبومباي هي عاصمة السينما في العالم الهندي، وفيها أنتج أول فيلم هندي في زمن السينما الصامتة في 1913، وهي السنة نفسها التي فاز فيها طاغور بجائزة نوبل للآداب، باعتباره أول شرقي يفوز بهذه الجائزة العالمية، وفي بـومباي وأيضـا أنتج أول فـيلــم نــاطق في 1931’عالم أرآ’.
(3)
وقد عرفت بومباي إزهارا اقتصاديا وماليا جعلها قبلة للمهاجرين من مختلف أنحاء الهند، وصار ميناؤها أهم ميناء في البلاد، وتأسست فيها فروع للأبناك الدولية والوطنية والشركات الكبرى . وبدأت تتكون فيها العصابات المنظمة التي أشرفت عـلــى مـحـلات القمار، وساهمت في الانتخابات، وفرضت الإتاوات على الأحياء، ومـارســت الـتـهـريـب، فـي مخـتلف السلع خاصة الزمرد، والذهب، والخمور وصناعتها. وانتقلت بعد هذه المرحلة إلى السينما ومقاعد السلطة، لتبييض الأموال والوقوف مع نجوم بوليوود، وإنتاج الأفلام عن طريق منتج صوري.
اغــتـيــالات وعــصــابـــات
يعتبر النجم السينمائي الهندي ‘سانجاي دوت’ (من مواليد 1959)، ضحية لتشابك هذه العلاقات. وسانجاي هو ابن النجم السينمائي وزير الشباب والرياضة الأسبق سونيل دات 1930 2005 والنجمة نرجس (= فاطمة رشيد) 1929 1981 التي كـانــت نـجــمـة الخمسينيات، وشريكة النجم / المخرج راج كابور 1924 1988 في عدة أفلام، ومن أهم أفلامها ‘الأم الهندية’ من إنتاج المخرج محبوب خان 1957.
كان ‘سانجاي دوت’ قد تسلم لسذاجته بندقية ومسدسا من عبد المومن تيجر الذي تجمعه به علاقة صداقة، وكانت هذه التهمة كافية للحكم على النجم بست سنوات خففت إلى خمس، كما كانت إشارة إلى العلاقة التي تربط عالم السينما الهندية بالمافيات والتي لا تخلو من خلفية طائفية / سياسية انكشفت بعد تدمير المسجد، برد الفعل الذي قامت به عصابة إبراهيم داوود، ذات الطابع الإسلامي، واختلط فيه ما هو طائفي بما هو سياسي، وإجرامي، وفني.
وكان المطرب ‘ كولشان باورا ‘ قد اغتيل من طرف عصابات الأسطوانات في الهند ودبي، حين تحداها بإعادة تسجيل الأغنيات نفسها، ولا زال ملف اغتياله في التحقيق، يفتح في كل سنة، ويستدعى المشكوك فيهم للتحقيق، وهم من كبار منتجي الأفلام.
وعالم بومباي أو مومباي تميز دائما بهذه العلاقة، ففي 2002 جرت محاولة لاغتيال المنتج والمخرج والنجم ‘راكيش روشان’ الذي طلب منه أداء إتاوة عن الفيلم الناجح الذي أنتجه لابنه ‘هيتريك روشان’ أحد نجوم بوليوود، كما أن هذا الأخير شارك في عدة أفلام تحت ضغط هذه العصابات مخافة اغتيال والده.
(4)
وتعتبر حكومة ولاية مهاريشترا وعاصمتها مومباي أشبه بهذه التنظيمات، فعندما مات ‘بال تاكيراي’ زعيم حزب ‘شيق سينا’ تم إغــلاق بومــبــاي، واعـتـقال كل من شكك في ‘حزن’ سكان بومباي، وضمنهم فتاتان تبادلتا رسائل عبر الشبكة تنتقدان فيها إغلاق بومباي بالتخويف. وليست عصابة إبراهيم داوود وبال تاكيراي وحدهــمــا اللتان سيطرتا على بومباي، فهناك عصابة ‘أرون غاول’ المنافس الرئيسي لتنظيم بال تاكيراي. وقد أسس حزبا جديدا لمنافسة حزب ‘شيق سينا’. وتقوم ‘لجنة الدفاع عن الحقوق الديمقراطية’ بمحاربة هذه التنظيمات الملتبسة بالسياسة والحزبية والعالم الوردي السينما، وتفضح هذه اللجنة الطابع الإجرامي لهذه الأحزاب، وطائفيتها. ورغم محدودية أثر هذه اللجنة فقد لعبت دورا كبيرا في فضح هذه العصابات التي تستغل الطائفية والحزبية لممارسة سلطتها الاقتصادية، والاجتماعية، والسينمائية، فالهند رغم هذا الطابع الطــائفي والإجرامي، دولة علمانية / ديمقراطية منذ 26 يناير 1950، وتتوفر على مجتمع مــدنــي قـــوي، وجمعيات تحـــــــــارب الظواهر السلبية، ومنها ‘جمعية محاربة مدعي النبوة والألوهية’. فـــفي كل مرة يظهر أحد ما يدعي أنه نبي أو حتى إله، أو أن روح أحد الآلهة استنسخته، تقوم الجمعية بمحاربته، وحضور اجتماعاته ومواجهته، وفضحه أمام الناس البسطاء، إلا أن البعض الآخر كقادة الأحزاب تستغل جماهيرية مدعي الألوهية، للفوز في الانتخابات، مما يجعل الهند بلدا قويا من ناحية المجتمع المدني، ضعيفا من ناحية الحكم السياسي الاتحادي.
‘ كاتب ومحام من المغرب