السينما والنشوء الكولونيالي: الفرجة سبيلا للهيمنة

تكتسب السينما حضوراً متزايداً ضمن مجالي الدراسات الثقافية ودراسات ما بعد الكولونيالية، ولاسيما عبر دفع النقد السينمائي إلى التخلص من عزلته المتمثلة بالتركيز على العوامل الفنية في نقد الأفلام السينمائية، مع عدم قدرته على استجلاب السياقات المؤثرة في تكوين الدلالات. ولعل المستجدات التي برزت مع ظهور الدراسات الثقافية واستقواء أطروحاتها، التي تشمل قطاعات كبيرة من منتجات الإنسان، وتقاطعات ممارسته مع المحيط؛ بما في ذلك البيئة، كما القضايا المتصلة بالمجتمع، حيث بدأ إدراك ما يمكن للسينما أن تتخذه من دور في تمكين العلاقة بين الصيغة السينمائية، أو شعرية الثقافة كما يفضل أن ينعتها ستيفن غرينبلات.

تحولات السينما: النشوء الكولونيالي

وإذا كان الدرس ما بعد الكولونيالي ينهض على مفاهيمية الخطاب، وما يتصل به من إزاحة عن الأصل للموضوع، وابتناء قيم تنهض على التمثيل، كما ابتكار الصيغ التي تتصل بالآخر… فإن السينما استطاعت أن تتورط في هذا الميدان ضمن مقولتي الفعل أو رد الفعل، من أجل تقويض بعض مقولات الكولونيالية فيما يتعلق بتمثيلات المستعمِر.
تستذكر كولمبار في موسوعة السينما فيلم «الهند الصينية: قرية نامو» الذي عُرض في باريس سنة 1900 للمخرجين الأخوين لومير (أوجست ولوي) وفيه نرى عربة يجرها رجل في داخلها مسافر، في حين تظهر على الطريق الترابية آثار العربة، وخلفها الأطفال المحليون يجرون، وهنا يلاحظ أن الفيلم، قدّم رؤية تتوافق مع الاستيهام الكولونيالي عبر صورة تلقائية، ولاسيما للمشاهدين الفرنسيين، الذين يشاهدون باسترخاء على مقاعدهم الوثيرة منطقة تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، وهكذا يتحقق الاتصال بين معنى المغامرة في سياق اكتشاف منطقة ترضخ لهيمنة استعمارية، تتبع القوة الفرنسية التي تتمتع بنفوذ عابر.
هكذا يبدو اللقاء السينمائي في بواكيره، تجسيداً لابتكار متخيل بصري ضمن مقولة الخطاب، حيث إجراءات الاقتطاع، كما التنظيم والتكرار، والاستعادة لكل ما يتصل بالآخر. تبرز الفاعلية ضمن بناء تكوين معرفي يكرس بوصفه جزءاً من رؤية غربية خالصة، حيث كان ظهور السينما جزءاً من تاريخ الاستعمار، لكنه أيضا كان جزءاً من مفهوم الدعاية كما جسدتها النازية بصورة وظيفية واضحة، قبيل الحرب العالمية الثانية. هكذا يمكن أن ننظر إلى السينما، لا عبر ما يكمن فيها من تفعيل وظائف المتخيل والتسلية والمتعة، لكنها منذ لحظة النشوء اندرجت في خطاب لا يقل خطورة عن مجمل الأشكال الخطابية التي يمكن أن ننعتها بالكلاسيكية، في تحديد سردية تتصل بالمستعمِر والمستعمَر. كما أن السينما من جهة أخرى اندرجت ضمن مقولة التنازع الخطابي، عبر مقولة تقويض التمثيلات القائمة على تفكيك التنميط والأحكام المسبقة تبعاً لمتخيل يمارسه العقل الغربي، الذي لم يفت من عضده الاستمرار في هذا النهج، بالتزامن مع مقولة ما بعد الحداثة التي خففت من وطأة هذا السعار الخطابي السينمائي، ولاسيما مقولة احتكار مروية واحدة للتاريخ، ومحاولة نقض أي مقولة تدعي الحقيقة المطلقة.

مشهد من «انديانا جونز»

للسينما تاريخ طويل من التّحولات كونها من أشد الفنون دينامية نظراً لعاملين: الأول تطور الإمكانيات الإخراجية على مستوى الرؤى. الثاني تطوير وجهات نظر جديدة تنهض على مقولة الابتكار، وتفعيل المستجدات التقنية، على الرغم من تأكيد الطابع الاحتكاري كما في سينما هوليوود، لكنها مع ذلك تبقى قادرة على الانفلات من خلال جهود الفاعلين السينمائيين، ولاسيما اليسار السينمائي عبر ابتكار مقولة مضادة من أجل تجاوز سردية أحادية للحدث والتاريخ. إن إشكالية (ما) التي تعني قطيعة بين حقبتين، ونعني مرحلة الاستعمار وما بعده، قد تبدو لنا مراوغة كون الفعل القائم على التمثيل للآخر لم ينجز بعد، وهو دائم التحول والاستمرارية، لكنه في المقابل يواجه خطابات متعارضة، ومن هنا تكمن قيمة النظرية ما بعد الكولونيالية، كونها لا تتوقف عن تمكين النتاج والبحث في آليات التقديم، ذلك أن مركزية النموذج الاستعمارية قائمة على الهيمنة والسلطة، وبينهما تكمن المعرفة التي تبقى جزءاً من فاعلية التمثيل، لا سيما ونحن نشهد عالما معولماً يشهد أقنعة متعددة للسيطرة والهيمنة على كل شيء؛ بما في ذلك السينما التي تعاني من هيمنة الصناعة الرأسمالية.
لقد كان الاهتمام بالمعرفة بكل ما يتعلق بالآخر جزءاً من المشروع الاستعماري، فلا جرم أن تكون السينما أداة مهمة في تمكين هذه النزعة، لاسيما وهي تتوجه نحو أبعاد إثنوغرافية عبر تجسيد مقولة الأبيض في مواجهة الآخر، أو السكان الأصليين، وهي قيمة واضحة في السينما الكولونيالية التي رأت في مستعمراتها كنزا ساحراً من المشهدية البصرية، وأرضاً خصبة لاستعراض القوة الخارقة للرجل الأبيض، ومنها على سبيل المثال لا الحصر فيلم «أنديانا جونز » وغيره من الأفلام ذات الطبيعة المتصلة بمقولة الرحلة التي تخلص إلى أن الرجل الأبيض يعدّ قيمة رمزية للمستقبل، بينما المواطن الأصلي يعدّ جزءاً من الماضي الذي توقف، ولم يعد محكوماً بالتطور، أو أنه يفتقر للإنسانية، كما يعكسه فيلم «أنديانا جونز» حيث اتخذ من الهند البريطانية مسرحاً لبعض أحداثه، ولعلي هنا أستذكر مقولات كثيرة من أفلام تصف بعض المدن أو المناخات بأنها شرق أوسطية، كناية عن أنها مكان يفتقر للنموذج الحضاري، حيث تعمها الفوضى والقذارة…

يمكن القول إن سينما هوليوود لم تترك مكاناً على هذه الأرض إلا وقدمت صيغة له، لكن عبر أكثر من نسخة، غير أن تمثيلات الشرق الأوسط في سينما هوليوود تبقى أسيرة عدسة لا ترى إلا استيهامية مصطنعة، ولاسيما في السينما التجارية التي تعاني من تعميمات واضحة في رؤية الطابع المكاني والثقافي لبلد ما، بل إنها في معظم الأحيان تخطئ في التعبير عن اللهجات العربية، وتمايزها في فيلم ما.

النزعة الاستعمارية

كتب كورينا كولمبار في موسوعة السينما، عن النزعة الاستعمارية عبر ثلاثة محاور كي تؤطر السياق ما بعد الاستعماري للسينما الأوروبية الأمريكية ـ أولا بوصفها جزءاً من هذا التكوين الذي يسعى لأن يقيم نموذجاً موضوعياً بخصوص هذا الإشكال القائم على محورية التمثيل، الذي يعلق بالتقييم الإثنوغرافي بوصفه الإطار الثاني، ما ينقلنا إلى الإطار الثالث، ونقصد إضفاء طابع رومانسي على شخصيات السكان الأصليين، ضمن بعد تجاوري، غير أن هذا يدفعنا للتساؤل عن التقييم للأفلام التي رصدت المقاومة، والتي تبدو محصورة جدا، وأهمها فيلم المخرج جيلو بنتكيورفو بعنوان «معركة الجزائر» 1965، والمخرج الفرنسي جان لوك غودار في فيلمه «الجندي الصغير» 1963، وهناك أفلام أخرى لا مجال لذكرها هنا. ومع أننا نتوافق على أن السينما تتصل ببعد أيديولوجي، أو ضمن تكوين وظيفي متعدد الغايات، غير أننا لا يمكن أن ننكر أنها تبحث عن مفهوم الفرجة التي تحقق طابعا تجديداً، رغبة في تجديد الأفكار، وتجاوز النمطية والقضايا المكررة في السينما؛ ولهذا نجد أن السينما قد تبدو منفتحة على الثقافات كافة، كما نراها تتراوح في بعض الأحيان بين تمكين النزعة الاستعلائية أو البحث عن شيء من الحيادية، عبر إبراز التمايز الثقافي للبنى الجغرافية، وما تمثله من رؤية ثقافية.
يمكن القول إن سينما هوليوود لم تترك مكاناً على هذه الأرض إلا وقدمت صيغة له، لكن عبر أكثر من نسخة، غير أن تمثيلات الشرق الأوسط في سينما هوليوود تبقى أسيرة عدسة لا ترى إلا استيهامية مصطنعة، ولاسيما في السينما التجارية التي تعاني من تعميمات واضحة في رؤية الطابع المكاني والثقافي لبلد ما، بل إنها في معظم الأحيان تخطئ في التعبير عن اللهجات العربية، وتمايزها في فيلم ما. وهذا ما يتصل بجهل أو رؤية ذات طبيعة تجانسية في رؤية النموذج الشرق الأوسطي، كما في الأفلام التي تعالج قضايا الإرهاب، ومنها فيلم من إخراج ريدلي سكوت، وبطولة ليونارد دي كابريو بعنوان «كتلة أكاذيب» Body of lies 2008 على سبيل المثال لا الحصر. تدور بعض الأحداث في الأردن، غير أن أماكن التصوير كانت في العراق، ما قدم تمثيلاً غير معني بالتمايز الحقيقي، أو تحري الدقة، إنما انطلق من تماثل بين بلد تعرض لغزو، وبلد آخر مستقر، مع التأكيد على أن الفيلم ينطلق من محاولة تعرية النظام الاستخباراتي الغربي، لكنه يبقى في إطار بيان إنسانية الفرد الغربي، لا المؤسسة التي يدينها، في حين أن فيلم توم كروز في سلسة أفلام «مهمة مستحيلة» الذي صورت بعض مشاهده في دبي، حيث بدت الأبراج والبنايات الشاهقة والمظاهر الفاخرة جزءا من مشهدية الفيلم، غير أنه لم يتم التخلي عن تكوين الصحراء بوصفها مجاورة لهذه المدنية الباذخة، لكن سرعان ما تظهر عاصفة رملية مقبلة من بعيد كي تطمس معالم المدينة بأكملها، علاوة على صيغ بناء نموذج لشخصيات عربية مفرغة تنضح بالثراء، عبر إشارات خفية تتوافق مع متخيل المشاهد الغربي.
لا يمكن للسينما أن تنجز مقولتها بخصوص التنازع الاستعماري، كونه ما زال فاعلاً، فثمة نماذج وأشكال متعددة تتصل بمدى التخلص من تراكم التمثيلات المسبقة تجاه الآخر، ولاسيما معنى أو نظرية التحديق كما تحيلها كولمبار لإدوارد سعيد، فالآخر أو ذلك الشرق الأوسطي أو المستعمَر بالمطلق، سيبقى جزءاً من تكوين منقوص في وعي الغربي، وسيبقى صورة مشوّهة معرضة دائماً للتحديق عبر عيون السينما الغربية، غير أن هذه الأداة السينمائية قابلة دائماً لابتكار نموذج مقاوم آخر.

كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية