الشاعر موسي حوامدة: دفعت الكثير من سنوات عمري لأتحرر مما تم حشوه في رؤوسنا من شعارات

حجم الخط
0

الشاعر موسي حوامدة: دفعت الكثير من سنوات عمري لأتحرر مما تم حشوه في رؤوسنا من شعارات

فاز بجائزة الريشة الفرنسية للشعر مؤخراالشاعر موسي حوامدة: دفعت الكثير من سنوات عمري لأتحرر مما تم حشوه في رؤوسنا من شعاراتعمان ـ القدس العربي : تدخل تجربة الشاعر الأردني / الفلسطيني موسي حوامدة الشعرية منذ سنوات قليلة الي مناطق جديدة تبعا لرؤيته المتبدلة للشعر ودوره، ولذلك القلق الوجودي الذي يتغلغل في أعماقه، وللخبرات الحياتية المتشابكة ،وهو يعترف في حواره الشامل هنا بهذه التغيرات الضرورية لاستمرار توهج الشعر والحياة معا، وحوامدة المولود في السموع جنوب الخليل 1959 فاز مؤخرا بجائزة لا بلوم ـ وهي الجائزة الكبري التي تمنحها مؤسسة اورياني الفرنسية ،وهو نشط جدا في مجال النشر الالكتروني ومتعدد في كتابته النثرية والشعرية، وقد تخرج في كلية الآداب من الجامعة الأردنية 1982، وأصدر في الشعر: شغب 1988، تزدادين سماء وبساتين 1999، شجري أعلي 1999، أسفار موسي العهد الاخير 2002، من جهة البحر 2004، وسيصدر له قريبا ديوان (للخديعة طعم الأبوة) الذي يتميز بغناه اللغوي وجموحه التخيلي وولوجه الي الفكر الانساني دون حدود، ضمن صياغات لغوية تبعث علي الدهشة، وفي مجال النثر أصدر من قبل: خباص الضايع حكايات ساخرة 1994، زوجتي ضربتني حكايات حب ساخرة 1999، حكايات السموع عام 2000، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين و اتحاد الكتاب العرب، وشارك في عدة مهرجانات شعرية عربية وأوروبية، وترجمت بعض قصائده الي الانكليزية والفرنسية والالمانية والرومانية والكردية والعبرية، والتركية.هنا حوار حول ديوانه الجديد الذي سيصدر قريبا وهواجسه الابداعية: لنبدأ من تجربتك الشعرية الجديدة المتمثلة في ديوانك الذي سيصدر قريبا للخديعة طعم الأبوة اذ لاحظت نقلة نوعية في المضامين والصور الشعرية وكأنها تشكل قطيعة مع دواوينك السابقة، فكيف حدث عندك مثل هذا التبدل ؟ أشكرك علي هذا الاطراء والاعجاب بالمجموعة الجديدة، وان كان هناك تبدل، فهو يأتي في سياق التجربة نفسها، وليس طارئا أو فجائيا، ولولا التراكمات السابقة، وحتي كل ما ينز من روح الشاعر من خطايا وأخطاء ومغامرات لما وصل الشعر الي مشارف جديدة.لكني مررت منذ عام 2000 بعدد كبير من التجارب الحياتية الطاحنة والتي ربما أثرت في تغير روح القصيدة عندي، كما أنني ابتعدت اكثر عن تجاربي السابقة، لا أعني أنني اتخلي عنها ولا أصنع قطيعة مع كل ما كتبت، حتي منذ مجموعتي الأولي الحماسية والمنفعلة (شغب)، لكنني أركض دائما الي المكان الذي لم أصل اليه، ولا أكتفي بزهو النهر، وسيلان الكوثر.دائما أفكر بأن القصيدة التي أود كتابتها لم أكتبها، وأسعي باستمرار للاقتراب منها، هل أقتنع ذات يوم أنني وصلتها؟ لا اعلم حاليا، لكني أعترف لك؛ أن روحي لم تقل ما تريد، ولم تقبض علي شيء مما يجيش فيها، وكل ما كتبته حتي اليوم، لا يشكل اكثر من شهب سقطت من سماء بعيدة، المشكلة ان النيازك لا تسلم نفسها للعين، ولا يمكن القبض عليها، وهي تسقط مشتعلة تاركة أثرا لمن يري، لكنها لا تعبر عن معاناة السماء، ولا تعتبر مقياسا لما يجول فيها من نجوم وكواكب وأقمار. لعلي أفلح في كل مجموعة أكتبها في القاء المزيد من الشهب التي تضايقني، ولا أجد نفسي في الرماد المحترق، أعرف أنها تقيم عاليا في مكان قصي، لم أملك حتي اللحظة مفتاحه السري، أو شيفرته السحرية (الكود نمبر)، لأحكم عليها بالهبوط الفوري والكامل، وأستريح، أو لعلي أنجح في اقامة علاقة تصالح معها، وفق شروط نتفق عليها، لكن تأبي السماوات أن تهبط، وما روي عن هبوطها محض ذكريات، أو أحلام جميلة، وربما لم تهبط أبدا كما تروي بعض الأساطير، لأن الهبوط هنا ليس شرطا لصداقة الروح بالطين، وخضوع الغيب لسياط اللغة. هل تندرج في السياق نفسه بعض تصريحاتك في عدد من الحوارات أنك اكتشفت أخيرا أن الشعر يقع في منطقة أخري غير التي امضيت سنوات طويلة وأنت تتقلب فيها ،ولا سيما في وظيفة الشعر الجمالية لا النضالية ؟ ربما تخليت عن بعض المفاهيم والرؤي للشعر، ولكن حين قلت أنني اكتشفت ان الشعر في مكان آخر، قصدت أنني كل يوم وكل ساعة اجده في مكان آخر، وليس معني ذلك كما فهم في تلك الحوارات، أنني قطعت صلتي بما كتبت او عرفت او شعرت، لأن مهمة الشعر ألا يقف علي أرض صلبة، وحين يفعل تكون نهايته الحتمية. لكنني لا أصل الي الرضا ولا الي القناعة، لا بالشكل ولا بالمضمون، ولو اني أستطيع شق صدر الكلمات لفعلت، لأن التمسك بأهداب تعريف محدد للشعر، كما يحاول البعض كارثة حقيقية، وهو رجعية وتقليد جديد، يضاف الي حزمة التقاليد البالية التي يجب الخروج منها. وقد لاحظت ان الذين يدافعون عن حرية الشعر، وضرورة التغيير، وخاصة ممن يؤمنون بقصيدة النثر يؤسسون لنمط جديد من التقليدية دون ان يشعروا، فليس الركون الي نموذج انسي الحاج مثلا، هو الوصفة الصحيحة لكتابة قصيدة نثر، وليس ابتذال الشعر الي درجة مهينة لائقا بشعرية يانيس ريتسوس، وليس شرطا صحيا ان أقف عند نماذج وتعريفات سوزان برنار لأكتب قصيدة جديدة، فكل معيار أو نمط او شكل او نموذج يحاول البعض ترسيخه، لا يعدو في نظري كونه حبلا جديدا يضاف للحبال الكثيرة التي تلتف حول جسد الشعر، كما ان انكباب الاعلام علي نمط شعري، معين واسماء شعرية محددة، ينضاف لنفس الممارسات الديكتاتورية التي تنصب من نفسها محاكم تفتيش واقصاء من نوع آخر، ولهذا أؤمن الا نموذج يقنعني، والا عتبة نهائية للقصيدة، ولهذا قلت أنني اكتشفت كفعل ماض، وانا أعني انني اكتشف دائما أن الشعر في مكان آخر، حتي هذه اللحظة ليس هو ما كتبت حتي في مجموعتي الجديدة التي قرأتها أخي يحيي قبل النشر، هذا من جهة ومن جهة مختلفة فانني دائم التمرد حتي علي ما اكتب، ولا أتشبث بنص او شكل وان رضخت لما وصلت اليه، سأجد نفسي قد صرت تقليديا، لا افعل ذلك لأنني اخشي التقليد، أو أخاف جيل الرواد او الاسماء اللاحقة، بالعكس قد يكون بعضهم افضل مني، لكني من داخلي لا أقبل ان اكون موظفا، حتي لدي قناعاتي المؤقتة، فربما أغيرها غدا، فأكون قد دافعت اليوم عن شيء أتخلي عنه غدا، ولا أخدم في معسكر معين لاقدم التحية العسكرية للمارشات الشعرية. لذلك أثور علي نفسي ولا ارضي عما اكتب، حتي لو راق للبعض احيانا، فليست مهمتي ان اقدم نموذجا يحتذي، بل أسعي لتحريك الحجر من مكانه والتاريخ من اكاذيبه، والنفس من شعور الغرور، والذائقة أعني ذائقتي علي الأقل، من اعجاب الطواويس بريشها المزركش. من الملاحظ في قصائدك الجديدة ذلك القلق الوجودي والانفتاح علي التجربة الانسانية بعمومها بعيدا عن الانغلاق القومي أو الاقليمي أو السياسي فهل يمكن القول بأن أفكارك ونظرتك للحياة قد شابها التبدل أيضا تجاه مسائل مصيرية؟ كنت ضحية للكثير من المفاهيم التي سيطرت علي عقولنا، سواء بما كانت تطرحه من شعارات قومية او وطنية أو اسلامية، وأعترف انني لم ادرك حقيقة المصائب التي وضعنا فيها الا لاحقا، ذلك أنه تمت ملاحقتنا وفق ديكتاتوريات حزبية وسياسية مسلحة، ليس بطرح شعارات بل بتجنيد كوادر مؤهلة لسحقك واتْباعَك دون ارادتك لها، وقد سوقت لنا تلك الجهات ليس الشعارات القومية او الاقليمية المتخلفة، ولكن حتي النماذج والاسماء الأدبية كان من الصعب ان تفكر بينك وبين نفسك بتفاهتها وتفاهة الانجرار وراءها، لم نمنح الفرصة للتفكير. وكأن فلسطين لا تكون فلسطينك أو لا تكون انت فلسطينيا، الا بالايمان بالكثير من الغوغائية التي داهمتنا، وكأن العروبة لا تكون الا تبعية وهمجية وشعارات وصراخا، وكأن الشيوعية لا تتحقق الا برفع شعارات الحزب، والراية الحمراء فوق معايير الادب والجمال، ونفس القضية تنطبق علي كل التيارات، التي سادت الساحة من بعثية وقومية وناصرية ويسارية واسلاموية. كان علي أن ادفع الكثير من سنوات عمري لأتحرر من كل ذلك، ولكي أري أن فلسطين بلد مثل بقية البلدان، وأن شجر الزيتون ليس اجمل أشجارالعالم، وان العرب امة ليست افضل من غيرها، وأن العروبة ليست منزهة عن النقد وأن كل ما تم حشوه في رؤوسنا ليس اكثر من اكوام من الشعارات، جعلتنا عبيدا لما يريده السياسيون، لا ما يريده الأدب الحقيقي او الفن او الحياة نفسها، وحين ابتعدت عن الدائرة وعن تلك الديكتاتوريات وجدت أن الحياة اكبر من ان تعتقل في شعار او عقيدة أو فكرة، حتي لو كنت تحب بلدك، أو تريد لها التحرير او الحرية فذلك لا يعني أن لا تري في الكون سواها، بالعكس حينما تنظر الي البشر كافة سوف تجد أن عذاباتهم تفوق عذاباتك ومعاناتهم اكبر من الجغرافيا واللغات، لهذا تخليت عن الكثير من الوهم، الذي جرعنا اياه صغارا وظل يرفض الخروج كأنه جني لزج لا يريد تحريرنا.هل يعني هذا أنني تخليت عن مسقط رأسي؟ وحتي لو فعلت فلست مجرما، هل يعني انني لم اعد أؤمن بشعارات التحرير والمقاومة؟ ربما لكنني لا أريد أن يجف النهر بسببي، وحين يعلن الآخرون عزفهم عن الشراب فربما يكيلون لي التهمة.لذا اسمح لي وفي هذه اللحظة ان أهرب الي اقاصي العالم واري جراح الاخرين وآلامهم، ودعني ألتفت الي زوايا جديدة لم أرها من قبل. ولعلي أمضي في هذه الغاية أفتش عن غابة جميلة في المغرب، أري منظرا ساحرا في اليونان، أشعر بما عاني مصابو تسونامي وزلزال الفلبين، وجوعي افريقيا ومرضي الايدز فيها، ولا يجوز لي ان أحصر الألم في جرحي فقط، فكل دماء العالم حمراء، وآلامهم واحدة، واحساسهم الشعري واحد، وان اختلفت الترجمات والرطانة. في ديوانك أسفار موسي العهد الأخير انشغلت بمقاربة بعض النصوص الدينية التوراتية لبناء نص شعري نقيض لها فالي أي مدي تري أن هذه النصوص قد ساهمت في تبديد وهم ما أو فعلت شيئا مؤثرا لمتلقيها؟ ذهبتْ فلسطين وشعبها ضحية للميثولوجيا القديمة، والتي أوهمت قوي الاستعمار الغربي والكثير من اليهود أن الرواية الأدبية، لا بد أن تملك ارضا واقعية علي سطح الحقيقة، ومن حقها استلاب الآخرين بيوتهم وأرضهم ووطنهم، ولهذا لا بد من العودة للجذور، ومحاولة تعرية الأسطورة القديمة، وكان لا بد من تصويب وضعها الأفقي علي أرض الواقع، فليس تَديناً ان أخطف معتقدات قديمة، من شعوب متفاوتة وأجمعها كلها في قطعة أرض محددة وصغيرة، لترفع الميثولوجيا عينها في وجه الشمس. لا يمكن ان تكون الروايات التاريخية مزيفة ان لم نجسدها في رقعة جغرافية، ولا يمكن ان تكون الفكرة او العقيدة صالحة الا اذا حرسناها في غيتوهات، أو مناطق مسلحة، وطوقناها بالحراب، هكذا يصبح الأمر اغتصابا وليس دينا، وهذا ما سعيت الي تحطيمه في تسمية كتابي بالعهد الاخير، حيث حاولت ان أقيم لي كفلسطيني منفي وعدا مختلفا وكتابا بسيطا قد يكون كتابا شخصيا لكنه بلا جغرافيا، فهل من حق الكتب والروايات أن تمشي علي سطح الأرض، وأن تقيم لها دولة ومعماراً، أم أنّ الدين والأدب أوسع من السياسة والمنازعات اليومية؟ لكن هل تبدد الوهم؟ أظن أنه لا يمكن أن تطغي عريشة عنب صغيرة، علي قلعة توراتية ضخمة، أو بناية عملاقة، رُوِّج لها منذ مئات السنوات بل آلافها، وسُوقت تاريخيا وسياسيا، وضختْ وسائل اعلام عملاقة الحياة فيها، علي مدار سنوات، وشُيِّدت علي اثرها أديان وسياسات وفلسفات وكتب سماوية ووضعية، وحفرت عميقا في الوعي الديني لبلاد الشرق والغرب، أن تساهم مجموعة شعرية يتيمة في تبديد شيء من ذلك الوهم، أو خلق ثقافة جديدة، كما أنني لم أقدم بحثا علميا لنقض تلك الأساطير، بل نظرت لها نظرة شعرية، ولا يمكن أن تساهم هذه النظرة البسيطة بتبديد الوهم الجاثم علي ترابنا، وفي عقول أكثرية العالم.لكن لا تكتب الكتب لتحقيق فائدة سياسية أو ربح تجاري فوري، يكفي ان تقتنع بشيء ما وتكتبه، حتي لو لم يقتنع بفكرتك احد، عليك ان تكتب ما تؤمن به، وتترك الباقي لظروف اكبر منك، ومن أمة تكتب بلغتها، لكنني فعلت ما يمكن ان يفعله طائر الحكمة. هل نترك الحُكم جانبا ونعترف ان الأثر التوراتي في الآداب العالمية وحتي العربية كبير؟ وان كنت لا أتضايق من ذلك من باب جمالي، لكن الأثر السياسي السلبي وقع وما زال يقع، علي بشر ضعفاء ومساكين مثل الشعب الفلسطيني، أمّا أنني متضايق لانه موغل في التراث الانساني، فلا اجد في نفسي الكراهية الكافية لقول ذلك، ليكن موجودا، شريطة ألا يغمطني حقي في تنفس الاوكسجين، بلا مواعظ او وصايا، أو مصادرات تبدأ من مصادرة الجغرافيا واستلاب التاريخ والعقل.التقاه: يحيي القيسي0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية