الشاعر عاطف عبدالعزيز بعد ديوانه الجديد مخيال الأمكنة : قصيدة النثر تزاحم عليها المدعون وغياب النقد ساهم في تحول الكارثة إلي ظاهرة

حجم الخط
0

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني:

الشاعر عاطف عبدالعزيز واحد من شعراء جيل الثمانينيات البارزين، أصدر قبل عدة أشهر ديوانه الرابع مخيال الأمكنة وأصدر قبله دواوين: حيطان بيضاء، ذاكرة الظل، كائنات تتهيأ للنوم، وتأتي تمايزات تجربة عاطف عبدالعزيز عبر الحفر المعرفي والإنساني في تراث خاص له ملامحه الحادة والمدببة في بعض الأحيان وطراوته وليونته في أحيان أخري.

وفي الديوان الأخير تتمثل فكرة المكان لدي الشاعر وتتقاطع مع الكثير من اللغط حول صراع الهوية وتجلياتها الروحية خاصة، والتي تظهر عادة في الفنون باعتبارها الحاضنة لذاكرة الشعوب.

وفي هذا الحوار يتحدث عاطف عبدالعزيز عن إشكاليات الوعي بتلك الهوية الخاصة ومدي قدرتها علي الصعود والهبوط والتمثل في قصيدة النثر بعيدا عن ضجيج الخطاب العام الذي كلل الخطاب الشعري الريادي خاصة، كما يتناول الشعريات القرينة والشعريات السابقة لا سيما شعرية جيل السبعينيات التي يصفها بالنضوب والتوقف.

إلي جانب ذلك يتناول الشاعر الوعي العام المتدني والمحافظ تجاه الأشكال الجديدة، لا سيما في النظر المؤسسي لهذه الأشكال وهنا نص الحوار: في ديوانك الجديد مخيال الأمنة عودة إلي مفهوم الهوية، كيف تري تشابكات هذا المفهوم في إطار قصيدة النثر التي تسعي إلي التحلل من الخصوصية؟ في رأيي أن الهوية من الأمور اللازمة التي لا يمكنها أن تغادر أي كتابة، ذلك أن الكتابة بطبيعتها تظهر عبر لغة، واللغة بطبيعة الحال هي ملمح أول لأي هوية، وحين نتوغل في أي نص سوف تظهر لنا تباعا مظاهر أخري للهوية مهما كان هذا النصر مغرقا في ذاتيته التي تتحرك فيها الذات، كما أن أزمات الذات المفردة داخل النص لا يمكنها أن تحجب اللحظة الزمنية التي أوجدتها، ومن ثم فإننا علي الأغلب سيمكننا عبر النص استشفاف هوية الذات الشاعرة، وبالتالي يمكننا أن نعززها مما عداها من ذوات تتسم بهويات مغايرة.

وفي مخيال الأمكنة لم تخرج قصيدتي عن مسعاها الأصيل في مساءلة العالم عبر كشف الطبقات المتراكمة داخل الذات المفردة، غير انها شاءت أن تنظر الي هذه الذات المفردة عبر امتداداتها الطولية والعرضية في الزمان والمكان، بمعني أنها حاولت كشف الذات عبر فحص جيناتها الوراثية، علي اعتبار أن ذلك إجراء مشروع من إجراءات تحصيل المعرفة واختبارها، ولكنها ـ أعني القصيدة ـ حرصت الي أقصي حد علي تجنب الشبهات التي لحقت بسمعة الهوية مثل الترخص أو التعميم أو الشوفينية. سطوة المكان بالديوان لم تمنع من قيام مشهدية وسردية فريدتين، كيف تري هذين العنصرين في بناء قصيدة النثر؟ من المؤكد أنه لا يمكننا إقامة أي مشهد خارج المكان، لأن المشهد بطبيعته يحتاج إلي حدود وتكوينات وخلفيات وعناصر ذات طابع حسي يستحيل علينا أن نقابلها خارج الأمكنة، وإلا تحول المشهد الي صورة من الصور البلاغية التي شاعت في الشعر العربي علي مدي تاريخه، أعني الصورة المجازية ذات الطابع الاستعاري، وهذا بالطبع ليس شأن أو طموح قصيدة النثر المصرية التي ظهرت أوائل تسعينيات القرن الماضي، علي هذا فأنا أري أن المكان شرط موضوعي لانتاج المشهد الحسي، أما السردية فليست سوي الشريط الذي تتتابع عليه المشاهد التي تكون العالم الشعري، إنها الشريط الذي يعكس زاوية الرؤية إلي العالم عبر انتقاءات مشاهد بعينها وترتيبها داخل سياق النص علي نحو مخصوص، كي تفجر المفارقة أو تطرح السؤال.

السردية إذن باختصار هي ذلك السطح الهادئ الذي يبدو محايدا وخارج المعادلة بينما في الحقيقة هي ذلك الشيء الخفي الذي يمكننا أن نلمحه واقفا علي مساحة من الانفجار متظاهرا بانتظار الباص. دواوينك السابقة لم تتخل عن شعرية اللغة وبالتالي بعض معضلاتها، هل تري الأمر في سياق التطور الطبيعي لنصك أم أنه انخلاع كامل لأرض جديدة تتواكب مع ما هو شائع؟ أعتقد أنني ومنذ ديواني الثاني حيطان بيضاء الذي صدر عام 1996 تخليت تماما عن شعرية اللغة في مقابل شعرية التكوين أو شعرية المشهد، لأن هذا الديوان كان البداية الحقيقية لتجربتي الإبداعية بعد أن انتبهت فور صدور ديواني الأول ذاكرة الظل إلي تسرب أصوات الشعراء الذين تتلمذت عليهم إلي قصائد هذا الديوان، وبالتالي يمكن اعتبار حيطان بيضاء هو المنعطف الرئيسي في مسيرتي والذي أمكنني فيه الإنصات إلي العالم واكتشاف صوتي الخاص، علي هذا يصبح مخيال الأمكنة جزءاً لا يتجزأ من سياق تجربتي في صيرورتها، تلك التجربة التي لا تسعي إلي مد المجري فقط بل وتوسيعه أيضا، بمعني التقدم إلي الأمام داخل مسار عريض كاشف غير متعجل. مخيال الأمكنة أيضا كان اختبارا لطاقة النثر الشعرية، حيث قصدت الإمعان في السردية والاسترسال، الأمر الذي منح النصوص في النهاية شكل الكتل المصمتة علي الصفحات وليس شكل الأسطر الشعرية المعروفة، بالتالي بدا الأمر وكأنه رهان علي أن الشعر طاقة روحية عابرة للأشكال والقوالب، وأن احتمالاته لا حدود لها. قصيدة النثر لدينا فقدت الكثير من بريقها بسبب النمطية وأسرها، إلي أي سبب ترجع هذه الردة وهذا النكوص؟ شأن أي تيار إبداعي جديد دائما ما يتزاحم فيه المدعون، لا سيما إذا بدا تيار مغر مثل قصيدة النثر، الذي اختصرها البعض في أنها تخل عن الأوزان، واختصرها بعض آخر في أنها احتفال كرنفالي بكل ما هو عادي ومنثور في الحياة، يضاف الي ذلك غياب مطلق للنقد، بل ظهور بعض أدعياء النقد وهم يروجون لفهمهم المريض لما بعد الحداثة علي أنها القبول المطلق والتسامح المطلق مع كل أشكال الكتابة، دون أي اعتبار للشروط الموضوعية التي تصنع المبدع، مثل الموهبة والثقافة والقلق والمعرفة الخاصة بالنوع الأدبي وتاريخه.

كل هذه الأمور أدت إلي ظهور عمود لقصيدة النثر، أو وصفة جاهـــزة لكتابتها وبالتالي ظهرت حالة من حالات الارتباط والشك لدي المتلقي.

هذا في الظاهر أما في الواقع فإن المشاريع الإبداعية الحقيقية كانت وما زالت موجودة ومستمرة بكل قوة ممثلة في شعراء مهمين مثل عماد أبو صالح وعلي منصور وفتحي عبدالله وعمار فؤاد وغيرهم.

