بغداد – «القدس العربي»: لم يكن انطلاق الشاعر العراقي عمر السراي عبثياً منذ بداياته، فقد استفاد من طبيعة الشعر العراقي وتمثلاته ما قبل سقوط النظام السابق، فضلاً عن مواكبته الشعراء الشباب الذين ظهروا ما بعد التغيير، أو ما عرف في العراق بـ»النص الجديد» الذي برز من خلاله عدد من الشعراء الذين حاولوا الانفلات من ربقة الشعر الذي عدوه كلاسيكياً حتى على مستوى قصيدة النثر.
السراي الذي يعمل أستاذاً للفنون الجميلة، قدم أكثر من مجموعة شعرية، إضافة إلى اشتغالاته المتعددة في مجالات أخرى، فشارك في بعض الأعمال المسرحية كممثل أولاً، ليكتب بعد ذلك بعض المسرحيات ويخرجها فيما بعد، مثل مسرحيتي (السلام أكبر) و(الــ.. مأ.. sat) اللتين كتبهما وأخرجهما ومثّل فيهما. الآن يعمل السراي على إنجاز فيلم سينمائي يناقش مشكلة اختلاط المفاهيم الوطنية من خلال اشتغال سينمائي مبتكر وعنوان الفيلم هو (RE.. موت).
عن الشعر والنقد والتحولات الثقافية في العراق، كان لنا معه هذا الحوار:
* كتبتَ الأنواع الشعرية جميعهاً، العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر.. ما الذي يجعل من شاعر يختار شكل القصيدة وبناءها؟
– أظن ُّبأني من المحظوظين.. ممن استطاعوا أن يتجولوا في أكثر من شكل شعري، ليس من باب التجربة، إنما من باب أن نفسيتي الخاصة ارتبطت ببعدٍ منوع كان الشكل الشعري صداه في كل مرحلة.. فحينما كتبتُ القصيدة العمودية لم أكن راغباً بأن أثبت قدرةً في ركوب الوزن والتصرف داخل مساحاته ولا التفعيلة.. ولم أتوجه إلى النثر مواكبةً لحركة الحداثة.. إنما إيماني الحقيقي بأن الحياة الحالية التي تمتاز بعبثها وفوضاها لا يمكن التعامل معها بربطة عنقٍ محكمة الترتيب، وكل شيء حولك يشير إلى الانفلات والتحرك السريع وليس كقصيدة النثر مضمار بإمكانه أن يسبق الأحداث. ولأن المتلقي العربي وحتى العالمي من خلال أذنه الإنسانية يتنوع حسب المزاج السائد والثقافة المجتمعية والذوق المختلف وجدت رصيداً كبيراً لدي من المختلفات الشعرية أستطيع أن أطل به في كل جهة. لم يعد أمام الشعر من طريق للكتابة والبقاء سوى أن يكون قصيدة نثر، ليس لعجز القصيدة ذات الشطرين ولا تراجع التفعيلة، إنما لأن قصيدة النثر هي الوسيلة الوحيدة لانفتاح الشعر نحو تداخل إجناسي جديد. فمن خلالها يدخل الشعر إلى المسرح والسينما والمقالة والسرد وكل شيء، وهي الوسيلة الوحيدة لإبقاء جنس أدبي وفني مهم كالشعر حيا غير قابل للانقراض وسط ضيق مساحات التأمل في زمن تنتهبه التكنولوجيا بسرعتها.
* كان عنوان مجموعتك الأخيرة (للدرس فقط) أي درسٍ أردت تقديمه من خلال هذه المجموعة؟ وكيف يكون الشعر درساً في ظل انهماك الناس باليومي بعيداً عن الثقافي؟
– لانهماك الناس باليومي بعيداً عن الثقافي كان لمجموعتي الشعرية أن تكون للدرس فقط، فأنا من خلال هذه العتبة النصية أزيح عن كاهل المتلقي عناء أن يحفظ الأشياء أو أن يلتزم بها.. فقد تعودنا حين تطل علينا قصيدة في مناهج الأدب والنصوص ويكتب أعلاها للدرس فقط أن نكون فرحين لأننا لن نكلف أنفسنا حفظها بحذافيرها بينما الحب سيتولد بيننا لأنها لم تفرض علينا وربما سنحفظها ونحسن التعامل مع الدرس من خلالها. وهنا قلت في نفسي.. المهم في هذه الحياة هو أن تقدم درساً حتى وإن كان لجوقة صاخبين وأن تشير لهم بأن الأهم من هذه التجربة هو أن لا تعوا ما يقال فقد قادنا الوعي لما يقال إلى جهل أكيد. هي مغامرة شطبتُ من خلالها رغبة كل شاعر بأن يكون واسع الطيف داخل المستمعين والقارئين إلى رغبةٍ أخرى بأن تكون مهمشاً بإرادتك لكي لا تمنح الوقت شرف أن يهمشك أو يمحوك بإرادته.
* خرجت من بين ركام الحروب مع جيل برز قبل الحرب بمدة قصيرة. كيف نفهم التحولات التي طرأت على لغتك ولغة أبناء جيلك قبل وبعد الحرب؟
– للزمن مقولته في صياغة تجربتي.. فقليلٌ جداً هم المخضرمون الذين شهدوا زمنين. وفعلا أن أكون موجوداً بخجل في ظل نظام قديم طبع التجربة الشعرية بأسلوبه ولغته وسرعان ما يزول هذا النظام ليشهد العالم وليس العراق فحسب تغيرات كبيرة تطبع اللغة بمفاهيم جديدة وأساليب أكثر جدة تلك هي المسألة، أن أنهل من زمنين لأخرج بمعجم أحاول أن أكون من خلاله قريباً من الواقع بعيداً عنه لدرجة متساوية. وهنا تكون اللغة أكثر انفتاحاً وأكثر جرأة.. فما كان غير شعري سيكون شعرياً في ظل رؤية جديدة. لم أكن جديداً كالحياة السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق بعد عام 2003، ولم أكن قديماً مثلها قبل عام 2003, ولم أكن أنتمي لفترة ما قبل التغيير، كما لم أكن منتمياً إلى فترة ما بعد التغيير. عندها أدركت بأني ومجموعة من الزملاء الذين يتشاطؤون معي بالزمن نمثل التغيير نفسه، نحن شعراء التغيير، فعلى أيدينا حصل التحول ليس كفتح جديد في تاريخ الكتابة، بل كفتحٍ جديد في الاعتراف بأننا نتغيرُ دائما ونحمل سمةً جديدة وهي أن لا سمة تجمعنا أن تحدُّنا.. وهو ما ظهر جلياً في تجاربنا أو تجارب بعضنا من تحولات وإيمانات جديدة بالكتابة وصلنا إليها عن وعي لا عن اتباع.. لذلك كان كل شيء متاحاً وكل لغة غير لغة المحيط بنا نشازاً خارج سرب ما نؤثر به.
* اختلفت المناهج النقدية التي بحثت في الشعرية العراقية, لكن السعي النقدي ما زال قاصراً تجاه النتاج الإبداعي, ما الذي يجعل من بلد منتج للشعر والرواية وفي الوقت نفسه لا يقدم مشروعاً نقدياً واعياً؟
– المشروع النقدي الواعي يتطلب رؤية فلسفية أولاً، وهو ما عجزنا عن تحقيقه وسنعجز دائماً عن تحقيقه في ظل هيمنة الرؤى والمفاهيم الرجعية القديمة.. فما زال العقل العربي والعراقي منه على وجه الخصوص هائماً في مرحلة الإتباع القديمة ومطمئناً لغياب الطريق الفلسفي، فقد وفر له المناخ الديني المفترض كل الحلول التي تقوده لكسل فكري، والنقد ابن للرؤية الفلسفية, لذلك سيظل متراجعاً حتى وإن ارتكن إلى نظرية غربية مترجمة.
أما في مجال الشعر، فنستطيع أن نقول بأن ثمة ما يجعلنا نستمر لقدم هذا النمط الأدبي وقابليته على التطور دون قطع كل الجذور أو مع قطع الجذور والاعتماد على جذور أخرى.. إلا أن الخديعة الكبرى في أدبنا تكمن في الرواية الموجودة وبافتراض الكتابة واعتبارها محركاً مهماً للوعي التاريخي.. وجلُّ نتاجاتنا السردية منقطعة عن حقيقة الحقيقة، فهي محاولات دقيقة لتقليد مجتمع متكامل وقابل للسرد وإلباسه جبة الواقع الذي تزيفه الكلمات لنقول إن ثمة فناً متمكناً لدينا في هذا اللون. وفي بحث بسيط في رحاب هذه الكتابة نلاحظ حجم الهوة الكبيرة بين ما يجسده السرد وبين الواقع ومحركاته الفيزيائية، وبين لغة الكتابة ولغة التلقي، وبين وجود الكتاب وبين غياب الطبقة المستهلكة له.. وكل هذا ما كان له أن يكون لو امتلكنا عينا نقدية تبتعد عن جمود الأكاديمية المشروطة وعبث المجانية السائدة.
* بعد أكثر من مجموعة شعرية وكتابات في موضوعات مختلفة، ما الذي تشتغل عليه مستقبلاً؟ وهل هناك أساليب شعرية جديدة ستدخل عالمك؟
– لم يعد الشعر وحده هو الهم الذي يشغلني على الرغم من أني أصدرت ثلاث مجموعات شعرية وأمتلك مخطوطتين جاهزتين للطبع.. إلا أن ما يشغلني الآن هو كيف أوظف قصيدتي لتطرق أبواباً أخرى، مقتربة من حيز الناس ومفيدة له وقابلة للتلقي. وفي الثلاث سنوات الماضية استطعت أن انطلق من قصائدي وكتاباتي لإنجاز مسرحيتين جادتين عرضتا للجمهور والوسط الفني وهما (السلام أكبر) و(الــ.. مأ.. sat) لم يكن دوري فيهما الكتابة والتأليف فحسب، بل كان دوري فيهما الإخراج والتمثيل كذلك وصناعة حركة تقدم ورشة ثقافية وفنية للناس.. وحالياً أعمل على فيلم واسع الرمزية يناقش مشكلة اختلاط المفاهيم الوطنية المحيطة بنا من خلال اشتغال سينمائي مبتكر وعنوان الفيلم هو (RE.. موت) أناقش من خلاله إعادة إنتاج هاجس الموت المحيط بنا بسبب الأكاذيب السياسية، سيكون جاهزاً قريبا للعرض والمناقشة والمشاركة.. كما أسعى من خلال عملي مع مجموعة طيبة من الفنانين في مجال الموسيقى والسينما والمسرح إلى كتابة وتأليف وتقديم عمل موسيقي أدبي مسرحي سينمائي كبير يقدم بعرض حر كافتتاحات الدورات الأولمبية أو كأس العالم بعنوان (أوبرا وطن).. قدمنا جزءاً من تمفصلاته البسيطة في أوقات ماضية.. نأمل أن تمنحنا الظروف متسعا للاشتغال بصورة أكثر تأثيراً لتقديمه مع المؤلف الموسيقي كمال حسن والمخرج السينمائي نصير حيدر لازم وثلة أخرى من الأصدقاء المبدعين.
صفاء ذياب