الناصرة ـ «القدس العربي»: تدخل الحرب الوحشية الجديدة على غزة، الخامسة منذ 2007 يومها التاسع اليوم الأحد وسط ترقب لاجتياح بري تتوعد فيه إسرائيل حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي بالتصفية والإبادة. لكن ما يجري على الأرض هو عمليا حرب على قطاع غزة كله والهدف إصابته بنكبة جديدة. بخلاف الحروب السابقة لا يبدي الساسة والعسكريون الإسرائيليون هدفهم بضرب غزة وإصابتها بنكبة جديدة ليكون ذلك حدثا جللا مؤسسّا في وعي الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين والعالم على أمل أن تستعيد إسرائيل هيبتها المتشظية وثقتها بنفسها بعدما دمرتها عملية «طوفان الأقصى». منذ بدء الحرب يسدد المدنيون ثمنا باهظا لهذه الحرب التي تحظى فيها إسرائيل بدعم دولي غربي غير مسبوق من قبل أن تعمل الماكنة الدعائية الإسرائيلية لوصحم المقاومة الفلسطينية بداعش بغية شيطنتها وشيطنة كل غزة بل كل الفلسطينيين ضمن حرب تدور رحاها في منتديات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام.
أسئلة مفتوحة
في هذه اللحظات التاريخية يحاول الإسرائيليون خنق رغبتهم بمسائلة قادتهم وتأجيل لجنة التحقيق الرسمية بما يصفونه بالفشل الذريع بعد ضربة «حماس» الاستراتيجية ويحاولون لملمة جراحهم وبقايا روحهم المتكسرة لشن حرب يردّون فيها الصاع صاعين كما يقول قادتهم، فيما يتحاشى الفلسطينيون الدخول في سؤال ماذا أرادت حماس وهل نجحت أكثر مما كانت تخطّط وتريد؟ لماذا لم تكتف بمهاجمة القواعد العسكرية التي احتلتها وأسرت فيها عشرات الجنود وقتلها نحو 250 منهم؟ وكيف تم قتل نحو 1000 مدني إسرائيلي داخل مستوطناتهم وهل تملك المقاومة الفلسطينية خطة تشمل المرحلة الثانية مرحلة الرد الإسرائيلي؟ وغيرها من الأسئلة المؤجلة.
أسئلة كثيرة مؤجلة في ظل غرق غزة المحاصرة سياسيا برا وبحرا وجوا منذ 2007 بالظلمة والدم والدمع والتهجير وشبح النكبة الجديدة يحلّق فوق سمائها ولا عون ولا فرج من قبل أشقاء عرب يكتفي بعضهم بالثرثرة وآخرون يصمتون. للمرة الثالثة دعا الجيش الإسرائيلي سكان مدينة غزة إلى إخلاء منازلهم والتوجه جنوباً، «حفاظاً على أمنهم الشخصي» وجاء في بيان الجيش أن «مخربي حماس» يختبئون في «أنفاق تحت منازلهم وبين المدنيين الأبرياء» وأعلن الجيش أنه ينوي التحرك «بشكل كبير في مدينة غزة» في الأيام المقبلة وسط تأكيدات بأن القطاع لن يعود إلى ما كان عليه فـ «إما نحن أو هم» هكذا هو لسان حال إسرائيل ومزاجها الرائد السائد، ويبدو أنه على قدر الوجع والصدمة تأتي عملية الانتقام والقتل الجماعيين للفلسطينيين في غزة وأن إسرائيل تجمع أيضا أنه دون رد كبير يعادل ما جرى في النكبة عام 1948 لن تبقى إسرائيل موجودة وستدخل مسار الانهيار قريبا نتيجة فقدان الإسرائيليين ثقتهم بها وبمزاعمها التاريحخية بأنها الملجأ الأكثر أمنا واطمئنانا لليهود في العالم.
كما حذّر جيش الاحتلال من عدم العودة إلى مدينة غزة إلّا بعد إعلان ذلك، وطلب عدم الاقتراب من السياج الحدودي، وقال الناطق بلسانه دانيال هاغري إنه جرى توزيع التحذير في كل التطبيقات والقنوات الغزّية علاوة على توزيع المناشير المطبوعة من الجو. ورغم أن الوقائع على الأرض تظهر أكاذيبه في ظل آلاف القتلى والجرحى من المدنيين الغزيين أضاف الناطق العسكري الإسرائيلي: «نحن نلتزم بالقانون الدولي، ونريد تقليص إلحاق الضرر بالسكان. نحن لا نحارب سكان غزة، بل حماس».
إنهاء حكم حماس
رغم التحذيرات الصادرة عن أوساط إسرائيلية من رفع سقف التوقعات والدعوات للاستفادة من تجارب إسرائيل في لبنان يوم رغبت بتغيير نظام الحكم هناك ومن تجارك أمريكية فاشلة في العراق وأفغانستان، عاد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وقال أمس في خطاب ثالث للإسرائيليين منذ اندلاع الحرب، إن إسرائيل ستقضي على حركة «حماس» المشابهة لتنظيم «داعش» وستنتصر حتماً في حرب «السيوف الحديدية» التي يخوضها الجيش الإسرائيلي ضد قطاع غزة. وجاءت أقوال نتنياهو هذه تكرارا لخطابه قبل ثلاثة أيام أمام الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي التي التأمت للمصادقة على حكومة الطوارئ التي انضم اليها تحالُف «المعسكر الرسمي» برئاسة وزير الأمن السابق والرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي عضو الكنيست بني غانتس. وأدى الوزراء الجدد في حكومة الطوارئ، الذين سيشغل كلٌّ منهم منصب وزير دولة، اليمين الدستورية الليلة الماضية وهم بني غانتس، ورئيس هيئة الأركان العامة السابق غادي أيزنكوت، والوزراء السابقون جدعون ساعر وحيلي تروبر ويفعات شاشا بيطون وبالإضافة إلى ذلك، تم تعيين أريئيل بوسو، من حزب شاس، وزيراً للصحة بعدما كانت وزارة الصحة تدار من قبل وزير الداخلية.
موقف أمريكي صهيوني
ويقود رئيس الولايات المتحدة موقفا أمريكيا صهيونيا داعما بشكل مطلق إسرائيل في حربها على غزة كما تجلى في خطاباته وفي زيارة وزيري الدفاع والخارجية للبلاد والمنطقة وتطابقهما في حملة منتنياهو بـ «دعشنة» حركة حماس ضمن مساعي شيطنتها تمهيدا لتبرير هذه الحرب المجنونة على القطاع والتي تصيب الفلسطينيين بمشاهد النكبة التاريخية التي رحلّت قبل 75 عاما نحو مليون منهم من بلداتهم داخل أراضي 48 والتي قامت على أنقاضها مستوطنات إسرائيلية تعرف بمستوطنات غلاف غزة، ورثت أراضيها وأحيانا أسماءها. من جهته يتعهّد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن «ألّا تضطر إسرائيل أبداً إلى الدفاع عن نفسها بمفردها ما دامت الولايات المتحدة موجودة». وجاء تعهُّد بلينكن هذا في إطار مؤتمر صحافي مشترك عقده مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية في القدس المحتلة فور وصوله إلى إسرائيل الخميس، في زيارة رسمية خاطفة. وأعرب بلينكن أيضاً عن اشمئزازه من عمليات القتل التي تعرّض لها إسرائيليون يوم السبت الماضي في المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، مشيراً إلى أن هذه العمليات تذكّره بالهولوكوست، وبتجارب عائلته في إبان الحقبة النازية. وقال إنه يعمل بقوة لضمان عدم انتشار الصراع الجاري بين إسرائيل و«حماس» إلى جبهات أُخرى وأضاف: «إنني أتفهم، على المستوى الشخصي، الأصداء المروعة التي تحملها المذابح التي نفّذتها حماس في أوساط اليهود الإسرائيليين، وفي الواقع، في أوساط اليهود في كل مكان». وقال: «هذه المذابح هي عمل واحد فقط من أعمال حركة حماس الإرهابية، والتي لا تُعدّ ولا تحصى، ضمن سلسلة من الوحشية واللاإنسانية التي تذكّرنا بأسوأ ما فعله داعش. وفي الوقت الذي صُدمنا من انحلال حماس الأخلاقي ألهمتنا شجاعة سكان إسرائيل. إن الرسالة التي أحملها إلى إسرائيل هي: ربما تكونون أقوياء بما يكفي للدفاع عن أنفسكم، لكن ما دامت أمريكا موجودة، فلن تضطروا إلى ذلك أبداً، وسنكون دائماً هناك إلى جانبكم. وهذه هي الرسالة التي نقلها الرئيس جو بايدن إلى رئيس الحكومة منذ لحظة بدء هذه الأزمة».
وهذا ما كرره وزير الدفاع الأمريكي أوستين الذي وصل هو الآخر للبلاد مؤازرا إسرائيل وشارك في اجتماعات لمجلس حربها وقال إنه يعمل على تلبية كل طلباتها واحتياجاتها العسكرية، معبرا عن موقف واشنطن التي تدفعها جملة حسابات واعتبارات ومصالح خاصة في هذا الموقف الداعم المطلق لإسرائيل وليس فقط «كرمال عيونها». ورحّب أوستين أيضا بتأليف حكومة الطوارئ الجديدة في إسرائيل، وأكد أن الولايات المتحدة ستزوّد إسرائيل بصواريخ اعتراضية لإعادة ملء مخزون منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية، إلى جانب معدات دفاعية وذخائر هجومية أُخرى وأشار إلى أن هناك دعماً ساحقاً من الحزبين في الكونغرس لأمن إسرائيل ضد حماس التي اعتبرها أسوأ من «داعش».
السيوف الحديدية
وعادت وأكدت مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى أن قوات الجيش الإسرائيلي كثّفت استعداداتها لشنّ هجوم بري على قطاع غزة، يهدف إلى القضاء على حركة «حماس» في حال اتخاذ المستوى السياسي القرار بهذا الشأن، وأضافت أن هناك مؤشرات إلى أن هذه الحركة تستعد لخوض صراع طويل مع إسرائيل. وقال قائد الجبهة الداخلية الإسرائيلية اللواء رافي ميلو إن الوتيرة البطيئة نسبياً لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة خلال يوم أمس، تشير إلى أن حركة «حماس» تستعد لمعركة طويلة. وأضاف: «يبدو أن حماس تدير إطلاقها للنيران بطريقة تتهيأ بواسطتها لأسابيع من القتال، إذ خفّضت معدل إطلاق النار إلى نحو 200-400 صاروخ يومياً، للسماح لنفسها بخوض معركة طويلة جداً، في حين أطلقت في الهجمات الأولية آلاف الصواريخ على إسرائيل في غضون ساعات قليلة». وقال ميلو إن «حماس» تستهدف وسط إسرائيل مرة أو مرتين يومياً، لإبقاء العديد من الإسرائيليين تحت تهديد إطلاق الصواريخ. في غضون ذلك، واصل الجيش الإسرائيلي أمس شنّ غاراته الجوية ضد قطاع غزة، مدّعياً أنه يستهدف آلاف المواقع التابعة لـ«حماس» وأعضائها في محاولة للقضاء على الحركة ويكشف أنه ألقى حتى اليوم أكثر من ستة آلاف قنبلة على غزة وعد أكثر من عدد القنابل الأمريكية التي ألقت بها الولايات المتحدة على أفغانستان في عام واحد. وكان وزير الأمن يوآف غالانت الذي وصفه الرئيس الأمريكي السابق دونال تارمب بالغبي، تعهّد الليلة قبل الماضية بمحو «حماس» من على وجه الأرض، كما كرّر هذا التعهد قائد سلاح الجو الإسرائيلي اللواء تومر بار أمس. وأضاف هجاري الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي: «سنصفّي الحسابات مع كل مَن شارك في فظائع الحرب. نحن نأخذ مقاطع فيديو من الإنترنت ونتعرف عليهم بمساعدة تقنيات التعرف على الوجه».
وأوضح هجاري أن الجيش قام حتى الآن بتبليغ عائلات 97 أسيراً تم التعرّف عليهم من بين مئات الأسرى الذين تحتجزهم «حماس» في قطاع غزة.
وردّ هجاري على تقرير نشرته قناة التلفزة الإسرائيلية 13 وأفاد بوجود بعض المؤشرات في الليلة التي سبقت شنّ «حماس» هجومها الدامي على جنوب إسرائيل. وحسب التقرير، ناقش كبار الضباط الإشارات في وقت متأخر من ليلة الجمعة، واتفقوا على مواصلة المحادثة في الصباح. وقال هجاري إنه لم يكن هناك تحذيرات استخباراتية كبيرة، لكنه أكد وجود بعض المؤشرات، وقال: «لم يكن هناك مثل هذا التحذير. والمؤشرات التي ظهرت قبل ساعات لم تنطوِ على تحذير حقيقي» وأشار إلى أن الجيش سيحقق في كل ما يحيط بالهجوم المباغت، بعد انتهاء الحرب.