بل يمكنني أن أقول باختصار أن قصيدة النثر في نماذجها الأصفي هي القاطرة التي تجر الشعر العربي الآن. كيف تري مستقبل الأشكال الشعرية الأخري في إطار وعيك بالعصر وأطروحاته علي المستوي الفكري والتقني، وهل يمكن لعصر الصورة أن يتجاوز الفنون التقليدية ويقضي عليها؟ تعلمنا من التاريخ أن الأشكال الشعرية لا تختفي تماما، فدائما ما يجد كل شكل من يتمسك به يتذوقه مهما تجاوزه الوقت، وهذه طبيعة تخص الفن وحده، علي أن هناك أشكالا تكون فاعلة في ظرف تاريخي معين، بينما تصبح أشكال أخري منزوية وباهتة، وربما تبدو خارج التاريخ، نعم باهتة ولكنها موجودة، ويري البعض أن هذا التنوع لازم وضروري للحفاظ علي سلامة عقل المجتمع، الذي يحتاج الي نوع من الصراع السلمي بين التيارات الطليعية والمحافظة، بما يحفظ له الحيوية والتماسك في آن واحد.

لكن قبل هذا أو بعده، فأنا لا أعتقد أن الطغيان الهائل لفنون الصورة سوف يقضي علي الفنون التقليدية كالكتابة مثلا، لأن ذلك سوف يكون علامة علي اندثار الفن كله، ويكفي أن فنا مثل السينما ما زال حتي هذه اللحظة يبدأ من الأوراق، ويكفي ايضا أن جبال المواد التي تتراكم علي شبكة الانترنت كل لحظة لم تزل الكتابة تشكل الجانب الأعظم منها حتي الآن. أنت ابن شعرية الثمانينيات وأحد الباقين الفاعلين من هذا الجيل، كيف تري منجزه الآن، ولماذا تم إقصاؤه كل هذه السنين؟ وكيف تري الشعريات القرنية في الوقت نفسه؟ الجيل الذي أنتمي إليه والذي اصطلح علي تسميته بجيل الثمانينيات ـ مع تحفظي علي مصطلح الجيل الذي يتجاهل التمايزات الفردية ـ أري أنه لعب دورا بالغ الأهمية، إذ أنه مثل حلقة مفصلية كان عليها أن تقدم اقتراحا شعريا جديدا بعدما وصلت القصيدة المصرية التي أنجزها السبعينيون ـ في رأيي ـ إلي طريق مسدود.

ولا أحب أن أسوق ذلك علي سبيل القدم في جيل السبعينيات إذ أن أكثرهم من أصدقائي، وأقر أن بينهم شعراء كبيري الموهبة وواسعي النظرة السياسية التي سادت إبان حقبة السبعينيات والتي اتسمت بالتوتر والاستقطاب والعداء الصريح بين السلطة السياسية والمثقفين، الأمر الذي أدي الي تشكل جيل السبعينيات علي هيئة جيتوهات شعرية مغلقة بغرض مقاومة الثقافة الرسمية.

هذا المناخ أفرز لديهم نمطا جماليا انعزاليا أدي إلي الإيغال في الغموض والشكلانية بحيث أصبح النص الشعري تشكيلا لغويا محضا متأثرين ربما بالتيار الأدونيسي، بالإضافة إلي سيادة نوع من المجاز الذي يعتمد علي النسق الاستعاري الكثيف والحريص علي المباعدة الشديدة بين طرفي الاستعارة بغية تفجير اللغة ـ حسب زعم بعضهم ـ وهذه الطريقة أفضت الي شيوع ظاهرة انتاج المجاز بشكل ميكانيكي لدي الأدعياء منهم.

أعود الي جيل الثمانينيات فأقول انه جيل المراجعة والانعطاف، إنه الجيل الذي انتبه الي أن العالم يكمن داخل الإنسان وليس خارجه، ونقل الشعرية العربية من شعرية الإجابة الي شعرية السؤال، وقدم قصيدة النثر المصرية بحساسيتها الخاصة التي اعتمدت المشهد بديلا عن الصورة الشعرية، وكشفت عن شعرية الهامشي والمهمل عبر إعادة تكوين المشهد اليومي علي نحو ذي مغزي، كما جعلت من عالم الأشياء التافهة التي تحيط بالإنسان مدخلا كاشفا لأزمته الوجودية، وقبل هذا وبعده فإنها طرحت فكرة الشاعر الحائر بديلا عن الشاعر المتعالي خازن المعرفة.

علي ضوء ما سبق، يصعب علينا أن ننظر الي العلاقة الملتبسة بين الجيلين علي ضوء نظرية المؤامرة، لأنها نظرية قبل حداثية لا يمكن الاعتماد عليها في تفسير الصراعات الجمالية، ذات الطابع التاريخي هذا وإلا سقطنا في التبسيط المخل، علي هذا يمكن فهم التقلصات التي تحكم تلك العلاقة طوال الوقت إذا اعتبرناها علاقة بين النساج وناقض الغزل، ومن ثم يصبح التدافع بالمناكب أمرا واردا ومشروعا، غير أن هناك محاولات من بعض السبعينيين الذين استقروا علي مقاعد المؤسسات الثقافية كانت قد تجاوزت الحدود المشروعة للصراع، وعمـــــدت إلي محاصرة جيل الثمانينيات في محاولة لنفيه، كما عمد بعض آخر إلي مغازلة الجيل الذي تلا الثمانينيين علي أمل استقطابه واستخدامه في هذا الصراع. شعرية الراهن والمحايث واليومي والعابر أنجزت ملمحا خاصا، هل تعتقد أن هذا النص استطاع تأكيد فرادته؟ الراهن واليومي ليس اختراعا حديثا، فالشعر العربي الجاهلي ذاته مليء بمفردات الحياة اليومية التي كان يعيش معها وبها الشاعر العربي، ويكفي أن أحيلك إلي معلقة امرئ القيس الشهيرة التي تزدحم أبياتها بالراهن واليومي بما في ذلك روث الإبل، وحتي في الشعر المعاصر سنجد في قصائد نزار قباني وغيره أشياء الحياة اليومية مثل النظارة والفستان والمقعد، الخ، لكننا يجب أن ننظر إلي هذه الظاهرة المصاحبة لها التي تكسبها خصوصية فريدة مثل المشهدية وإعادة الاعتبار للحواس كوسائل أساسية لاستقبال العالم واكتشافه بالإضافة الي استخدام المجاز الكناني كبديل للاستعارة، أعني النظر إليها باعتبارها جزءا من استراتيجية شاملة للكتابة.

إذن الراهن واليومي في قصيدتنا ليس ملمحا مجانيا، لكنه يجسد مع غيره من الملامح وجهة نظر إلي الشعر بحسبانه فن صياغة السؤال، ويجسد أيضا وجهة نظر إلي الحياة تري أن روح العالم تكمن في التفاصيل وأن الجزئي التافه بوابة وحيدة لولوج الكلي المقدس. كيف ننظر إلي دور المؤسسة الثقافية في إطار المساعدة علي إنضاج الواقع الشعري هل بالفعل نحتاج إلي لجنة لشؤون الشعر؟ إعادة النظر في دور وفاعلية المؤسسات الثقافية الرسمية في العالم العربي كله أمر واجب، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار غياب الديمقراطية بشكل عام، وتضاؤل دور الفرد في مواجهة الأنظـــــمة ذات الطابع الفاشي، والتي لن تسمح بطبيعة الحال بنمو ثقافة حرة وتعددية مناقضة لها، إضافة إلي تسرب الفكر الأصولي إلي أروقة هذه المؤسسات تحت لافتات براقة مثل المحافظة علي التراث، أو حماية تقاليد المجتمع.

وتكفي نظرة واحدة إلي لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة في مصر، كي تكتشف الهيمنة الكاملة للمحافظين عليها، بل إن هناك غلبة واضحة لأساتذة وخريجي كلية دار العلوم ذات الطابع المحافظ والتي حذر منها طه حسين في كتابه الأشهر مستقبل الثقافة في مصر، الأمر الذي أدي إلي الفضائح المتتالية التي بلغت ذروتها هذا العام بدءا من تمثيل مصر المزري في ملتقي القاهرة للشعر العربي في شباط (فبراير)، حتي حجــــــب جائزة قصيدة النثر في منتصف العام بحجة عدم ارتقاء الأعمال المقدمة إلي مستوي الجائزة، كي تعكس هذه الجريمة الأزمة الطاحنة التي يمر بها النظام والمجتمع.

في الحقيقة نحن نحتاج الي لجان شعبية من أجل مناهضة كل ما تصنعه لجنة الشعر، ومن أجل رفع التراب الذي أهالته علي المشهد الشعري في مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية