الشاعر السوري إبراهيم حسو: مطبوعات اتحاد الكتاب تصدر الخراب الشعري لسوق وهمية!

حجم الخط
2

أجرى الحوار: محمد المطرود يتفلت إبراهيم حسو من التجييل الشعري الآن بوصفه شاعراً تمتد تجربته على وسع جيلين، جيل الثمانينيات، وقد سمى وجوده هناك بالمتفرج، وجيل التسعينيات مشاركاً ومشاكساً. هذا الوجود الملتبس انعكس على شعره وفعله، فقد أحرق كتابه الأول ‘ الهواء الذي ازرق ـ يليه تتمة الجمهرات’، لشعوره بدونية منجزه، ثم أصدر كتابه الثاني ‘ الضباب بحذافيره’ ولكي يطمئن فلا يحرقه، أسلمه لمحمد عضيمة ليكتب له المقدمة، إبراهيم حسو إضافة إلى كونه شاعراً على الأقل في ‘ الضباب بحذافيره’. هو صحافي نشيط في الصحافة الثقافية، يكتب قراءات في الكتب، ويجيد العلاقات كما اعترف في إحدى إجاباته، معزياً ذلك للقفز على التجاهل الذي يمارسه المركز ضد الأطراف، وبالإضافة إلى شجاعته وجرأته هو كثير التذمر حتى من القصيدة نفسها. كان لي معه الحوار التالي:* أحرقت كتابك الأول ‘ الهواء الذي ازرق ـ تتمة الجمهرات’على مرأى من الناس لماذا؟* كان حرق الكتاب بمثابة طهر من خطيئة ما كانت على لائحة أخطائي الحياتية المدرجة، غسل وصمة عار لطالما لاحقتني في بداية تلوث يدي بالحبر. قدمت إلى هذا العالم الكلمات ممتحناً بحنكته، طرقت أبواب الشعر كجليس في إحدى غرفه مستأنساً وفرحاناً بحياة معروضة للبصر دون انتساب إلى مصيرها ودون هتك لمعانيها، حياة أخرى مستعادة بطريقة ذلك الساحر المقنّع الذي يقشّر السماء فتخرج ببطة سوداء لا حول لها ولا قوة، قدمت إلى الشعر كأسير ثم أصبحت من مواطنيه، باحثاً عن حواس أخرى، حدائق مشرّعة على أرض لا برازخ فيها ولا شقاء يذكر. كتبت الشعر لأني وجدت الخلاص فيه، وجدت فيه أحلاماً عريضة معرضة للتحقق. أشيائي توازي حياتي، لكن السوريالية جذبتني نحوها بعصا ذلك الساحر وبخيال رامبو وبريتون، فتشتت الحلم الشعر وصرت دون حصانة، دون دريئة، قذفتني في لجة المغايرة والفرادة وأسكنتني الفانتازيا سنوات وسنوات دون تحصيل اجر يقدمني الى القارئ المسكين. عبث لا يهدأ، وطيش، ومراوغة، وركض مستمر خلف الشهرة اللاهثة بدورها، كل شيء بعد كتابة ‘ الهواء الذي ازرق ـ يليه تتمة الجمهرات’ تحول إلى رماد حلو المذاق سبق أن قلبته بيد من جنون، كان الحرق لفتة حنان ورأفة بالحقيقة الشعر. * إذاً كان في ذلك جانب أخلاقي وآخر للمشاكسة والاستعراض، بدءاً من مخالفة الآخرين لغاية المخالفة وانتهاء باستخدام ألفاظ غريبة، كنت تدافع عنها بقولك أنها جميلة ولا بد هي موجودة في لغة ما؟ * لم أزل شاعراً مشاكساً لرغبة في رفض ما هو غير قابل للرفض. غاضب ومستأنس بذلك، مقلداً خيالي الغاضب اللعوب الذي لا يترك شاردة أو واردة إلا وتدخـّل وانسلّ فيها كشريك لمتاهة أو جنون محبوك بالحكمة، حالي كحال المتسابق الذي لا ينجو من النجاح، فيسلك الحيلة المصحوبة بفكاهة، وما كتابتي كلها إلا فكاهة واستعراض مرفه للكلمات ( الهذرة) وما اللغة الرطبة الضاحكة عندي سوى حركات وطيران واستعادة توازن، إنها بصحيح العبارة لعبة البرجوازيين الحذرين المتربصين بالحياة، الجمال، الشعر. منذ فتحت مخيلتي على الفضاء الشعري وأنا كقبضة عصفور ميت احكم على اللغة واستعبدها كمشيئة أو كتصويب على هدف وهمي يتراءى لي كطريدة أو كهوة متخيلة، لغة جميلة؟

؟ ألفاظ لا احتمال للتأويل فيها، وكلمات تتنافر أو تتناسق كفخ مدبر مسدد نحو القارئ الملهوف الكسول. * أحرقت الكتاب وتلذذت برماده، وخطفت الأضواء، لكن ماذا حققت، هل رضيت تماماً؟* نعم، كان ذلك جنساً من مجون إعلامي خرجت منه معطوباً، ما زال خاطري مكسوراً لأني لم أحصل على ما أريد، أنقب دائماً عن الأضواء ما الضرر؟ بحث لشاعر يعيش في الظل كسرخس فاسد تحت جذع شجرة، توق مضمر لإنسان قابع في أقصى الشمال الشرقي وأقساه الى افساد المكان أو طهره، استعباد الكلمات أو غسلها من ألمها، تغويني الأضواء وأركض خلفها عارياً أو خاسراً، وما كتابتي للشعر إلا طريقة للخروج من ظلمة محتبسة، لطالما أردت المكوث بها كنوع من ملاذ شعري دافئ وحنون. لم يكن الشعر حقلي يوما، زرعت فيه الكثير من الكلمات، فما حصدت سوى الكلمات نفسها.* فيما بعد نشطت بقوة في الصحافة وقدمت قراءات يغلب عليها التشابه، بعضهم يقول أنك أردت من ذلك اصطياد العلاقات، العلاقات التي تجيدها الآن بحسبهم؟ * نعم، أجيد تلك العلاقات، لكن على سهل منبسط من تلك المودة التي تخلق وتثير أفعالاً إبداعية، علاقتي مثلاً مع الصحافة اللبنانية مكنتني أن أعرف أصدقاء كانوا على مرمى بصري دون بلوغهم، أصدقاء بعيدين تحّولوا ملاذاً أهتدي إليهم، لقد كان الشعر أسلوباً مثالياً لعبور الحكاية الإنسانية نحو توقها الجمالي ومصيرها المجنون الحكيم، العلاقات خلقت لي ما يسمى فضاءً استثنائياً لم تخلقه منطقتي البعيدة عن كل شيء حتى من أدنى تسمية تقترب من كلمة ( الحضارة) واصطدت أصدقاء مبهرين أمثالك وإلا فما كان هذا الحوار، ههههههه. ثم مقال أو مقالين في الصحافة اللبنانية كل أسبوع لا اعتبره نشاطاً، ومقال أسبوعي في الثورة ليس إلا نوعاً من تقديم قراءة أخرى للنص بتقنية الكاتب نفسه وبروح تقترب من سياقات شعرية مسردة دون التعمق فيها أو إعطائها ذلك الوصف النقدي المعرفي المجرد من نشاط جمالي. إني في هذه الكتابة أحتكم إلى قرائن الكثافة في توضيح النص وإبقائه في صورته الأبهى، لهذا قد تجد كل ما اكتبه متقارباً ومتشابهاً سواء في العمق أو السطح من كل نص، وقد يتصنع التشابه النقدي بما اكتبه عن نصوص هي في الأخير متشابهة وتكاد تكون نصاً مشتركاً واحداً بأسماء كثيرة وبعناوين مختلفة. وأضرب لك شعرية التسعينيات مثالاً: قصيدة التبجيل للحياة اليومية أو ما تسمى قصيدة نثر الحياة، وكذلك في نصوص التفعيلة التي لا تعرف من النص سوى محررها السارح المكبّل بشؤون الوزن والثقل اللغوي. * كتابك الأول الذي جَزَرْتـَه ذيـّلـْتـَه بعنوان فرعي ‘ تتمة الجمهرات’. لماذا كل هذا التصوف في محراب سليم بركات، بحيث تتم جمهراته، هل شكا عجزه إليك؟* كتابتي لـ ‘ الهواء الذي ازرق ـ يليه تتمة الجمهرات ‘ كانت بمثابة ترويض ثائر ليقين لم يختمر. هي لحظة تأويلات يراد بها الإيضاح والتفسير، هي كتابة المحيّر السديم المعافى، تكرار لا يستدعي المساءلة وتدريب لانقضاض على بلاغة سليم بركات، بلاغة منخورة مشبوهة خارجة للتو من شفاعة النقد أو داخلة إليه لامتحان القارئ اليائس أو إلهائه بصرياً عن واجباته في مشاركته للحدث الشعري وتصنيع عذابات وشروخ لا تندمل، كل شيء في ‘ تتمة الجمهرات’ تكبير لمعنى الحطام الروحي الإنساني واحتراف أوسع لمعنى أن تكون شاعراً استعراضياً أو الأصح فضائحياً بسيادة ومقتضيات ( الحرية) المشاءة لك، ولهذا لن تجد في ‘ الهواء الذي ازرق ـ يليه تتمة الجمهرات’ سوى تمرين أولي على كتابة نص مفتوح وجارح ومطحون ومعافى من نواقصه وأقصد ( جمهرات سليم بركات) نص قادم من ( اقتسام الحياة بين الشعري والواقعي نكاية ببلاغة القتل لاقتسام الحياة بين احتقار لها وذبح) بينما نص ( تتمة الجمهرات) ما هو إلا تهويمات دون تناسق منطقي أو الأصح هيولى على شكل ترتيل مغلف بفوضى مجنحة بلا نقوش ولا تشييد، وأظنني بهذا أو بذاك قد أضفت متاهة أخرى على المجهول العالق بفوز رديء السمعة على قارئ ساطع السمعة. * في الفترة الأخيرة توجهت إلى كتابة نصوص متزنة عميقة اتسقت مع حياتك القائمة على المودة. هل شعرت بعدم جدوى مشاكساتك، أم أنه تكتيك آخر منك؟ * كان رامبو شاعرا مشاكساً مغامراً الى أبعد مدى، وكانت نصوصه إعراباً قوياً وفاضحاً عن حياته العبثية التي لم تأنس الى حين موته الملتبس. كتب رامبو كأنه في نقاهة أزلية من موت محتم أو حياة معطلة، واتسمت نصوصه بذلك السحر والغرابة والخيال الصعب، وبقيت كتابته ( القصيرة) لسنوات عمره القليلة جدا تصرح بعبقرية ما عرفت طريقاً للأسئلة الملغزة التي حيّرت النقاد وأبهرتهم، ولم يفكر رامبو حينها بالشهرة والعالمية كون الشعر لم يكن لهفته أو هواءه. كان الترحال والتجارة طباعه ومشيئته، ورغم ذلك اشتهر بقصيدة ( السفينة السكرانة) وأصبحت القصيدة بعدها مقايضة النقاد وتفرق حيرتهم من نص لا جذر له ولا حسب. انه السحر، السر الجديد لشعرية لا قناع لها إلا قناع الرقة وسخاء الحس الذي لا ينضب، ولطالما تمنيت أن أمضي بأيامي الباقية متهوراً كرامبو وراكضاً بأنفاس طويلة المسافات كبريتون ومجذوباً كسلفادور دالي، نعم لطالما..!* في ‘ الضباب بحذافيره’ وفقت إلى حد كبير في استدراج الشعر الصافي إلى نصوصك، مع أنك تلعن الشعر في الكتاب، وهو ما يتفق مع مقدمة محمد عضيمة التي بدت أنها بعيدة في بعض المواضع عن روح كتابتك؟* أكتب الشعر بأنفاس متقطعة كأني في ركض مستمر وراء الكلمات. تبهرني الجملة التي تتلاحق كصور أفلام الكرتون المعروفة، وأشد ما يقلقني بناء الصورة التي تأخذ لب القارئ، فأنزلق كثيراً من الأحيان إلى الشكل الخارجي للغة، الدوران المتكرر حول فكرة واحدة وبكلمات لا تحتمل تأويلات كثيرة أو معاني متعددة. لا أعرف ما هو شعر صاف أو عكر، أعرف نوعاً واحداً من الشعر هو شعر الحقيقة الحياة. مقدمة الشاعر محمد عضيمة هي رهان على نص المستقبل، وان ذكر اسمي في كتابته المقدمة فهي كتابة عن جيل يخضوضر شعرياً وينضح بتجارب تتباعد عن مرحلتين سابقتين من الشعرية السورية وتتقارب من جماليات شعرية الهايكو اليابانية، وأظن سيعرف قارئ المستقبل جدوى نص كهذا، وسيتعرف على جمالياته التعبيرية والشكلية. الزمن قادم على أبواب نهضة شعرية ستلازم فكرنا وهواجسنا سنوات مديدة.. * الساحة السورية مليئة بالشعراء وأنصاف الشعراء وأنت تنتمي إلى جيل ملتبس لا هو التسعينيات ولا هو الثمانينيات أين أنت؟ * عشت الثمانينيات متفرجاً على المشهد لا مشاركاً فيه، حيث عراك أبدي صارخ بين التيارين ( التفعيلة) و ( النثر)، عراك خدم لوجستياً المشهد الثقافي السوري وجعله محط عيون النقاد السوريين والعرب وتجّمل المشهد بتقديم مشاريع شعرية كانت أولها صدور مجلات متخصصة في الكتابة الجديدة ( ألف) وقبل ذلك كانت مجلة ( هنا دمشق) التي ما زالت تصدر لكن ليس بذاك البريق الإبداعي الساطع في الثمانينيات، صحف خاصة ( الدومري) ثم سلسلة إصدارات شعرية متميزة كانت تصدر في بيروت وقبرص وألمانيا، توقفت كل هذه المشاريع دفعة واحدة وتوقف الشعر وانزوى الشعراء في زوايا الحانات الرخيصة، وبقي أشباه الشعراء والنقاد في التسعينيات يقلـّبون رماد الثمانينيات منتحلين مشاريع وهمية كانت آخرها مطبوعات اتحاد الكتاب التي أصدرت الكثير من الرداءة وما زالت تصدر الخراب الشعري لسوق وهمية دون توقف. كأني ما زلت أقتات شعريتي من الثمانينيات، وعلى ما يبدو لن تنقطع ارتباطاتي مع شعرائها وروادها وخاصة ممن تقلّدوا حكم تدوين الصفحات الثقافية. * شعراء الجزيرة، وأنا منهم، يقولون في استشارة معدة إحدى الانطولوجيات لك لضعف في قراءتها للمشهد الشعري، بأنها غيبتهم قصداً، ما الغاية وهل كلامهم يستند إلى معطى حقيقي؟ * تلاحق رشا عمران المشهد الشعري منذ بداية التسعينيات وهي ابنة الثمانينيات بعيون مفتوحة وواثقة على الفضاء الشعري السوري وتعي حركة المشهد، وربما تكون انطولوجيا 2008 كأي انطولوجيا عابرة وعلى سوية متسامحة مع أسماء ( مفروضة) على الصحافة الوطنية ومقروعة عربياً، واغلبها محسوبة على جيل التسعينيات ( المحترفة) على الأقل لوجهة قصيدة النثر، وهي موجودة أيضاً في انطولوجيات أخرى، انطولوجيا علي سفر ( قارة من الشعراء) وإن وجدت بعض نصوصها معادة بطريقة منهوبة ( حذافيرها) الأصلية، بلا ادنى تفصيل أو إضافة جديدة، والاحتمال أن رشا عمران عانت مشكلة التواصل المباشر مع أصحاب النصوص فتوجهت ( حائرة) لاسم هنا أو هناك تنتظر إعانة أو نصيحة، وأظنها ( كنوع من إثبات قدرتها) أقحمت أناساً غير مؤثرين على المشهد الشعري منتقمة من انطولوجيات أخرى والعكس أيضاً صحيح، وقد اختلط على البعض هذا الإقحام على انه من باب العلاقات والصداقة والاتصالات.* الشمال الشرقي السوري كيف يعيش الآن كمنطقة إبداع بامتياز ومنطقة عوز وخيبات كيف أنت تتعايش معه؟ * ما تغير شيء في المشهد الشعري هنا في منطقة ما عرفت يوما مقامرة بالشعر والفنون الأخرى. اسم أو اسمان (مغامران) على لائحة المطلوبين في الصحافة الثقافية اللبنانية والباقي أسماء تقتفي هوامش الصحافة المحلية، حيث لا صخب فيها ولا أضواء تعصف بهم نحو العالم الأكثر تدبيرًا للهاثهم الشعري وطموحاتهم الفنية. اسم أو اسمان يتناوبان على قضم المشهد بجدارة واذكر ( جولان حاجي) شاعرا ومترجماً و( علي جازو) شاعرا وناقدا متنوعا، وأقل أحياناً تعثر على (أديب حسن محمد) شاعرا وناقدا و( محمد المطرود) شاعرا وناقدا. أسماء تبحث بعناء سهل لاقتفاء اثر شعراء ما برحوا ذاكرتنا ( محمود درويش وسليم بركات وادونيس ونزار قباني) لكنه هو المشهد المتكرر في أطالس البلاد من سورية، أصوات مستنسخة لا مبالية بما تجري فوق أنوفها، مهملة، أو متمهلة، مراقبة أو مرتقبة، لا شيء تغير في المشهد. فراغ لا ننتهي منه، وشعراء بحجم كف اليد يحصون مقادير خيباتهم بانتظار متاهة أخرى أكثر إنشاءً من الشعر نفسه..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية