أجرى الحوار محمد الفوز: ‘عبثية الشاعر لا تخلو من الجدية’ بهذه الوشاية يكتنز الشاعر أحلامه وأوهامه التي يُعرِّيها كثيراً، ويتغنى بها على باب الــ (حانة) التي انفتحتْ أمامه، وهو المغلولُ بمأساةِ الواقع تُحرِّضه الكؤوس الفارغة لمنادمة المستحيل، كي يسكبَ نزقه الممتدَّ من بئر القصيدةِ حتى تفيض. إنه يتحايلُ على ذاته في اللجوء كأنه منسيٌّ في جدارٍ ما / كأنه يتذكرُ حُرقة ًموجعة في صدر الكون فيحيلها إلى الرَّحب في ملكوتِ جنونه / كأنه المتجرِّدُ من ثيابِ القدر إلى الاغتسالِ بماءِ اللذة / كأنه أصبحَ كونياً في لحظةِ النص، وما هذه الــ (حانة) سوى ممرّ ٍ، وحوارنا معه لن يُفضي إلا إلى خطوةٍ ثانية: * اشتغالك في ديوان (حانة) لم يتغير من ناحية الأسلوب عن ديوانك الأول ‘جنيات شومان’، ولكنه اختلف من ناحية الفكرة والتوجه لتدوين مشروع شعري بمعالم باذخة؛ هل أنتَ في مرحلة ثبات الأسلوب وتعدد الأفكار؟!!* لك رأيك، غير اني قد لا أتفق معك، فاشتغالي في ‘جنيات شومان’ مختلف جذريا عن اشتغالي في حانة من حيث الهندسة المعمارية للقصيدة، ومن حيث المناخات، ومن حيث الأسئلة التي أتكئ عليها في رصد المشهد الشعري في أجواء النص. ثم إنني لا أعتقد أن الثبات في الشعر وارد، لأنه حالة زلزال مستمر، وهذا ما يصنع القلق الشعري، ويشكل الوقود الأساسي الذي يرتكز عليه سير محرك التجربة الشعرية. نصوص ‘جنيات شومان’ كان لها مناخاتها وطقوسها، ولنصوص الحانة مناخاتها وطقوسها المختلفة أيضا، فالأولى رصد لخيال بشكل أسطوري يرتهن للواقع، والثانية تشكيل لواقع بملامح خيالية، فالحانة ‘وطن’، والوطن واقع نحتاجه. إنه انتماؤنا ومرجعيتنا وحاجتنا التي تلازمنا غريزيا. إنني أشعر دائما أنني أكتب عوالم َ لا دواوين شعر، ولهذا لكل عالم رؤية خاصة وفكرة خاصة ومساحة خاصة من ذاتي.* لم تكترث بالمرأة في تجاربك الأولى بالدرجة القصوى التي جعلتها رهاناً وعصباً نابضاً في جميع نصوصك الحالية؛ هل هنالك مُلهمة ٌ ما؟!!* دعني أنطلق من مقولة لاينباي عن المرأة حين قال: ‘المرأة زهرة لا يفوح أريجها إلا في الظل’. من هنا تأتي رغبتي في استلاب الأنثى من عوالمها لعالمي في محاولة لسرقتها لظلي، ففي خيال كل شاعر امرأة، أحيانا يجدها في الواقع وأحيانا لا يجدها، ولكنها تظل في كلا الحالتين حاضرة كمصدر إلهام. نصوص الحانة كانت نصوصا عن الوطن، والمرأة جزء منه، لهذا كان حضورها ضروريا، بل وأكثر قوة من حضور الرجل لأن المرأة بمفردها تشكل وطنا للرجل ذاته.* في نصوصك يبدو أن طقوس الحانة استلبتك أكثر من الحانة؛ كيفَ تبرر ثمالتكَ ووعيك للدخول في مغامرة الكتابة اللاواعية؟* أستغرب هذا السؤال جدا!!! وهل الحانة إلا طقوسها، كما أنه ليس الوطن سوى أحلامه واستلاباته ومغامراته؟ ربما نحتاج للكثير من الوعي لنكون جاهزين للا وعي. لم يسلبني الوطن شيئا، إنما سلبني كل شيء، فصرت في حضوره الثمل والواعي في ذات الوقت.* شاركتَ بنصوص (حانة) في أمسيات طربية، لكنها ما تزال في طور التجارب.. أهي مغازلة أم دعوة للمطربين كي يغنوا قصائدك أم مجرد ترانيم هائمة؟* ليست مغازلة ولا دعوة للمطربين، القصيدة بالنسبة لي حبيبتي لهذا أقدسها، وأتعامل معها كملكة، وككل الملكات يحدث أن ترفع مزاجاتها ببعض الموسيقى، كما أن الموسيقى لها سحرها الخاص الذي لربما حين يمتزج بالقصيدة سيجعلها أجمل وأنقى، فيتكاملان معاً. وهذا ما شعرت به حين قدّم الفنان محمد الحلال مع فرقة آفان للفنون على مسرح جمعية الثقافة والفنون بالشرقية نص ‘حانة’ و’ غريبان’ و’ رقصة الشال’. إنه تماهي الكلمة في الموسيقى والعكس.* عندما تحضر المرأة في نصك، تتشظى الحالة، ويغيب الشاعر في النص.. صعلوك أنتَ أم شاعر أم مترف بما فيه الكفاية؟
؟ ؟* أنا إنسان، والإنسان كائن شاعري بطبيعته، ولأن المرأة هي الملهمة الأولى للشعر وللجمال وللحياة، يصبح الرهان عليها نوعا من العودة إلى الأصل الإنساني فينا، وهنا يكمن أيضا سر حالة الغياب في حضورها، لأن كل المكونات الأخرى تعود إليها وتتماهى بها، بما في ذلك ذات الشاعر، ولهذا أرى أن حضور المرأة في نصوص الـ ‘حانة ‘هو حضور الوطن والطبيعة والجمال والقصيدة والطفولة والأمومة والإنسانية. * تقول بأن كل أنثى جميلة حبيبتك، أي القصائد في هذا الديوان أقرب لنفسك؟* الجمال قسيم الروح، وكلما تكشّفته ولامسته ازددت جنونا وشعورا به، ولأني أؤثث مساحات الحانة / الوطن بهذا الجمال المفترض، والحب، ولست منحازا لنص من نصوص الحانة، وأجدني سأتكئ على حبيبتي الأنثى الجميلة لكي تساعدني في صناعة الأمل بوطن يركن للماء والموسيقى موزعا في تفاصيلها بالتساوي بين الانتظار وحسابات الممكن ورصد المحتمل وعدّ الهدايا وفتح النوافذ.* اتجاهك لكتابة النص النزق أو الطائش هروبٌ من واقعك أم أن واقعكَ نَزِقٌ وطائشٌ وكل مافي الأمر أنك تؤثث مناخاً أبجدياً يحفظ وجه القصيدة من صفعة اللائمين؟!!* أعتقد أني أنا والنص والواقع نشترك في النزق والطيش ذاته، لا أعتبر النص هروبا، ولكن، وعلى افتراض أنه هروب ما، فهو هروب من واقع إلى واقع آخر يؤثثه خيال الكتابة، الكتابة مغامرة شجاعة في عالم جبان، فالنص الجريء يفرض نفسه وإشكاليته وانسيابيته، ينفتح كيفما يريد بكل اتجاه ويوسع الرؤى والمفاهيم ويغير فينا ومنا وبنا. لهذا لا أعتبر الأمر اتجاها، إنما عفوية أثق في قدرتها على استخلاص ذاتي الورقية بشكل يرضيني إلى حد ما.* هل تفكر بواقعية بعد الكتابة أم أن جديتك وعبثك سيّانٌ والإبداع يفرض نفسه سواءً كنتَ صاحب قضية أم مجرد عابر لهذا الكون البائس؟* الشعر قضية في حد ذاته، لا يوجد شاعر حقيقي ليس صاحب قضية برأيي، لهذا أرى أنه حتى عبثية الشاعر لا تخلو من الجدية، كما أن جديته تجاه العالم ومحاولة تغييره أو تأثيثه بالكتابة فيها من العبثية الكثير ومن السخرية تجاه العالم الكثير أيضا.* زكي الصدير، ‘شومان’ أقرب لك أم ‘الحانة’؟* كلاهما عالمي، ومسألة القرب والبعد نسبية جدا مثل النظرية النسبية لأنشتاين تماما، أعتبر الاثنين تجربة تعنيني، وحتى إن كنت أركز حاليا على الـ ‘حانة’ كمعلم فهذا لا يعني أن ‘جنيات شومان’ ليس معلما أيضا لأشياء أخرى.* تتداخل أصوات كثيرة في نصك، هل تكتب في ضجيج الحانة أم أنك مسكون بالضجيج؟* إنك تلتقط أشياء عميقة فعلا في الـ ‘حانة’، والقليل جدا من النقاد الذين مروا عليها يلتفتون لما تلتفت إليه هنا!
بالفعل، إن الحانة مسكونة بعدة أصوات، وبمستويات مختلفة ومتشاكلة منها لحد التطابق أحيانا، ولدرجة التناقض في أحايين أخرى، وكل هذه الأصوات يمثلها الشاعر المنتظِر للوطن الذي قد لا يجيء، ولست محتاجا ـ ساعتها – للحانة لأشعر بكل الضجيج الذي يسكن تفاصيل الوطن، فهو قائم في كل ركن وزاوية، وما عليك إلا أن تنظر ـ فقط – لتجده. * زكي الصدير، من أين جاء وإلى أين وجهته؟* جاء من هناك، وذاهب إلى هناك… وبينهما لا أفكر في الوجهة كثيرا، وأجمل الطرق في الحياة هي تلك التي لم نخطط للمشي فيها.* مَع مَنْ تتقاسم مشروعك الإبداعي؛ وهل هنالك مشاريع أخرى تتماهى ضمنَ تياراتها أو نهجها بحيث يمكننا القول أن جيل ما بعد التسعينيات لديه رؤية واضحة وقادرة على صناعة أهدافه بدلاً من غموض الثمانينيات وارتباك التسعينيات مثلاً؟* لا أتقاسمه مع أحد، فالكتابة مشروع ذاتي ينتهي وتختفي ملامحه إذا تماهى في تيار أو نهج أو دخل قالبا ما، الكتابة حرية وأؤمن بضرورة بقائها كذلك. أما مسألة الأجيال فقد التغت منذ زمن، ولم يعد هناك من يستعمل هذا التمييز العنصري الزمني لأن الشعر أكبر من الزمن. ولأن هذه التصنيفات الزمنية ما هي إلا مؤشر للدخول في التكنولوجيا من عدمها.* ماذا عن ‘منسيون’ مشروعك القادم؟ كيف تراه؟* المهم كيف سيرى نفسه هو من خلالي، ما زلت أشتغل عليه وأستحضر نفسي حيناً فيه، ويستحضرني هو في نفسه حيناً آخر، وبين النسيان والذاكرة سيكون لي معه الكثير من الاشتغالات حتى أتمكن من تحديد ملامحه وملامح عالمي في عزلتي وعزلته، فهذه التجربة كما أخبرتك تحاكي ذاكرة الجدران وسطوتها لسنوات ست من الاعتكاف الإجباري، لهذا فإن تجربة ‘منسيون’ ـ الآن – تسكن منطقة مظلمة بين الشعر والسرد في محاولة واعية جدا للتخلص من البلاغة بكل سطوتها، فحين تصرخ من شدة الألم لن تفكر أبداً بأذنك الملتهبة. وفي ‘منسيون’ سأقف وقفة وفاء خاصة لوطن منسي ولشعب منسي ولأحلام منسية ولرفقة نضال منسيين أيضاً.