الشاعر التونسي محمد الحبيب الزناد: وسائل التواصل الاجتماعي لم تقتل الشعر

حاوره: نزار بولحية
حجم الخط
6

منكفأ على نفسه محتجبا عن الأضواء وقليل الظهور على الساحة الأدبية والإعلامية في بلاده، يحضر الشاعر التونسي محمد الحبيب الزناد بقوة في رحاب العالم الافتراضي، من خلال نشاطه المستمر على مواقع التواصل الاجتماعي، بالعرض المتواتر لقصائده فيها. ويمضي أيام تقاعده من سنوات طويلة قضاها في التدريس بين تونس وليبيا، في الاهتمام بأبنائه وأحفاده، دون أن يعاكس قدره في أن يظل شاعرا مثلما كان وأراد.
والزناد واحد من أبرز شعراء ما عرف بحركة الطليعة الأدبية في الستينيات، ورغم أنه اكتفى حتى الآن بإصدار ديوانين فقط هما «الشيات الصغير» سنة 1970 و«كيمياء الألوان» سنة 1989 إلا أن بصمته في الساحة الشعرية التونسية ما زالت واضحة، كما أن إنتاجه الشعري لا يزال غزيرا، ولو أنه بات يقتصر على ما ينشره من قصائد في صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد التقت به «القدس العربي» في مسقط رأسه في بلدة المنستير على الساحل الشرقي التونسي فكان هذا الحديث:

□ لو تحدثنا عن البدايات؟ كيف كانت؟ وماذا تذكر عن تلك المرحلة؟
■ الحقيقة أن مرحلة الستينيات كانت مرحلة خصبة في تاريخ الأدب التونسي المعاصر بالنسبة لمن كان يتعاطى تلك الهواية أو الحرفة، على حد قول أبي حيان التوحيدي «أصابتني حرفة الأدب». وفي تلك المرحلة كنت تلميذا في معهد ابن شرف الثانوي في العاصمة تونس، وكان والدي الشيخ عبد الله الزناد شاعرا معروفا في مسقط رأسي مدينة المنستير، وكان ينشر بعض قصائده في الصحف، وكنت الوحيد من بين أخوتي من استهوته الكتابة والمطالعة. فكنت أقرأ ما يكتبه والدي، وكان شعره تقليديا، أي كان يكتب القصيدة العمودية. فبدأت محاولاتي الأولى وأنا في سن الرابعة عشرة. وعندما انتقلت إلى العاصمة درست العربية على يد اساتذة من طراز رفيع، وكنت أتلهف على دراسة الأدب العربي. وعندما تجولت في شوارع المدينة، انبهرت بضجيجها وأنا القادم من مدينة ساحلية صغيرة نسبيا. فبدأت أشعر بالرغبة في الكتابة، لكن بطريقة مغايرة. فكيف يمكن لإنسان يعيش في أجواء فيها شيء من الحداثة في ذلك الوقت، أن يكتب القصيدة التقليدية؟ فبدأت أتمرد على عمود الشعر، وكتبت قصائدي الأولى بتشجيع من أستاذي في التاريخ الشاعر الميداني بن صالح صاحب ديوان «قرط أمي». ومن المعلوم أن الميداني درّس التاريخ في العراق، فجاء محملا بالشعر العراقي، أي بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، وهؤلاء هم رواد القصيدة الحرة بالإضافة إلى نزار قباني في الشام، وصلاح عبد الصبور في مصر. فكان يقرأ علينا نماذج من أشعارهم التي لم تكن معروفة بكثرة لدى الشباب والمثقفين في تونس. فانخرطت في كتابة القصيدة الجديدة وقرأت أولى قصائدي على الميداني بن صالح، فقال لي أنت الآن تريد أن تتمرد، وإذا كان تمردك سيؤدي بك إلى فتح جديد في مجال الشعر فمرحبا. وأخذ القصيدة وهي بعنوان «الشيات الصغير» أي ماسح الأحذية الصغير، ونشرها في مجلة «الشعب» وهي مجلة الاتحاد العام التونسي للشغل، فأحدثت حينها ضجة، وانهالت عليّ الهجومات، وقيل كيف يتجرأ شاب تونسي لم يتجاوز العشرين من عمره على أن يخرق قانون الشعر العربي؟ فكان ذلك باعثا لي كي أواصل في ما بعد في الجامعة، وكنت أقرأ قصائدي على الطلبة، وكانوا بحكم أنهم مثلي شباب يرحبون بما أكتب، ولاسيما أنني كنت أكتب القصيدة الساخرة والناقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية. ثم بدأت أنشر قصائدي في مجلة «الفكر» وفي الملحق الأدبي لجريدة «العمل» إلى جانب عدة أقلام أخرى شابة. وكان للشاعر الراحل الطاهر الهمامي إسهام كبير في التنظير لما سمي في ما بعد بحركة «في غير العمودي وفي غير الحر». وكتب في هذا بيانات إما بمفرده، أو بالاشتراك معي تأصيلا لهذه التجربة، ثم قدم الهمامي رحمه الله في وقت لاحق رسالة دكتوراه تحت عنوان حركة الطليعة الأدبية في تونس، خصص جزءا منها للحديث عن تجربتي الشعرية. وبالطبع كانت الساحة الثقافية تتجه للتجديد لا في الشعر فقط، بل في القصة والرواية والمسرح والفنون التشكيلية والسينما والموسيقى فتكوّن نوع من اللحمة بين هذه الفنون والمنتمين إليها، وكنا نلتقي في دور الثقافة، وفي بعض المقاهي الأدبية في العاصمة ساعات طويلة، يجمعنا شيء واحد هو حب التجديد الفني وامتد ذلك من الستينيات والسبعينيات إلى الثمانينيات.
□ لنعد إلى اليوم كيف ترى حال الشعر في تونس؟ هل لا يزال، في خضم الأزمات العديدة التي تعيشها البلاد، بخير؟
■ أستطيع أن أجزم بأن الشعر في تونس بخير، وهذا ليس من باب المبالغة. فمنذ أواخر الستينيات، أي مع ظهور حركة الطليعة الأدبية والشعرية، التي كنت أحد المساهمين فيها، تكاثر عدد الشعراء وتعددت مشاركاتهم في كثير من المهرجانات الشعرية في الداخل والخارج. ولم يفتر المد الشعري أبداً، ولم تنطفئ جذوة الشعر منذ ذلك الوقت إلى اليوم، بل على العكس. والآن أكاد أقول إنه في كل شهر تصدر عشرة دواوين شعرية في تونس، مقابل ديوان أو اثنين في العام الواحد في الستينيات .
□ لكن هل تعتقد أن هناك تزايدا في أعداد المهتمين بالشعر، وتوسعا في الإقبال على قراءة الشعر في تونس؟
■ هذا السؤال الذي كنت أنتظره.. الإقبال على الشعر لا يحصل إلا من أهل الشعر، أي أن اغلب قراء الدواوين الشعرية هم شعراء. فالطلبة مثلا في الجامعة وهم المعول عليهم، لا يقرؤون إلا ما هو مقرر لهم، لكن إن فتحت فيسبوك فستجد بين القصيدة والقصيدة قصيدة لشعراء ممتازين، ورغم أن هناك كثيرا من المتطفلين والهواة، فإن أغلب من ينشرون على فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي من شعراء معروفين ينشرون في الوقت نفسه دواوينهم الورقية ويشاركون بها في معارض الكتاب.
□ إذن هل تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي مفيدة للشعر التونسي؟
■ نعم هي أفادت في ترويج الشعر. فالكتاب الورقي صار باهظ الثمن. وفيسبوك لم يقتل الشعر بل نماه. أنا مثلا أكاد اكتب قصيدة كل أسبوع وأنشرها على مواقع التواصل، وهذا بالطبع غير مكلف. فالدولة لم تعد تنشر منذ زمن بعيد. ودور النشر الخاصة تفعل ذلك للأسف بمقابل وتغمط حق الكاتب والشاعر. وعموما فالناشرون صاروا يميلون الآن للرواية أكثر مما يتحمسون للشعر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية