الشاعر لقمان محمد رشيد يعتصم خلف نزيف طوعي

حجم الخط
0

لقمان محمود قطع الشعر الكردي الحديث، أشواطاً مهمة في الإرتفاع بحداثة القصيدة الكردية، بما يشكل قيمة حقيقية للإبداع، الذي من شأنه فتح نوافذ الثقافة بعضها على بعض بين الشعوب، من أجل الإرتقاء بالثقافة الشعرية، التي تؤكد قدرة الشعوب على الحياة، وعلى الزهو بلغتها القومية. وعلى هذا الأساس سنمضي مع مجموعة ‘شجرة صفصاف في طريق عودتي’ للشاعر لقمان محمد رشيد، كاختيار مفتوح على كل الإحتمالات.ولعلّ اختلاف وظيفة الشعر ومصادره هنا، لم يُخرج الشاعر عن موضوعه المألوف، وهو الحب، ليبقى هاجساً مرافقاً لكلماته، وإن اختلف أسلوبه بعض الشيء في التعاطي معه، وتقديمه برؤية شعرية جديدة.وفي العودة إلى عنوان المجموعة ‘شجرة صفصاف في طريق عودتي’ سأُبقي الأشياء عند حدودها العينية، طالما ينظر إليها الشاعر من طرفٍ معلوم، قائم على تفعيل الحواس لالتقاط الإشارات التي يرسلها هذا التواصل، من خلال استبدال الذهني بالحسي، والعاقل بغير العاقل.وهي حيلة شعرية ترتكز في شروط تجليها على أرض الواقع. حيث لم يستطع الشاعر أن يتخلص من ضغط الحضور التاريخي الحزين لهذه الشجرة الطاهرة النقية، في قيمتها الرمزية المتجهة إلى الطبيعة الأولى، سوى بالانتقال من مفهوم التاريخ إلى مفهوم الذاكرة، وذلك بتبديل الرموز على إشاراتها الثابتة:في السابقكنتُ أكتب القصائدلنساءٍ عابراتألتقيهنَّ في طريق عودتي.أما الآنفأكتب القصائدلإمرأةٍ من الصفصافغير عابئببقية النساء، وببقية الأشجار.هذه القصيدة، كغيرها من قصائد المجموعة، مكتوبة بدون عنوان، كوسيلة مناسبة للاستمرار في مساحتها الخاصة، وتخليصها من عاديتها، ونقلها بإتجاه القصيدة ـ الديوان.وارتباطاً بما سبق، تقوم هذه القصائد مجتمعة على ابراز ذات الشاعر، بوصفها محور المجموعة الشعرية.أمام هذه الحقيقة، يبدأ الشاعر لقمان محمد رشيد من الرغبة في تفاصيل وجزئيات المشهد الحياتي، الذي ينتمي إليه، وهو بذلك يركّب حالة شعرية شديدة الانفعال، تعبّر لا شعورياً عن انجاز رغبة مكبوتة، تداعب نشوة القصيدة التي سوف تُكتب:يأتي الليلبكل ما في الظلام من خديعةفأنا من شعراء الصبر العنيفأعضُّ على سيجارتيأكثر مما أرغبكنشوة أبديةلقصيدتي العذراءالتي لن تكتب أبداً.إنّ أول ما يسترعي الانتباه في هذه القصيدة، هو أنها تخلق أنموذجها الخاص، لتؤدي وظيفتها الخالصة داخل أنساق تعبيرية جديدة، تتناغم مع ‘يوتوبيا’ الحلم، التي يستحيل الإمساك بها.ومن ذلك يفهم أن للشاعر رؤيته الخاصة للقصيدة – الحلم، بما يترتب عنها من صبر متسق بذاكرة العنف، وفق مستويات ‘العض’ ودلالاته المتعددة.في هذا الوعي الحسي، ينكسر مألوف اللغة، ويستحيل الواقع إلى واقع شعري:في آخر الليلثمة قصيدةتلمُّ كلماتهارويداًرويداًثمّ.. ترحل.لخصوصية هذه الحالة المسالمة، عالم كتيم، يعتصم خلف نزيف ‘طوعي’ تسببه جروح ‘الحب’ الخاضعة لعدة تأويلات، تأخذ أكثر من صيغة ودلالة. فالجروح هنا مباشرة وغير مباشرة، سافرة ومقنّعة، مادية ومعنوية، شاملة و محدودة، ذاتية يمارسها الشاعر على نفسه، وموضوعية تأتيه من الخارج. حيث يتوضح كل ذلك في هذا المقطع، من نفس القصيدة:طوبى لكِيا ابنة الخريفِها هو قلبيقد أصبح مزهريةوأنتِ فيه.طوبى لكِيا ابنة الحربها هو قلبيقد أصبح وطناًوأنتِ قائدته.إنه إبقاء للحالة الشاعرية في قلقها الرومانسي الشجي، المتمثلة في البعد الانساني، ذي اللحظات القليلة التي يستيقظ فيها الوعي، تلمساً للحقيقة، وكشفاً لأسرار الحبيبة.من هنا، فإنّ مجموعة ‘شجرة صفصاف في طريق عودتي’ قد سرّبت هذه الأسرار إلى كل قصائد المجموعة، لتتحول الحقيقة الشعرية إلى إمرأة أبعد من معناها الظاهري.هامش:الكتاب: شجرة صفصاف في طريق عودتيالمؤلف: لقمان محمد رشيدمنشورات: إتحاد الأدباء الكرد ـ فرع السليمانية 2011.*سكرتير تحرير مجلة ‘سردم العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية