الشاعر / النص / القارئ

حجم الخط
0

الشاعر / النص / القارئ

نصر جميل شعثالشاعر / النص / القارئ النقد رياضة. أو بعبارة أخري، النقدُ هو نشاط الوعي في منطقة اللاوعي. لكن الي أي حد يمكننا الحكم بكمال انتماء النص الي منطقة اللاوعي ؟ واذا ذهبنا الي اعتبار أن النص الشعري هُو حالة خلق كيف لنا، اذن، أن نتخلص من الوقوع في الضدية الناشئة عن استخدامنا لكلمتي اللاوعي و الخلق في اطار تأملنا لبنية النص؟ ما أعنيه، هنا، هو أن اللاوعي لا يُطالعنا بصورةٍ ذهنية منطقية منظمة، في مقابل كلمة الخلق التي تضعنا ذهنياً ازاء عملية منظمة، وهذا ما ينطبق، مثلاً، علي النص الروائي. أليست وظيفة الوعي هي التي تتخرج منها الأفكار المنظمة (بفتح وكسر الظاء)؟ هذا صحيح. وسوف يتغير هذا التساؤل المنطقي، أمام اعتبار الفن محوراً مركزياً، ولغة وغاية؛ حينئذ ننظر الي اللاوعي في اطارٍ من النتيجة اللامنطقية والرؤية الفنية. وعلي أثر ذلك نصوغ التساؤلَ السابق في صورته التالية: أليست لحظة اللاوعي هي التي تتخرج منها الفنية والرؤي اللا منظمة ظاهريا ؟ الاجابة: بلي. بالتنقيب في آركيولوجية بلي سنجد أن عملية اللاوعي الابداعية غير المنظمة ظاهرياً تمثل خلقا ابداعياً مُحَملاً باشارات ومنبهاتٍ تحث علي التنظيم حثاً ترميزيا دلاليا وتراثياً، اسقاطاً و تنبؤا معمقاً ولحوحاً، رغم كون الخلق في ظاهر العينِ مُهلهلاً. وكأن ما تقدم، من كلامٍ، يرمي الي اعادة الاعتبار للتجربة والمعرفة التي تكتنزها نصوصٌ شعرية محكومٌ عليها بالانطفاء أو التيه بين أضغاث لغةٍ تنحدر من هنا وهناك؛ هي أشبه بمجتمعٍ أفراده نصوص أو لصوص غير منتمية لقيمة!ان ممارسة رياضة الوعي ستكشف لنا عن عالمٍ من مفاجآت اللاوعي الذكي ، الي جانب الادراك والاحساس بوجود محطاتٍ لتدخل وعي المؤلف؛ اسناداً وتعزيزاً لـ قوة تكوين النص. والسؤال: هل يعني ذلك اعترافاً بعثور القارئ ـ الناقد علي النص الناجي ـ النص الكامل ؟! ليس بالضرورة أن يكونَ اعترافا بـ كمال النص ، انما باستطاعة القارئ ـ الناقد الوقوف ازاء حالات متعددة لنصوص مشبعة تشيع الحيوية واللذة والاستفزاز معاً. لحظتها يكون القارئ ـ الناقد قد دخل في حالة انسجام ومصارعة افتراضية خفية، يرجع نشوؤها الي الشعور بمستويً جليل من التحدي الذي يشكِلُه النص، للوهلة الأولي، في القارئ أو علي امتداد تعدد قراءته له. وليس سنةً أن تصاغَ العلاقةُ، دائماً ، بصيغة تحَدٍ بين النص والقارئ، فربما كانت العلاقة مع النص في صيغة تحاور، أو حُلُول.والناقد المبدع، الحيادي والنزيه يكون من القدرة حين يكشف، مثلاً، عن ارهاصات ومرجعيات نص ناتج عن التجربة الشخصية أو الاجتماعية أو ناتج عن التمرين التأملي الذي ينمي ويرشح اللاوعي وينقي الشعرية المنجزة. ويكون من النزاهة، أيضاً، حين يقف علي حالة نصوص مُنْوَجِدَة بعد عمليات عصرٍ ذهني عسير مُورستْ من أجل استجلاب تراكيب وصور لتعزيز قوة التكوين !ان السياق أو الجو الذين يكتب فيهما المؤلف يخيمان علي القارئ لحظة تلقيه النص، بحيث يمكن ـ نسبياً ـ تحديد مواطن القصدية والقسوة والتعسف في استخدام اللغة وصنع تراكيبها، من مواطن العفوية الشعرية داخل النص؛ وحتي نكون من الدقة نشير الي مكونات سيكولوجية داخلة في تكوين بعض النصوص دخولاً ايحائياً واشارياً يترتب عليه رؤيتنا لمظاهر التعسف والقسوة المشاركة في تكوين بعض النصوص، من منظور سيكولوجي؛ يشيرُ الي قيام المؤلف بممارسة ميول سادية علي اللغة. ويكون الخيطُ الفارقُ بين القسوة والتعسف في استخدام اللغة ، وبين ممارسة القسوة والتعسف ، في اطار من السيكولوجية بحق اللغة ؛ في مثل هذه اللحظة شديدَ الدقةِ والندرة، بيد أننا نقر بوجوده.و اللغة الشعرية من ملعب اللغة عامةً؛ هي بمثابة الهدف الذي يسعي اليه، وينتظر تحققه اللاعبونَ والمراقبون المتفرجونَ. ولقد تَعَرَضْتُ في أكثرِ من مقالٍ الي سوء تناول واختيار اللغة، وأضيف هنا: ان قوي فتنة اللغة تساهم في اغواء الكثيرين؛ ليس لأنها قويً مُضَلِلَة، وانما لأنَ سِعَة من التيه والغربة عن جماليات اللغة الكامنة؛ تجعل من الكثيرين ضحايا الخسارة والخداع في هذا الملعب ، ولا ينحصر السبب في خدعة اللغة وحسب؛ فهناك أسباب كثيرة ومؤثرة في مؤشراتِ الانجاز والفشل يتعرضُ لها اللاعب ـ المؤلف من قبل المراقبين والمنفرجين ـ المتلقين للأداء ـ النص العَرَضِي ، الذي لا مسؤولية فنية وثقافية ومعرفية لهُ.لقد ذكرْتُ أعلاه أن ( الناقدَ المبدعَ، الحيادي والنزيه يكون من القدرة بحيث يكشف)، هذه العبارة تقود الي افتراض أن النص الشعري الذي في متناول القارئ هو أحد كوائن اللاوعي ـ كامل التكوين ، وأنه خلق مكتمل بذاته، وفي الطرف الآخر، يوجد القارئ ـ الناقد: المبدع ـ الخالق ـ المنظم ـ الواعي ؛ الذي يقوم بممارسة الوعي (القراءة) علي اللاوعي (النص)، ان ممارسة الرياضة النقدية منوطة بالمسافة المعرفية، وبحرية الذائقة لدي القارئ ـ الناقد المبدع، علي أن ابداعية النص النقدي ليست مرآةً للناقد الخبير النهائي بالنص أو الوسيط الكافي بين النص وقرائه؛ انه في أرقي الأحوال قارئ له سلوكٌ ورؤيةٌ وتجربةٌ خاصةٌ، وهو يجتهد في رسم خارطة ـ ليست تعميمية ـ لمنطقة نَصية شعرية متعددة مداخلة المعالم والخطوط والرموز. والقارئ كالمؤلفِ كالنص من حيثُ (الاستمرارية في التشكل)، فالشاعر بطبعه لا يبلغ كمال التجربة، وكل نصوصه هي علي درج التشكل، هذا التشكل ينتمي في حركته ومفهومه الي تطور وتمدد وتعدد نقاط وآفاق التجربة الشعرية وسيرورتها وتشكلها الدائب، أما تشكل القارئ في صورته العامة؛ فانه يُعزي الي تعدد وتحرك مستويات التلقي في الأطر الزمنية والمكانية والمعرفية والخبراتية؛ التي تتسع أو تضيق، وتتشاركُ هذه التشكلات في منح حياة لانهائية للنص الشعري .ولنتساءل حول مدي تمتع الذائقة النقدية بالحرية، وعلاقة ذلك بسلامةِ القدرة علي الكشف، في ظل الحياد والنزاهة؟ان غياب النزاهة، منوط بدرجة أولي بسعي القارئ نحو ارضاء الآخر ـ المؤلف، وعملية تكرار الارضاء هذه يترتب عنها وثوق علاقة القارئ بالمؤلف، علي حساب أصالة العلاقة بين النص والقارئ، الأمر الذي يعزز ويؤكد عقد (التواطؤ). ولنتصور مثلاً أن أحداً تعرض في المرة الأولي لقراءة نصوص مؤلفٍ ما، ثم بعد هذه القراءة توثقت العلاقة الشخصية بين القارئ والمؤلف، مما دفع القارئ دافعُ الصلة الذي وقوده في مثل هذه اللحظة الاستحياء، أو الامتناع عن التعرض لقراءة نصوص لذات المؤلف وبيان ما فيها من قصور ونقصان فني وضحالة. ان هذا الوقود، بالضرورة، سيضيء العلاقة الشخصية، وفي الوقت نفسه سوف يخنق النزاهة الفنية. وهل نتوقع، مثلاً، من قاريءٍ مرافق ومصاحب لشاعر ما؛ أن يتقدم يوماً بقراءة يشير فيها الي نقاط الضعف والخلل والهبوط الفني!هل قدرة الخطاب النقدي بعافيةٍ؛ في ظل ما نعاصره من تدوين؟ لا يختلف اثنان علي أن الذائقة حق ومرآةٌ فردية، انها أحد مظاهر الحرية الأدبية لدي المتلقي، وهي متعددة بتعدد كمية وكيفية التلقي، غيرَ أنه حتي هذه الخاصية الفردية باتت مستلبة وتابعة لقوي ذات آثار نفعية ، هذه الخيانة التي تتعرض لها الذائقة من قبل الذات المالكة بتأثير من الخارج؛ تشير وبقوة الي تفاقم أزمة القيم، وتعرض الخطاب النقدي الأدبي لأشد الخيانات والتشويهات؛ هذا القول لا ينطبق بالضرورة علي الآراء الانطباعية المسجلة هنا وهناك حول نصوص مبعثرة، ذلك أن معني الانطباع يكتفي بدلالته المحدودة في اطارٍ لا يسمح للخائن باحتراف التضخيم. وعلي أية حال فـ المُعْطَي الانطباعي لا يمنح النصَ الاضاءة المُرْضيَة للخطاب النقدي.ولعل من أبرز أمراض وسلبيات الخطاب النقدي الحالي هو ممارسة القارئ ـ الكاذب استلاباً فظا لحريته الفردية ـ الذائقة ، عبر قيامه بعملية تعاقد عاطفي تواطؤ ، مع أطراف أخري، تفضي الي نشوء تكتلاتِ و مَحَليَاتِ وجماعاتِ الخداع البيني ـ نشوء (الشلل) والمرتزقة والكذابين والارهابيين الجُدُدْ.ہ شاعر من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية