السينما وهمُ يَصنعُ وهمًا!

يُعدّ مفهوم السينما الوثائقية من أكثر المفاهيم التباسًا، سواء على النقد السينمائي، أم على صنّاع الأفلام أنفسهم، وتتمثّل الإشكالية بما يُسمى عملية تصوير الواقع بأمانة (أي استنساخ الواقع) من جهة، وحجم تدخّل المخرج في عملية التصوير (الإخراج) من جهة أخرى.
هذه إشكالية، تخصّ الأفلام الوثائقية تحديداً، لأن فعل التصوير يفرض القيام بعملية خداع حقيقية، تتطلب تدخّل المخرج أثناء قبضه على اللحظة الحاسمة المراد تصويرها.
إن المخرجين عندما يصورون الواقع، فهم يمسكون بلحظات حيّة منه، وهذا الكلام صحيح، لا غبار عليه. أي أنّهم يقومون بعملية فيها جانب من الصدق، بما أنهم يعملون على نقل الواقع الذي يصورون، وهذا هو الوجه الحقيقي من الموضوع. لكن يجب عدم التسليم بفرضية أن الواقع، في هذه الحالة، بريء تماماً. من التدخلات والإضافات عليه، بل حتى تزويقه أو تشويهه، لأن ما يتجلى على الشاشة هو نموذج جديد للواقع، يشبهه، ويختلف عنه في الوقت نفسه. بمعنى الواقع المصنوع برغبة المخرج، حسب أهوائه. والسبب يكمن في علاقة المخرج بالوسط المحيط ونظرته الذاتية (أو قراءته الشخصية) للواقع الذي يسجله، وهنا وجه الخداع في الأفلام الوثائقية. يتعلّق الأمر هنا بخلق واقع جديد من عالم المخرج ذاته، وليس الواقع الموضوعي المعاش، بما فيه من أحداث وانفعالات، فهو (أي الواقع الجديد) لا صدق فيه، إلّا بما يسمح المخرج به، ولا كذب فيه، إلّا بمشيئة المخرج. إذا كان التصوير يوثق بالضرورة للحظة ما من عالمنا (ولحالة) في عالمنا، باعتباره قطعا لحدث في زمن ـ مكان محددين، فالتصوير لا يكتفي بذاته، فهو هكذا، لا يعطي علامات عمّا يعني، إنّما تتدخل باقي العناصر الفيلمية (المونتاج، التعليق، الموسيقى، المؤثرات الصوتية) في مهمة توضيح مسار الفيلم وغايته. تعمل الصورة، بحسب الناقد الفرنسي فرانسوا نيني، عمل الأيقونة عن طريق التشابهات ورمز يستوجب قراءة خاصة، فممكن أن تكون الصور غامضة ومعتمة ولا تبوح بأسرارها، وهي أحيانًا خادعة بسبب استعمال عدسة ذات بعد بؤري معين، وأحيانًا أخرى تكون الصورة مزيفة بهدف الخداع، وممكن أن تكون حالة التباس أو تأويلا خاطئا. وهذا الأمر سيقود إلى استنتاج مهم، وهو ثمّة مسافة تفصل بين تصوير الواقع «في غفلة منه»، والتحكم الذاتي في عملية تصويره. هذه المسافة هي، التي سنناقشها في مقالنا هذا، وهو ما نطلق عليه مجازاً «المسافة الوهمية».

اعتمد هتلر على قدرات مخرجته الموهوبة ليني ريفنشتال، وهي صانعة أفلام من الطراز الأول. أنتجت مجموعة من الأفلام المهمة لصالح هتلر والترويج لأيديولوجيته النازية.

إنّ جدلية «المسافة الوهمية» في الأفلام الوثائقية، حالة واقعية، متأصلة في كل فيلم، وتُغري الأيديولوجيات باختلاف أنواعها بسبب قدرتها على خداع وتمويه المُشاهِد. اعتقد صانع الأفلام المولود في إسكوتلندا جون غريرسون، بأن المرء لا يحتاج في السينما استخدام عقله كثيرا، وسيتقبل البيان المُصور ببساطة أكثر من المقال الصحافي. وغريرسون نفسه، الذي دافع عن سينما الواقع باعتبارها أداة للتوعية الجماهيرية، استخدم مرّة مهاراته الفنية في التركيب في أحد المشاهد، التي تُظهر هتلر يرقص فرحاً، عند حضوره استعراضاً عسكرياً للجنود الألمان وسط باريس. وقد دخل هذا الحدث التاريخ باسم «رقص آكلي لحوم البشر»، لكن سيعترف مؤلف هذا المشهد، بعد سنوات من إخراجه، بأنه عثر عليه في الأرشيف الألماني، وقام بإعادة تركيب بسيطة لحركة يرفع فيها الفوهور إحدى قدميه في الهواء الطلق، كرر المخرج الحركة عدّة مرّات، فظهر الديكتاتور في الفيلم، مُستخفًا به، وكأنه يرقص أمام أنظار العالم أجمع.
وكذلك، استفادت العقائد من الفيلم الوثائقي، لتمجيد الدولة الشمولية، وصولاً إلى أهداف سياسية ودعائية بحتة. مستفيدة بذلك من «صدق» الصورة الظاهر وقدرتها على الخداع. فالمُشاهد يتصور أن العرض بريء بسبب عملية التصوير الميكانيكية للواقع. هنا تحدث عملية التمويه وتخدير الجماهير في الأفلام الوثائقية، غافلين عن دور الإخراج في إعادة تركيب الواقع على أسس أيديولوجية بحتة.
اعتمد هتلر على قدرات مخرجته الموهوبة ليني ريفنشتال، وهي صانعة أفلام من الطراز الأول. أنتجت مجموعة من الأفلام المهمة لصالح هتلر والترويج لأيديولوجيته النازية. فيُظهر فيلمها «انتصار الإرادة» (1935) الفوهرر رجلاً خارقًا، ووظفت المخرجة مهاراتها في التحكم بزوايا التصوير، لصناعة بطل من نوع جديد، بطل بقدرات غير طبيعية. ولمنحه قوّة بلاغية صُوّر (هتلر) من زاوية تصوير سفلى، أمّا الجماهير التي اصطّفت على مدّ البصر لتحيته مستسلمة له، وفي حالة من النشوة، والخضوع المطلقين فتمّ تصويرها بمعية كاميرات وضعت في أماكن مرتفعة.
يظهر مشهد البداية طائرة الفوهرر تشق السماء الملّبدة بالغيوم بثقة عالية، وبدا كل شيء في الأعلى، هادئًا ومستسلمًا، إلا جموع الجماهير، التي كانت تنتظر تحت متوترة ومهتاجة بانتظار هبوط سيّدها ومحبوبها القادم من الأعلى، كما ظهر هتلر كإله إغريقي عند نزوله من مدرجات الطائرة، وسط ابتهاج الجماهير ونشوتها. إنّه مشهد يشي بحقيقة خنوع هؤلاء البشر، رجالا ونساءً، شيبًا وشبابًا، مدنيين وعسكريين، لرجل أصبح خارقًا، وسوبرمانا، وساهمت الصورة بمنحه معاني وامتدادات مبالغا فيهما. نعم! لقد أعطت الصورة لهتلر قدرات هائلة لا يملكها هذا الرجل بجسمه الضعيف وشخصيته الكاريكاتيرية. وظّفت المخرجة في هذا الفيلم أكثر من تسعين مصورًا ومئات الآلاف من البشر، فاق عددهم المليون شخصًا، استخدمتهم كأداة دعائية لاستقبال هتلر أثناء حضوره مؤتمر الحزب النازي في مدينة نورمبرغ في ألمانيا. وتشير الدلائل إلى أن المؤتمر عُقد خصيصًا لعملية التصوير، لا العكس. أمّا المخرجة الحاذقة فوضعت كاميرات التصوير في كل الزوايا المُتاحة، ولم يكن هنالك مكان في منأى عن عين الكاميرا وبعضها حملتها مناطيد هوائية للتصوير من مناطق عالية.
لقد أمسكت ليني ريفنشتال بلعبة الإخراج الذي تحكّم في عملية التصوير وعرفت كيف تسخّر الواقع كي ينطق بأفكارها وتستفيد من قدرات الصورة على التمويه والخداع.

المسافة الوهمية واستراتيجيات العرض
يتغذى الإعلام، على سينما الواقع ومنه يستمد شرعيته، بل وبفضل ثنائية علاقة الصورة بالواقع، تمكّن محترفو الإعلام من فرض سلطة الصورة على عقول البشر، فشغلت (عملية الخداع هذه) اهتمام الإعلام الغربي المعاصر، وسعى أصحاب السلطة والمتخصصون إلى تضخيم حضور الصورة في حياتنا اليومية، وتتويجها كسلطة رابعة، فاعتبر وزير إعلام هتلر غوبلز، السينما سلاحا هجوميا رابعا، عن طريق توظيف عملية الوهم المذكورة. واستفاد الإعلام في الديمقراطيات الغربية أيضا من الإرث القديم للدول الشمولية، بما يتعلّق بالصورة، للتأثير على المشاهدين، لكنها ألبسته ثوباً جديداً، ألا وهو، ثوب الديمقراطية والحرية، وما يسمى بحقوق الإنسان، وكل هذا يشكل جزءً حيويا من هوية المجتمع الغربي. فرغم الاختلاف بين نمطين سياسيين متضادين (الأنظمة الشمولية والديمقراطيات الليبرالية) إلا أنهما يجتمعان على أهمية توظيف الصورة وتأثيرها على الجماهير.

اقتنعنا كمشاهدين بالصورة تلك، بل سحرتنا بواقعيتها وصدقها الظاهري (المزيف) بينما سيتساءل المُشاهد المتفحص عن موضوعية العرض؛ عن صدقه، عن حقيقة بغداد أثناء القصف، التي هي بالتأكيد، أصبحت مدينة مُدمَرة وليست مبهجة كما قال التعليق.

إذا كانت استراتيجيات العرض الإعلامي الغربي مبنية، سابقاً، على استخدامات متكررة للصور الصادمة، أي تلك الصور التي تجسّد مشاهد الموت والعنف في حالاتهما القصوى، وهي طريقة عرض مازالت شائعة في بعض القنوات في عالمنا العربي ودول الشرق الأوسط، فقد تغيرّت راهنًا هذه الاستراتيجية في دول الغرب وأصبح العرض قائماً ليس بالضرورة على المَشاهِد المبنية على صور صادمة، بل العكس هو الصحيح.
الطريقة التي قدّم بها التلفزيون الفرنسي عملية ما يسمىّ بـ«درع الصحراء» مثلاً (أي العملية العسكرية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي وبدأت من 2 أغسطس/آب 1910 وحتى 17 يناير/كانون الثاني 1991)، كانت عرضاً بقفازات بيضاء، حيث صورت القناة الفرنسية الأولى قصف الطائرات الأمريكية لبغداد، بالقنابل والصواريخ، وبغداد كانت هادئة في ليلة حالكة السواد من شهر ديسمبر/كانون الأول 2010، وكأنها مهجورة من البشر، وليس هنالك إلا الحجر ونهر دجلة يغسل الضفاف. لقد عرض التلفزيون الطائرات الأمريكية وهي تقصف المدينة، من دون مشاهد مروّعة. استمر العرض الإخباري للقصف المرّوع من دون دخان وحرائق، ورافقه تعليق ناعم، يقول: بدت بغداد مدينة مبهجة بسبب تطاير شظايا القنابل وكأنها شجرة عيد الميلاد! يؤكد لنا هذا العرض كم من المساحيق الملونة قد وضعت، للتخفيف من حدة التراجيديا، بل ولتحويل المأساة إلى خبر مبهج جرّدها من وحشيتها.
اقتنعنا كمشاهدين بالصورة تلك، بل سحرتنا بواقعيتها وصدقها الظاهري (المزيف) بينما سيتساءل المُشاهد المتفحص عن موضوعية العرض؛ عن صدقه، عن حقيقة بغداد أثناء القصف، التي هي بالتأكيد، أصبحت مدينة مُدمَرة وليست مبهجة كما قال التعليق. كانت بغداد كما عرضها التلفزيون الفرنسي، أنموذجاً للمسافة الفاصلة بين تصوير الواقع وطريقة تقديمه، بين الصدق والكذب والتلفيق، أي المسافة الوهمية.
يذكر علي كنانة في كتابه «جيوش اللغة والإعلام» وهو دراسة مقارنة في اللغة وإعلام الغزو الأمريكي للعراق 2003، «إن تأمل العلاقة بين الحرب والإعلام منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن، يكشف في واقع الحال حقائق السيطرة على الإعلام إبان الحروب، حيث مرّت هذه العلاقة تحت تأثير سلطة هذه الحقائق بعدة مراحل: من مرحلة «بروباغندا الحروب» إبان الحرب العالمية الثانية ومرحلة «انتصار الإعلام» في الحرب الفيتنامية – الأمريكية، و«حرب التلفزيون» في حرب الخليج الثانية 1991 وحتى «حرب التضليل» قبيل وخلال غزو العراق عام 2003».
ويستشهد الكاتب في مكان آخر من كتابه بكلمة لآشلي بانفيلد، وهي صحافية أمريكية، هالتها طريقة تعامل الإعلام مع الحروب والأحداث المأساوية، فكتبت: «إنكم لم ترو آثار الرصاص. لم ترو أضرار قنابل الهاون. هبّة من الدخان لا تشبه ما يحدث عندما تنفجر قنبلة الهاون، صدقوني. كانت هناك فظائع في هذه الحرب تم تجاهلها كليا». هكذا إذن تحوّل العرض الدموي للقناة الفرنسية إلى مشهد احتفالي، جعلنا ننسى الأبرياء الذين قضوا في أسرّة نومهم في بغداد المنكوبة. واستطاعت المسافة الوهمية من القيام بدور المخدّر للجماهير. كما تطابقت في هذا الأسلوب من العرض، حالة غاية في التطرف، سواء من ناحية الشكل، أم القصف الخالي من مشاهد عنيفة، أم في شريط الصوت، أي التعليق الذي تجنّب ذكر الضحايا وأرقام القتلى. وهو خبر أراد صانعوه عدم استفزاز المشاهدين، كما أراد إظهار الحرب والاعتداء على شعب آمن كعمل عادل.
يقول أيدج كريس، وهو مراسل حربي أمريكي، بأننا نعظّم الحرب عندما نراها كتسلية، ما يدفعنا إلى نسيان حقيقتها البشعة.
وأخيراً أياً كانت حقيقة الحروب، وطريقة عرضها، علينا مراعاة أمر مهم للغاية وهو إنّ الحقائق هي مفاهيم مجرّدة، تختبأ في مكان ما، يقبع ما بين لحظة التقاط الصورة ميكانيكياً، ووجهة نظر صانعها الذاتية. إنّها «المسافة الوهمية» أليست السينما سوى وهم يقدّم وهمًا؟

*مخرج سينمائي وأكاديمي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية