الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار: الربيع العربي ليس فقط الإطاحة برئيس دولة وتعويضه برئيس آخر

حجم الخط
0

اجرى الحوار محمد الأصفر: الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار القاطن بمدينة آسفي المطلة على المحيط الأطلنتي والمسافر دائما عبر القصائد وعبر نشاطاته الثقافية المتواصلة إلى بلدان ومدن أخرى داخل المغرب وخارجه حاملا بين كفيه قصائده النابعة من اليومي المعيش ومن ذاكرة طفل لا ينسى ذكرياته. ولا يرضى أن يدفنها الزمن مهما طال، سافر بقصائده إلى لوديف فرنسا وإلى بريطانيا وإلى أمريكا وإلى عدد من دول الوطن العربي، لا يمكننا أن نصنفه كشاعر فقط إنما هوإطار ثقافي متكامل يساهم بواسطة الكلمة في كل ما من شأنه أن يرتقي بذائقة الإنسان نحو الجمال والحب والسلام، له باع في تنظيم النشاطات الأدبية وخبرة في الإعلام الثقافي. بدأ نشر دواوينه عام 2004 فصدر له: ‘أخيرا وصل الشتاء’ و’أنظر وأكتفي بالنظر’ ثم ديوان ‘نيران صديقة’ ولديه الآن تحت الطبع ديوان جديد، بالإضافة لمشاركته في تأليف ثلاثة كتب جماعية عن الكاتب إدريس الشرايبي والشاعر محمد بنطلحة والشاعر الراحل أحمد راشد ثاني. الجدير بالذكر أن عددا من قصائد عبد الرحيم الخصار قد تمت ترجمتها لأكثر من لغة حيّة.

حول حياته العامة والشعرية ورؤيته للثورات العربية ولراهن الحالة الثقافية والسياسية في المغرب والوطن العربي كان لنا معه هذا الحوار:*ماذا عن حياتك أيها الشاعر؟ سمعتك تقول بأنك لا تفعل شيئا أثناء الكتابة سوى أنك تضع حياتك على الورق. *صحيح. هذا ما أفعله على ما يبدو. إن حياة الشاعر هي كل ما يملك في النهاية، لذلك أعود إلى قريتي وإلى بيت جدي وإلى طفولتي في البادية، وأفتش هناك عن البلاغات والصور التي تستطيع أن تجيبني عن أسئلة كثيرة وتفسر لي – ما أمكن- ما آلت إليه حياتنا. لا أستطيع أن أكتب شيئا بعد كل هذه القرون من الشعر سوى ما يخصني كفرد حالم في هذا العالم، فرد له حياته الصغيرة وسط هاته الحيوات الأخرى التي يمر بعضها تحت الضوء وسط المواكب، في حين يمرق بعضها الآخر في الوجود بشكل سري. تلك الحياة الصغيرة هي زوادتي، لا يتعلق الأمر بالضرورة بالسيرة فحسب، بل يتعلق أيضا بنظرة كائن ما إلى هذا الوجود، بأفكاره وأحلامه ومخاوفه، برغبة رجل يريد أن يفهم من يأتي كل هذا الحب، ومن أين تتولد كل هذه الكراهية، ولماذا يتألم الإنسان حين يخذله رفيقه، ولماذا يسهر العاشق من أجل معشوقته، ولماذا تبكي الأم بحرقة وبحرارة حين تفقد ابنها في حرب أو في حادثة.

أعتقد أن دفق المشاعر الإنسانية وتيارها هو ما يسحبني إليه دائما، وبالتالي فإنني حين أنقل حياتي على الورق أنقل أيضا حياة الكثيرين ممن يشبهونني على هذه الأرض.*يقول شيلي:’الشعراء هم واضعو شرائع العالم غير المعترف بهم’. ما وظيفة الشاعر اليوم؟ *أحيانا نقول مثلما قال شيلي في زمنه، تقاطعا في الغالب مع بيانه ‘دفاعا عن الشعر’، لكن الحقيقة هي أن الشاعر لم يعد مبشرا ولا رائيا، لا مدّاحا ولا هجاءً. ولم يعد يحلم بأن يغير العالم، فالعالم لا يغيره الشعراء، أوعلى الأرجح لم يعد الشعراء قادرين على التأثير فيه، كما كان الأمر من قبل. لقد فرّت مياه هذا العالم من بين أيدينا، وصرنا فقط نريد أن نحافظ ما أمكن على إنسانيتنا وسط حياة تتحول بالتدريج إلى حياة لم يكن يفكر فيها أحد، هذا الكم الهائل من الحروب والصراعات والأحقاد والجشع والتطرف والاستبداد وقتل الإنسان باسم الإله وتحويل الإنسان إلى آلة إما مستهلكة أومدمرة… لا يملك الشاعر أمام كل هذا سوى أن يغضب ويتألم قليلا ثم يواصل أحلامه.* كيف تنظر إلى الشعر المغربي؟ ماذا عن حاضره ومستقبله؟* سأقول ما قاله الشاعر محمد الميموني أحد رواد الحداثة الأدبية في المغرب، كنت قد زرته في بيته قبل أيام، والحقيقة أنني أغبطه هذا التفاؤل الذي يملأ صدره بخصوص الشعر المغربي. لقد رأى أن الشعراء المغاربة يملكون الكثير من الإصرار، ينشرون كتبهم بمشقة بالغة، ولا يحظون بالاهتمام اللازم، وبالرغم من ذلك فهم مصرون على الكتابة، متخففين من الكثير من الأوهام التي عادةً ما تملأ حياة الكُتاب، فهم لا يبحثون عن شيء سوى عن الشعر نفسه. وهذا التراكم سينتج بالضرورة حالة إبداعية خاصة ستجعل أصدقاءنا في الجهات الأخرى يديرون أعناقهم نحوهذه الجهة من الأرض. ثم إن الأجيال الجديدة تواكب تحولات القصيدة عبر العالم، وتسعى إلى أن تخرج التجربة الشعرية المغربية من محليتها لا على مستوى المعجم ولا على مستوى الرؤية والتيمات. وهناك شيء يجب الانتباه إليه، وهوفي نظري عنصر سيكون حاسما بالنسبة لهذا التحول، وأقصد الموقع الجغرافي والحضاري للمغرب وتقاطعاته التاريخية، فالأدب المغربي لا يتأثر فحسب بالأدب الفرنسي وبما يصل من المشرق العربي، بل هو يتماس أيضا في مدن الشمال بشكل قوي مع الأدب الاسباني والبرتغالي، وفي مدن الجنوب مع الثقافة الصحراوية والأفريقية، إضافة إلى التراث الأمازيغي بطيبعة الحال. إن سؤال الهوية يعود اليوم بحدة ليطرح نفسه على الشعراء المغاربة الذين يشتغلون وفق مشروع إبداعي تحكمه مرجعيات وزوايا نظر. والإجابة عليه تكمن في كتابة نصوص تسعى في الآن ذاته إلى تعميق هذه الهوية من جهة ومن جهة أخرى جعلها أكثر شساعة. *كيف تفاعل الإبداع المغربي مع الربيع العربي؟ وهل أُنتج أدبا يواكب هذا *الربيع كما هوالشأن في مصر مثلا التي يُتداول فيها الآن مفهوم ‘أدب الثورة’؟ لا يستطيع الربيع العربي أن يخلق أدبا، قد يخلق فقط لحظة صمت تجعل الكاتب يفكر بشكل أكثر جدية في أبعاد الكتابة. ما يخلق الأدب اليوم هوعمر الإنسان وتجاربه المتعددة في الحياة، هوهزائمه الفردية وانتصاراته أيضا، ألمه ولذته، شجنه الخاص وسعادته السرية.

في المغرب لم يكتب الشعراء قصائد عن الربيع العربي، لأنها في نظري لن تختلف كثيرا عن القصائد التي كان يكتبها الشعراء في مدح الملك الراحل الحسن الثاني خلال أيام عيد العرش، ستكون في النهاية قصائد مناسبات تموت بموت سياقها، على العكس سرّني أن ينزل عدد من الشعراء والكتاب إلى الشارع ويصرخوا في المظاهرات ضد الفساد. في القضايا والمواقف يكون من الأفضل للكاتب أن ينزل إلى الشارع. إنني اتذكر هنا مثلا الشاعر الأمريكي آلن غيسنبرغ حين وقف على سكة الحديد واعترض القطار الأمريكي الذي يحمل الديناميت إلى فيتنام، وأتذكر جان جينيه الذي سار مع الفلسطينيين في مظاهراتهم ضد الاحتلال، وأتذكر إدوارد سعيد الذي حمل الحجارة مع الأطفال ورشق الجنود الاسرائيليين.*هذا يعني أنك في صف الثورة؟*أنا في صف الثورة بدون شك، وضد كل أشكال الفساد في شتى المجالات، وقد كنت مع حركة عشرين فبراير بالمغرب وخرجت في عدد من مظاهراتها. لكن الربيع ليس فقط هوالإطاحة برئيس دولة وتعويضه برئيس آخر، يجب أن يحل الربيع في الوطن العربي مثلما يحل فصل الربيع على الأرض، حيث يبدوالفرق شاسعا بينه وبين الخريف. الربيع يجب أن يحلّ في عقولنا وفي أفكارنا وسلوكنا وأسلوب عيشنا، وفي تصورنا للمستقبل وفي رؤيتنا للثقافة والفن والحياة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية