الشاطر لرئاسة مصر.. فماذا انتم فاعلون؟

حجم الخط
0

شحاتة عوض لست من مؤيدي هذا الماتم الكبير الذي اقامته القوى السياسية المدنية والليبرالية في مصر حزنا وهلعا من تداعيات ترشيح الاخوان المسلمــــين للرجل الثاني في الجماعة خيرت الشاطر لخوض الانتخابات الرئاســــية. لقد تحولت وسائل الاعلام خلال الايام الماضية ومنذ الاعلان عن هذا القرار الى ما يشبه ساحات للنحيب على مصر والمصير المظلم والمخيف الذي ينتظرها.

مبعث رفضي لهذا المسلك سببان: الاول ان هذه ليست المرة الاولى التي يتنكر فيها الاخوان لوعد قطعوه على انفسهم، فقد اعلنوا من قبل انهم لن ينافسوا سوى على ثلث مقاعد البرلمان قبل ان يعودوا ويخوضوا الانتخابات في جميع الدوائر، كما انهم تعهدوا بالاحتكام لقاعدة التوافق في تشكيل الجمعية التاسيسية للدستور ولم يفعلوا بل انتصروا لمنطق المغالبة والهيمنة.. اما السبب الثاني فهو ان احدا من هذه القوى المدنية التي تبكي على اللبن المسكوب لم يتجاوز خانة البكائيات الى خانة الفعل من خلال طرح افكار وتصورات لمواجهة مثل هذا الخيار الكابوسي الذي يدفع الاخوان شركاءهم في الوطن نحوه.

ولم يقل لنا احد من حزب الندّابين هذا ما الذي يمكن ان تفعله القوى المدنية والثورية لكسر هذه الثنائية البائسة التي لن تعود على الوطن وعلى ثورة المصريين بأي خير. لكن هل يعني هذا ان قرار ترشيح خيرت الشاطر رجل التنظيم السري في الجماعة لا يثير الكثير من الهواجس او لا يستحق كل هذا الجدل الدائر حاليا؟ بالتاكيد يستحق هذا واكثر ولكن لا ينبغي ان تكون مواجهة هذا الامر بالعويل بل بخطوات عملية على الارض ورؤية موحدة لهذه القوى الخائفة لكيفية مواجهة سعي الاسلام السياسي وعلى رأسه حزب الاخوان للهيمنة على كل مفاصل السلطة في مصر. واول هذه الخطوات هو توحيد الصفوف خلف مرشح مدني لخوض الانتخابات الرئاسية لاسيما وان هناك اكثر من مرشح يمكن ان يكون مرشحا وطنيا بامتيار سواء عبد المنعم ابوالفتوح او حمدين صباحي.

لماذا لا تبادر هذه القوى بوضع برنامج عمل يتلف حوله المصريون جميعا ويكون طريقا ثالثا ما بين مشروع الاخوان والعسكر لتقاسم الدولة والوطن؟ لماذا لا تقوم رموز هذه القوى وقياداتها بالسعي وباسرع وقت ممكن لاقناع عدد من المرشحين لانتخابات الرئاسة والذين يمتلكون نفس الرؤية ويقفون على نفس الارضية الفكرية بالتضحية بطموحاتهم الشخصية المشروعة والتوحد خلف مرشح واحد ربما تكون فرصه اوفر حظا للفوز او المنافسة في معركة انتخابية يبدو انها ستكون بالغة الشراسة. وثاني خطوات مواجهة هذا الواقع المخيف الذي فرضه ترشيح خيرت الشاطر هو ان تكف القوى المدنية والليرالية عن التعاطي مع المواقف السياسية لحزب الاخوان من معيار اخلاقي بحت وان تتعامل مع الاخوان باعتــــبارهم فصيلا سياسيا يمارس السياسة وليس الدعوة الدينية، فالتقييم الاخلاقي للمواقف والتصرفات ان كان يصلح في الحياة والعلاقات بين الناس فانه لايستقيم وقواعد السياسة المرواغة والتي تقوم على التلون والتغير حسب المصلحة. فقد سئل احد قادة الاخوان في حوار تلفزيوني عن قرار ترشيح الشاطر وكيف انه يسيء لصورة الاخوان ومصـــداقيتهم فكان رده ان القــــرار السابق بعدم الدفع بمرشح رئاسي لم يكن فتوى شرعية او موقفا دينـــيا بل كان موقفا سياسيا تغير حين تغيرت الحسابات السياسية للجماعة. اجابة القيادي الاخواني على وجاهتها تفرض على الجميع التعامل مع الاخوان ليس بوصفهم جماعة دعوية بل كحزب سياسي له حساباته ومصالحه التي يمكن في سبيلها ان يخالف قيم واخلاق الاسلام ولا ضرر من الكفارة او الصوم في حال الحنث باليمين.

ان هذا الوضع يتطلب عملا جادا من قبل كل المخلصين لهذا الوطن لتعريف عموم المصريين بخطورة ما هم مقدمون عليه وهم يختارون رئيسهم القادم، وتعريفهم بالمخاطر و المنزلاقات الوعرة التي تحملها سيطرة تيار سياسي بعينه على كل مفاصل السلطة في الدولة المصرية، بغض النظر عن صدق النوايا او الشعارات، فالسياسة لا تدار بالنوايا الحسنة ولا بالتمنيات. ولا اظن ان ممارسات الاخوان المسلمين منذ نجاح الثورة والتي اظهرت خلال كثير من الاحداث تقديمهم لمصلحة الجماعة على مصلحة الوطن، يمكن ان تطمئن احدا لما يقولون عن عدم رغبتهم في السيطرة على السلطة في مصر او حديثهم عن المشاركة لا المغالبة بينما الواقع يؤكد انهم يسعون للهيمنة على كل شىء. ولا تقتصر الخطورة على نزعة الهيمنة عند الاخوان فحسب بل اصرارهم على مواصلة خداع المصريين عبر لعب دور مزدوج فهم جماعة دينية حينما يريدون، وهم في موقف اخر حزب سياسي تحكمه مقتضيات السياسة حتى لو تعارضت مع الاخلاق. لم تعد محاولات التمييز والفصل بين جماعة الاخوان وحزب الحرية والعدالة، تقنع احدا، فالجماعة حين قررت الدفع بمرشح للانتخابات الرئاسية لم ترشح احد قادة الحزب بل دفعت بنائب المرشد العام كما ان قرار ترشيح الشاطر لم تتخذه قيادة الحزب بل مجلس شورى الجماعة. صحيح ان الشاطر استقال من منصبه في الجماعة فور اعلان ترشحه لكن ذلك يبقى خطوة نظرية لا قيمة واقعية لها، وهذا بدوره يكشف وجها اخر لخطورة ما تواجهه مصر في هذه اللحظة، فاذا كان ترشيح الشاطر جرى عبر مجلس شورى الجماعة فهل سيكون المرشد العام ومكتب الشورى هو مرجعيته؟ وهل نحن بصدد اعادة انتاج نظام الولي الفقيه في ايران ولكن في نسخته السنية وهل سيصبح محمد بديع هو المرشد الاعلى للجمهورية المصرية ومجلس شورى الجماعة هو مجلس تشخيص مصلحة النظام؟

ينبغي ان تدرك القوى الخائفة من هيمنة الاسلاميين ان مجرد ترشيح الاخوان لخيرت الشاطر لا يعني بالضرورة انه سيفوز. صحيح ان الشاطر يخوض هذه الانتخابات مدعوما بالاخوان بما لهم من رصيد شعبي والاهم هو ما يملكون من قوة تنظيمية وقدرة على الحشد ـ كما ان قطاعا كبيرا من التيار السلفي يؤيد ترشيح الشاطر. ولا شك ان الخروج المحتمل للمرشح السلفي حازم ابو اسماعيل من سباق الرئاسة بسبب الجنسية المزدوجة لوالدته، ربما يصب في مصلحة الشاطر لكن ذلك لا يعني ان فوز الشاطر اصبح مضمونا، فالرجل يخوض الانتخابات في وقت تواجه فيه جماعة الاخوان تراجعا في شعبيتها واهتزازا في مصداقيتها وانقساما داخليا حادا ولافتا حيال قرار ترشيحه وهذا الانقسام يمتد راسيا وافقيا ليطال قواعد الجماعة ولا سيما الشباب الذي لم يخف كثير منهم تحفظه وامتعاضه من ترشيح الشاطر خصوصا وان الجماعة سبق وان فصلت عبد المنعم ابو الفتوح لانه خرج على قرار الجماعة السابق بعدم خوض الانتخابات. كما ان احدى نقاط ضعف الشاطر هي انه شخص ليس له شعبية وليس معروفا لدى الشارع المصري فقد اعتاد على مدى سنوات ان يعمل في الظل، كما ان شخصيته كعقل تنظيمي للجماعة جعلته اقل ظهورا، كما انه لا يحظى بالكاريزما ولا بالشخصية الجذابة التي يحظى بها ابو الفتوح وحتى عمرو موسى. العامل الاخر في هذ الصدد هو ان السلوك التصويتي للمصريين في الانتخابات الرئاسية يختلف عن سلوكهم التصويتي في الانتخابات البرلمانية، حيث يتوقع ان يكون الاختيار الفردي هوالقاعدة وهو اختيار تحكمه محددات وصفات المرشح الرئاسي ومدى اعجاب الناخب به وبشخصيته ومعرفته به. ومن هنا فان غالبية المصريين التي صوتت لصالح التيار الاسلامي في الانتخابات البرلمانية قد لا تكرر الامر نفسه في الانتخابات الرئاسية. كما ان الاداء المتواضع للبرلمان الذي يهيمن عليه الاخوان وتفاقم المشاكل الحياتية للمصريين وشعورهم بالخذلان من هذه القوى التي صوتوا لها نتيجة عجزها حتى الآن عن تقديم حلول ساهم بدون شك في تراجع شعبية الاخوان وهذا قد يكون له تاثيره على فرص الشاطر في النجاح.

كذلك فقد فات الاخوان ان المصريين الذين ثاروا للتخلص من نظام حكم شمولي سلطوي سيطر فيه حزب فاسد على كل مفاصل الدولة ومقدراتها، ليسوا مستــــعدين لاعــــادة انتاج هذا النظام الشمولي بوجوه جديدة.. واذا كان صحيحا ان الفــــارق شاسع بين حزب الاخــــوان والحزب الوطني، فان النتيجة المؤكدة ستكون واحدة في كل الاحوال اذا ما دانت كل السطات في مصر لتيار واحد مهما كان هــــذا التيار، ومن هــــنا فان المتوقع او المأمول على الاقــــل ان المصريــين لن يستبدلوا استبدادا باخر، وانهم بذلك سيصوتون لصالح مرشح اخر غير مرشح الاخوان.

على ضوء هذه الحقائق تبدو فرص المرشح المدني قوية وكبيرة في المنافسة والفوز شريطة ان تتوفر ارادة سياسية لدى هذه القوى والتيارات واذا انتصرت مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية والفصائلية وتوحدت صفوفهم خلف مرشح واحد يكون اوفر حظا كما ان ذلك يتطلب ايضا التوقف عن حملات التشوية ضد الاخوان المسلمين مرشحهم في وسائل الاعلام المختلفة والتركيز رص الصفوف خلف المرشح المدني والعمل على اقناع عموم المصريين بما لديه من افكار وبرامج، فقد ثبت بالدليل القاطع ان حملات الهجوم المتواصل على الاخوان في الفضائيات يصب في مصلحتهم ويكسبهم تعاطف الناس وليس العكس.

فهل تسارع القوى المدنية والليبرالية لتوحيد الصفوف وتجاوز البكائيات للفعل والعمل، قبل ان نفيق لنجد ان رئاسة مصر قد صارت لتاجر شاطر او لمبارك جديد؟’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية