“ها نحن في الشارقة… يتبخّر الماء ولا يتبخّر الأصدقاء!”. في معرض الشارقة للكتاب 2019، الذي اختتم أعماله قبل أيام، يخطّ الشاعر هذه العبارة، إهداءً على إحدى نسخ ديوانه الجديد، والذي يأتي ثالثاً بعد ديوانيه “وشوم الضباب” (منشورات المتوسط، 2014) و”كما لو أنّي نجوت” (منشورات المتوسط، 2016).

الشاعر هو تمّام هنيدي، السوري الشاب الذي ما فتئت تجربته الشعريّة تُصقل، أو بالأحرى ما فتئت شاعريّته التجريبيّة تتفتّح، في أتون ثورة عارمة اجتاحت البلاد، ومن ثمّ تغريبة ملحميّة خاضها أبناء البلاد. فبدا، منذ بداياته الأولى، منشغلاً بمسألة العدالة والحرية؛ ووجد نفسه منذ انخراطه في مخاضاته الجديدة منغمساً انغماساً تاماً في فكرة النجاة، قدراً يتحوّل إلى خيار ثقافيّ.
أمّا الديوان فهو أضمومة من ثلاثة أجزاء. وفيما يحمل الجزآن الأخيران عنوانين مشتقين من الأمكنة: “اسم مستعار للغابة” و”فوانيس الشوارع المعتمة”، فليس لجزئها الأول عنوان. لكنْ ما الحاجة إلى عنوان، إذْ يدرك القارئ منذ الصفحات الأولى أنّ شاعرنا واحدٌ من أولئك اللاجئين الذين تاهت عناوينهم، وقطعوا المسافات إلى الأوطان البديلة بعد أن خاضوا غمار تغريبة العمر.
“لقد قطعنا كلّ هذه المسافة
كل تلك البلاد الجافة
القاحلة المتشققة
الصفراء الخشنة
مقسورينَ أذلّاء
نحاربُ بذاكرتنا
بما تركناه خلفنا
بأيد لوّحت لنا طويلاً
لنثبتَ أننا ما زلنا على قيدِ الحياة
وأنّ في إمكانِنا المشيَ مع البشر الطبيعيين
في شوارعهم التي تتذمّرُ سرّاً من لهجاتنا
حين نتلعثم بالكلام”.
بالطبع، يمكن لكلّ من خاض تجربة التغريبة، بقسوتها الوجودية، أن يروي الكثير عن مسيرة اغترابه، وعن المسافات التي قطعها، وعن برودة البلاد التي مضى إليها، وعن وحشة البراري فيها. لكن المبدع هو الذي يستطيع أن يلتقط التفاصيل ليتطرّق إليها بنوعٍ من الحساسية.
باحثاً عن ملاذ آمن، يحارب هذا اللاجئ بما في ذاكرته من أيادي لوّحت له طويلاً قبل أن يغادر وطناً مستباحاً، وطن الولادة والمنبت، لكنْ وطن اللاحياة، وطن الاستباحة الذي تتهاطل عليه قذائف الموت والبراميل والصواريخ التي تشكّك في أسّ بشريّته.
لكنْ أيّ أمان هذا الذي يرجوه يا تُرى، وهو يمضي في درب آلام اللجوء ممتلئاً بالمرارة، مرارةً يتجرّعُها في صيغة اعترافٍ للمستقبل المجهول، لسؤال الهوية المقبل، بالقهر، بألم اللاحياة الذي دفعه إلى هذه الرحلة: “لنقل ذلك بوضوح/ الآن/ في جعبتنا ملايين الخيبات/ نستحقّ أن نبوحَ لأصدقائنا من الأجيال الأخرى/ ممن لم يعرفوا معنى أن يولدَ المرءُ ساكِتاً/ أن يعيشَ ساكتاً/ صموتاً/ أصمَّ/ لا يقولُ ولا يشيرُ ولا يتفوّهْ/ أن نصرخَ الآنَ/ أن نحتجّ على الملأ.. ونحزنَ بهدوء/ أنتم لا تعرفون أبداً/ معنى أن نأخذَ صوراً، ولو كاذبةً، مع الحياةْ”.
ولكأنما تمّام الذي يسقط دائماً في كمين الأماكن، يستشعر رفضاً من حاضنته الجديدة، من المدينة الجديدة، منفاه، ملجئه؛ فنراه يصرخ عالياً، مصرّحاً بتفاصيل هويته المختلفة، من أين جاء، وماهي صفاته وملامحه وقسمات وجهه، ليسمعها من يسمعها:
“جئنا من الجبال
من حيث ينبت العنبُ الأحمر، واللوز المرّ
والبلّوط بثماره التي تُنبئ بالدوار
نزلنا
وما كان بيننا من يجيد الكلام عن أصوات الحياة المصنّعة
والمعادن المكدّسة، والإسمنت المسلّح
/
نحن أبناء بيوت الطين
أصدقاء أعشاش الطيور
وجحور الأفاعي وبيوت النمل…
أصدقاء فئران الحقول
والكلاب السائبة
الذين كُنتُم تهزأون من ثيابهم
ومن شعورهم المشعّثة
وأسنانهم المهترئة
وأياديهم الخشنة”.
لكنّه يحدّد الفارق بينه وبينهم في طبيعة الحلم وطبيعة الحياة، الفارق بين الطين والخرسانة: “بينما تحلمون بمعادن جديدة/ وحياةٍ مصنّعةٍ/ وإسمنت مسلّح”. هو اليوم لاجئ خائف. صاحب إقامة في بلد لا يشبهه، يخافه، يستنشق فيه نسيماً لا يعرفه. تُرى هل هي معاناة تمّام من البرد والعتمة والمناخ وتعاقب الفصول، وطقس الشتاء. أم أنها برودة الغربة والمنافي؟ يصرّح: “بدأت أخاف هذه الحياة الطويلة، بدأت أخاف هذا اللجوء”.
إلاّ أنّ الصور القادمة من البلاد، أو الملتصقة بذاكرته من البلاد، لا تغادر مخيلة الشاعر، في صقيع هذا اللجوء. تُرى هل كان جالساً أمام شاشة التلفاز يشاهد نشرة الأخبار وهي تنزف أمامه؟ أم كان جالساً في زاوية “الكامب” يستذكر ما كان يراه في وطنه؟ الكبار الذين كانوا صغاراً ولم يتغيّروا، والطائرات التي تغيّرت، والمطر الذي يحتاج في الوطن إلى صلاة لا تروي المؤمنين فيموتوا: “هم أنفسهم/ الذين رمت عليهم الطائرات هداياها المميتة، كانوا يلوّحون لها حين كانوا صِغَاراً/ يصلّونَ للمطر/ ويموتونَ من العطش”.
وفي لحظة أخرى، يلتقط تمّام أنماطاً جديدةً، ملامح مختلفةً في بلاد اللجوء: الجغرافيا الواسعة، محطات القطارات بين الفيافي، الساحات في البلدات والمدن، ونقاط العلّام في الشوارع.
“وأنت تستطيع الذهاب إلى بيوت أصدقائك الموزعة في المدن.
وأنت تعرف محطات القطارات التي تأخذك إليهم، أسماءَ الساحات، فروع الأنهار، العلامات الفارقة في شوارعهم
والمحلات القريبة التي تبيع تبغاً ونبيذاً وخبزاً وعروق نعناع وبصلاً وطماطم طازجة”.
بيد أنّ اللحظة تختلط بذلك السؤال الكبير: ثم ماذا؟ تختلط بذعره من أن ينسى ذلك الطريق الذي حفظه في طفولته، الطريق المودي إلى بيت جدّه، الطريق الذي يخشى الرجوع إليه. في فاجعة الوطن، هو لا يقول “ياحيف”. لكنّه- مثلها- يرى مفارقةَ أن يحرس الجياعُ جوعَهم:
“كُنتُم فزاعاتٍ إضافية للطيور
تحرسونَ القمحَ
وتُخيفُون الطير التي تلتمسُ الجلوسَ
لا سرقة الكروم!
تحرسون القمح
يا إخوتي
لكنّكم تنامون جائعين”.
بذا، وإذْ يتكشّف إهداء الديوان عن هاجسٍ يحتدم في قرارة نفس الشاعر الشاب مخافةَ أن يتبخّر الأصدقاء في حياة ما زالت تتفتح عن بداياتها الفجائعيّة أمام ناظريه؛ فإن الديوان في أجزائه و”قصائده” يتكشّف عن ثيمة موشّاة بمفردات مثل الصمت، والسكون، والمجهول. فالشاعر، الذي أوشكت “خدمة العلَم” أن تورّطه في خوض غمار معارك ليست معاركه ففرّ من البلاد، يمسك بهذه المفردات لتكون أدواته التي يرسم من خلالها لوحاته الشعرية. لوحاتٍ منحازة من دون مواربة إلى ذلك الإنسان الذي خاض تجربة اللاجئ، تجربةً ذاتيةً تعبّر من دون ادّعاء عن تجربة شعب هجّرته “اللاحياة” في وطنه الأم، وقرصته البرودة في حضن بلاد الغربة.
باختصار، “يجدر بك أن تتبخر” أضمومة شعريّة، مكاشفاتٌ عن النفق الذي حُشر فيه اللاجئون السوريون، عن صدمتهم بالأجواء الجديدة، عن هواجس الناجين من أكثر من مذبحة في هذه الفاجعة الوطنية، عن كوابيس تؤرّق الشاعر المهاجر، الفارّ من وطن لم يرتو منه بعد، إلى وطن لا يروي.
تمام هندي: “يجدر بك أن تتبخر“
دار ممدوح عدوان، دمشق 2019
128 صفحة.