«ظللت لفترةٍ طويلةٍ خلال فترة الطفولة، قصيرة وصغيرة الحجم، وكنتُ دائماً وبطرق كثيرة، هدفاً للتنمرِ. في الحقيقة، كان أبي أول متنمر منتظم في حياتي، وفي أيام عديدة، كان عمي يندفع نزولاً عبر الدَّرَج المكوَّن من طابقين في منزلنا ليأخذ الكُرسي أو السكِّين أو أي شيء آخر من يدي أبي».
«لأنها كانت غائبة بطرقٍ كثيرة، لم يكن لها أيضاً تأثير كبير عليَّ. كانت أمي شخصية ضبابية. سيكون من الصعب عليَّ جداً أن أخبرك ما الذي في داخلي، أو في طريقة تفكيري يعودُ إلى أمِّي. كان أبي شديداً وعاطفياً ومُفرطاً في ردود أفعاله. كان بطلي وطاغيتي».
اخترت أن أبدأ حديثي عن جون جوردان باعترافاتها عن علاقتها بوالديها، علاقة مضطربة ومشوشة وأيضاً مُشوهة.
طفلةٌ ولدت سوداء وأنثى، تلك هي المشكلة، فكان يضربها لعدم كونها الولد الذي أراده، كما أن حجمها الصغير والقصير كان مصدراً للتنمر لها من قِبل والدها طوال فترة طفولتها.
أي رعب هذا الذي كانت تعيشه تلك الطفلة بين أب قاس وشديد الانفعال، حتى أن غضبه كان ليس له لجام؛ وأمّ على الصعيد الآخر غير مبالية بحال ابنتها، فكانت بعيدة طوال الوقت عنها، وفي عام 1966 انتحرت الأم. وفي حديثٍ لجوردان تحدثت عن بعض ملامح من حياة والدتها، أوضحت فيه أنها كانت لديها أحلام منفصلة ومميزة لم تتحقق، فكانت تحلم دائماً بأن تصبح فنانة، لكن هذه الأحلام لم تتحقق أبداً. وفي خطابٍ بعنوان ”ملاحظات طالبة تركت كلية برنارد”، ألقته جوردان في محاضرة بكلية برنارد عام 1975، كشفت عن حياة والدتها التي انقسمت بين المطبخ و”الغرفة الصغيرة”، التي كانت بمكانة استعارة للمساحة المكبوتة التي لم تسمح لوالدتها بالتطور كفنانةٍ.
ومن التناقضات التي آثارت تعجُّبي واندهاشي العلاقة بين جوردان ووالدها، إذ على الرغم مما فعله بها كانت تحبه وتقدره وتذكر في أحاديثها دائما أنه صاحب بصمة قوية عليها، لأنه عرَّفها بالشعر والأدب منذ سن مبكرة، وبحلول سن السابعة، بدأت جوردان بكتابة الشعر.
كنتُ أومن دائماً أن الأدب عامة والشعر بخاصة يُهذِّب النفوس وينقِّي الرُّوح ويِهدِّئ العقل، لكن بعد قراءة هذا التناقض في شخصية والد جوردان، وصلت إلى قناعة أن الأدب والشعر ليس لهما التأثير نفسه على البشر، فهناك نفوس طيعة هادئة قابلة للتغيير والتأثر بالأشياء حوالها، وهناك نفوس أخرى، متجمدة متحجرة لا تلين، لا بشعرٍ أو بأي شيءٍ آخر.
من الواضح أن جون جوردان ولدت من طينةٍ مختلفةٍ، ويبدو أنها خُلقت بقلب يغمره حب إلهي لا علاقة له بوالدها أو والدتها، فكيف لها أن تكبر لتصبح شاعرة تغنِّي للحرية والمحبة والإنسانية، بعد كل تلك المعاناة التي عاشتها مع والديها.
وُلِدتْ جوردان في عام 1936 بهارلم، نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية لأبوين مهاجرين من جامايكا، وكانت الابنة الوحيدة لوالدتها غرانفيل إيفانهو ووالدها ميلدرين جوردان، الذي كان يعمل موظف بريد، ويحب الأدب والشعر وكان يشعر دائماً بالصراع مع الثقافة البيضاء السائدة، وقد ورثت منه جوردان هذين الجانبين.
أمَّا والدتها فكانت امرأة شديدة التدين، وكانت تعمل ممرضة بدوام جُزئي، كما تعرضت جوردان لواقعةٍ قاسية أخرى أثَّرت على حياتها وكتابتها، وهي تعرُّضها للاغتصاب وعبَّرت عن تلك الواقعة في قصيدةٍ لها بعنوان «قصيدة عن حقوقي»، وقالت إنها كانت تعتقد في البداية أنها مخطئة لأنها كانت في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، لكنها أدركت في النهاية أنها لم تكن مخطئة، بل أن المشكلة تكمن في النظام الذي يسمح لشخص بارتكاب اعتداء جنسي من دون عقابٍ. امتازت هذه القصيدة باستخدام بسيط لعلامات الترقيم ومزج الأسطر بحيث تتدفق بشكل متصل، مع طول متفاوت للأسطر يتراوح من كلمة واحدة إلى 13 كلمة. تعمل عناصر كتابتها معاً لخلق إحساس بالإلحاح، مما يدفع أعين القراء إلى متابعة القراءة بسرعة متزايدة. هذه الأحداث، بالطبع، شكلتها لتصبح المرأة الصامدة التي عُرفت بها، فعلى الرغم من قساوة والدها معها، فإنها وجدت طريقة لترى الخير في علاقتهما، فقد قالت في مقابلة لها إنها لم تشك أبداً في أن والدها كان يحبها ويعتقد بأنها موهوبة.
التحقت جوردان بعد تخرجها عام 1953 بكلية برنارد لدراسة الأدب الإنكليزي، لكنها اشتكت لاحقاً من عدم تقديمها لأعمال أي مؤلفين سود. كتبت لاحقاً في كتابها «حروب مدنية» عن تجربتها في برنارد، قائلة: ”لم يُقدَّم لي أي كاتب أسود، شاعر أو مؤرخ للدراسة، ولم أُكلَّف أبداً بدراسة امرأة واحدة بوصفها مفكرة أو كاتبة أو شاعرة».
التقت جوردان بمايكل ماير، خلال فترة دراستها في برنارد، وهو طالب أبيض في جامعة كولومبيا بنيويورك. تزوجا عام 1955 وانتقلا إلى جامعة شيكاغو لمتابعة الدراسات العليا لمايكل.
والتحقت جوردان هناك لمدة عام قبل أن تعود إلى برنارد. وولد ابنهما الوحيد كريستوفر في عام 1958. ثم تدهورت العلاقة مع زوجها تدريجياً، حيث كانت تمضي معظم وقتها في دعم ابنها وتربيته بمفردها، وفي عام 1965 انفصل الزوجان. ولأن مايكل كان أبيض البشرة، عانى الزوجان من التحيز العنصري الشديد، ففي فترة ما قبل حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الزيجات بين الأعراق محظورة قانونياً في العديد من الولايات.
وبعد الطلاق، شغلت جوردان مناصب تدريسية في عدة مؤسسات تعليمية، وذكرت جوردان: ”أُقلتُ من منصبي التدريسي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس بمبادرة من الحاكم رونالد ريغان بسبب عضويتي في الحزب الشيوعي».
عُينت جوردان في عام 1982 أستاذة في جامعة ولاية نيويورك بستوني بروك، وبعد أربع سنوات أصبحت مديرة مركز الشعر وبرنامج الكتابة الإذاعية في الجامعة.
كانت السنوات التي كافحت فيها لكسب لقمة العيش بوصفها أمّاً عزباء، هي أيضاً سنوات التكوين لها بوصفها كاتبة. نشرت أول كتاب شعر لها بعنوان «من ينظر إلي»، في عام 1969، أي كانت في الثالثة والثلاثين من عمرها. كان الكتاب موجهاً إلى القرَّاء الشباب، وكان في الأصل مشروعاً للشاعر الأفرو-أمريكي الشهير لانغستون هيوز، الذي توفي قبل أن يكمله، ثم حثَّ جوردان على إكماله، فأكملته.
أوضحت جوردان في كتابها «نصُّ الروح» أن القصائد في هذا الديوان ”تحاول تحديد ثم الحفاظ على صوت إنساني مميز، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصراع التاريخي للحياة السوداء في أمريكا”. ووصف الشاعر الأفرو-أمريكي جيمس أ.إيمانويل في مراجعة بصحيفة نيويورك تايمز الكتاب بأنه يمزج بين ”سبع وعشرين لوحة لأمريكيين سود من العصور الاستعمارية حتى الوقت الحاضر مع قصيدة أصلية، مكثفة بطريقة غير مباشرة، تضيف معنى إلى اللوحات وتُعلق عليها”، فركزت القصائد بشكلٍ خاصٍ على كيفية رؤية الأعراق لبعضها، مع تأكيد أهمية رؤية الناس بوصفهم أفرادا بدلاً من الصورِ النمطيَّة.
كانت جوردان شاعرة وكاتبة غزيرة الإنتاج، فنشرت أكثر من سبعة وعشرين كتابا، منها: ”أشياء أفعلها في الظلام» و”غرفة المعيشة” و«حملات غنائية» و”الشعر من أجل الشعب: مخطط للثورة» ومؤلفات أخرى كثيرة، منها كتب للأطفال وكتب أخرى جمعت فيها مقالاتها ورواية واحدة بعنوان ”مكانه الخاص”، كما نشرت سيرتها الذاتية التي تحمل عنوان ”جنديٌّ: طفولة شاعر» ونشرته في عام 2000. كما يمكن العثور على شعرها في كل مختارات الشعر المعاصر الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك ”نورتون أنطولوجي للشعر الأمريكي”، ”نورتون أنطولوجي للشعر الأفريقي الأمريكي” وغيرها من الأنطولوجيات الشهيرة في أمريكا.
كانت جوردان تُبهر المستمعين، عندما كانت تلقي قصائدها في الجامعات، أمام الأمم المتحدة والكونغرس الأمريكي، وفي مكتبة فولجر شيكسبير ومركز ووكر للفنون، ومتحف غوغانهايم، ومكتبة نيويورك العامة. كما لُحنت بعض قصائدها وأدتها بيرنس جونسون ريغون من مجموعة ”عسلٌ حلوٌ في الصخرة”. حصلت جوردان على العديد من الجوائز والتكريمات، بما في ذلك تقدير خاص من الكونغرس الأمريكي وجائزة الإنجاز مدى الحياة من المؤتمر الوطني للكتَّاب السود وجائزة الرابطة الوطنية للصحافيين السود، كما حصلت على شهادة خدمة ومساهمة في الفنون من جامعة هارفارد وجوائز وتكريمات أخرى كثيرة. أسست جوردان في جامعة كاليفورنيا وأدارت برنامج الشعر من أجل الشعوب الذي كان بمكانة مدرسة فكرية وليس مجرد برنامج ألهم ورش عمل في المدارس المحلية ودور العبادة.
وامتازت أعمال جوردان بانخراطها السياسي المستمر ودعوتها للحرية، مجسدةً ذلك في كلماتها الخاصة ”المعجزة الخاصة للشعر الأسود في أمريكا”. بالنسبة لجوردان، كان الشعر أولاً وقبل أي شيء موهبة، حتى في أكثر لحظاتها السياسية وضوحاً، كانت تكتب من دون أجندات مسبقة أو صور جاهزة. من خلال عينها الثاقبة وأذنها المرهفة، دعت جوردان القارئ لاستقبال العالم بكل رومانسياته الجديدة وتحدياته الجريئة، إلى جانب ظلماته الاجتماعية وقادته السياسيين المشكوك فيهم.
ومن الجوانب التي جعلتني أشعر بقيمتها في تقديمها ليس شعرها المبهر فقط بل أيضاً رسالة السلام التي جسدتها في قصائدها واتجاهها في الحياة، وهو دعمها ووقوفها بجانب قضية فلسطين التي عبرت عنها في قصيدة ترجمتُها بعنوان ”العودة إلى الوطن»، التي صورت فيها مأساة فلسطين وما يعانيه هذا الشعب من ظلم وقهر بأسلوب مُعبر غير هتافي، حيث شكَّلت صوراً ومشاهد أشعرتني كأنني داخل هذه المجازر من دون مبالغة في الوصف والمشهدية.
رأت جوردان أن مصير السود مرتبط إلى الأبد بمصير الفلسطينيين، فقالت: ”شعبان يواجهان الإمبراطورية ذاتها”. وصفت النضال الفلسطيني بأنه ”الاختبار الأخلاقي” في حياتها: ”ولدت امرأة سوداء، وها أنا الآن أصبحت فلسطينية”، وهذا السطر الشعري من القصيدة التي ترجمتها ”العودة إلى الوطن”. كتبت الناشطة الأمريكية أنجيلا ديفيس قائلة: «عندما وقفت منذ زمن بعيد لدعم الفلسطينيين، نُبذت من العديد من الدوائر، لكنها استمرت بشجاعتها اللافتة وقدرتها على اختيار الكلمات التي تلهم الناس لإنتاج رؤى عميقة حول مسؤوليتهم الخاصة لجعل العالم مكاناً أفضل». ووصفتها صديقتها الشاعرة والروائية الأمريكية أليس ووكر، والتي انضمت بشجاعة إلى أسطول الحرية إلى غزة في عام 2011، بأنها: «شجاعة، متمردة، ومتعاطفة… إنها من سكان الكون بأسره. تجعلنا نفكر في أخماتوفا، وفي بابلو نيرودا. إنها الأكثر شجاعة بيننا، والأكثر غضباً. تشعر بالجميع. إنها شاعرة كونية». أما الروائية الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل توني موريسون، فقد وصفت مسيرة جون جوردان بأنها: ”أربعون عاماً من النشاط غير المنقطع، مقترناً ومدفوعاً بفن لا تشوبه شائبة… وبعيداً عن كل ذلك، كانت معرفتها بهجة».
لم تكتف جوردان بذلك، بل زارت لبنان وفلسطين وتحدثت عن مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 أثناء غزو إسرائيل للبنان، وفي كتاباتها أبدت اعترافها بمشاركتها بوصفها دافعة ضرائب أمريكية، وكتبت عن زيارتها قائلة: ”نعم، كنت أعلم أن المال الذي كسبته بوصفي شاعرة، هو الذي دفع لشراء القنابل والطائرات والدبابات التي استخدموها لقتل عائلتك..أنا آسفة…آسفة حقاً».
يتسم شعر جوردان بالصراحةِ والصدق، وغالباً ما يستند إلى تجاربها الشخصية لتسليط الضوء على قضايا اجتماعية أوسع، وعلى الرغم من أن صوتها كان فريداً بلا شك، فإنه يشترك في أوجه تشابه مع أصواتٍ شعراء حركة الفنون السوداء.
قصائد جوردان المرنة والجريئة المليئة بالشغف والغضب، والفكاهة والتواضع، تستند إلى تجربة كونها امرأة سوداء أمريكية، لكنها رأت نفسها أيضاً امتداداً لتقاليد الشاعر الأمريكي الشهير والت ويتمان والشاعر التشيلي الشهير ‘بابلونيرودا، حيث كانت تسعى إلى تشكيلِ شعر جديد للعالم الجديد يكون مفتوحاً لأي قارئ.