الشاعر نضال القاسم: القصائد لا تهبط على الشعراء من السماء!

حجم الخط
0

أجرى الحوار: عمار الجنيدينضال القاسم، شاعر وناقد أردني، من مواليد عمان عام (1970)، عضو رابطة الكتاب الأردنيين والإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، صدر له في الشعر: (أرض مشاكسة، 2003)، (مدينة الرماد، 2005)، (كلام الليل والنهار، 2007)، (تماثيل عرجاء، 2009)، (الكتابة على الماء والطين، 2012). نال جائزة الدولة التشجيعية للعام 2006م عن مجموعته الشعرية الثانية ‘مدينة الرماد’، وجائزة الأديب اللبناني ناجي نعمان عن مجموعته الشعرية الرابعة ‘تماثيل عرجاء’ للعام 2008. * كيف ومتى داهمتك القصيدة لأول مرة؟*أنا ذهبت إلى الشعر العربي والعالمي قبل أن أعرف الشعر الأردني، اكتشفت بعد قراءاتي لبعض الشعراء الأردنيين وخصوصاً جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات أنهم استفادوا بشكل واضح من الشعراء العرب بل هناك من كرر هذه التجارب. لهذا فضلت أن أستفيد من النبع وليس من المجرى رغم خصوصية بعض شعرائنا. بدأت الشعر منذ أن وعيت العالم من حولي وأدركت علاقتي بالقراءة، وتأكد في داخلي أن الشعر ممارسة قبل الكتابة، فلا أستطيع الكتابة إلا من خلال تجربة وهي التي تقودني إلى الورق الأبيض وأحاول تشكيل نفسي من خلال الكلام. زمنياً بدأت الكتابة في أواخر الثمانينيات لكنني بدأت أنشر بشكل فعلي مع مطلع التسعينيات، وربما عشقي للشعر هو الذي يجعلني أندفع برغبة صادقة نحو الحياة، فلا أتصور حياة بدون الشعر كما لا أتصور العكس تماما. * لماذا الشعر؟. . وماذا يعني لك أن تكون شاعراً؟. . وماذا تعني لك القصيدة؟. . *أحببت الشعر مرضاً دافئا أتحمل طعناته وخساراته لأنه يقول ما يعجز عنه الكلام. فالشعر فن راق ٍ مهمته التعبير عن المشاعر الإنسانية، وليس لهذه المشاعر زمان ومكان محدَّدان. والشعر عندي ليس مجرد مشروع في الثقافة أو لغة للروح أو مجرد نزوة تورطت فيها، فهو هذه الأشياء مجتمعة إضافة إلى كونه هو الحياة بالنسبة لي، وهو نور خافت يشعرني بالسكون والصخب في آن واحد. انه انتصار لقيم أقلها إحساس عميق بالآخر وذوبان في الذات وأبعدها تحليق نحو آفاق لا نهاية للجمال فيها. . . لا يعني لي الشعر أكثر من الحياة. والشعر عندي هو جوهر الثقافة وليس مجرد مشروع، كما أنه روح اللغة وليس فقط لغة للروح، وهو الورطة اللذيذة في نزوة الحياة التي ليست عابرة على الإطلاق. وأما القصيدة عندي فهي الأداة الأقصر والشكل الأمثل للتعبير عن شيء ما كبير يعتمل في الأعماق. * ماذا عن طقوس القصيدة عند نضال القاسم؟. . *كما لا يُسأل البحر والنهر عن أصدق قطرة فيهما لا تسألني يا (عمّار) أن أحدد أسلوب كتابتي وطقوسها. وفي الكتابة الشعرية لا يمكنني الحديث عن ‘نسق’ ما أو عادة فثمة قصائد ‘إجترحتها’ بصعوبة وجهد كبيرين، فيما قصائد أخرى من أحبّها إلى نفسي كتبتها خلال أقل من نصف ساعة، لقد فعلت ذلك وكأنني أعرفها وأحفظها عن ظهر قلب وما عليّ سوى تسجيلها على الورق. في السنوات الأخيرة أصبحت أكتب الشعر مباشرة على الكمبيوتر وهي حالة لا يزال كثيرون يرفضونها. أنا ‘بوهيمي’ في كتابتي ولست مع الطقوسية الصارمة في الحياة والكتابة، رغم أنني أعتقد أحياناً أن الطقوس مفيدة وضرورية. وقد تمر شهور لا اكتب فيها كلمة واحدة، لكني لا أكف عن سماع ‘الأصوات’ في رأسي. وعندما اكتب المراحل الأولى للقصيدة، أحب ان لا أكون وحيدا. وأفضل ان اكتب في الخارج، في المقاهي مثلاً، أو في المكتب، فرغم الضجيج أعزل نفسي، ويمنحني الصخب إحساسا بالحياة التي تجري حولي، وهذا ينعكس إيجابا على لغة قصائدي. ولكن عندما يصل الأمر الى مرحلة كتابة القصيدة بشكلها النهائي، فيجب الانعزال. آنئذ أجلس في غرفة وأشقى. القراء يظنون ان القصائد تهبط علينا من السماء. الأفكار طبعا مهمة، وكذلك الإلهام والموهبة، لكن الأهم هو الجلوس والعمل. الكتابة عمل حرفي يتطلب الكثير من الانحناء والصبر. وهو يتطلب أيضا مخيلة سينمائية! * المرأة في الحياة هل هي كما في الشعر؟*دائماً يلاحقني هذا السؤال! ولا أدري لماذا هذا الموضوع يطرح باستمرار؟! وبصراحة، فإن المرأة في حياتي لم تقم بالدور الذي كنت انتظره منها تجاهي، مع أنني ومنذ حييتُ أنظر للمرأة بانبهار زائد، وأقدّسها وأُعلي من مقامها، ومازالت تدهشني، وما زلتُ أراها مختصراً للجمال في الكون، ولذلك غصَّ شعري بالغزل بها والتغني بجمالها منذ البدء وحتى الآن، وفيها كتبتُ أجمل قصائدي، بل ربطتُ المرأة بكل شيء في هذا الكون، وربما عددتها سراً له، أو منه، أو به، وربما عددتُها سري الأعظم. !. ولا شكَّ في أنني – إذا عزَّت الأوطان- أجدُ في اللجوء إلى المرأة في شعري موطناً هانئاً للهرب. * عندما نقرا قصيدة نضال القاسم، هل يمكن أن نقرأه إنسانيا فيها؟ *القصيدة لغة مذهلة تنبجس بمنتهى غموضها من النبع الذي لا يني يغذي وجدان الكائن وحياته، وهي أيضاً شكل تواصليّ بين ما هو أرضيّ وما هو صوت عظيم هو صوت ما بين الحنايا. ولقد بحثت في التجارب الحديثة للشعر نظرياً وتطبيقياً فوجدتُ أنني أنتمي إليها على نحو ما ولذلك كتبتُ في هذا السياق. ولكن كتابتي في هذا السياق ظلت أيضاً، كما أراها ويراها نقاد آخرون تتمتع بخصوصية معينة هي أنها مشدودة إلى بيئتها الأولى، الى جغرافيتها المكانية والروحية الأولى. ومع ذلك، فإن المتبحر أكثر في قصائدي يستطيع أن يشم تلك الرائحة الإنسانية التي تتحدث عنها والتي تزكم نصي. * هل سار بك الشعر إلى حيث لم تكن تريد؟. *كثيراً ما أسأل نفسي هذا السؤال ولا أصل الى إجابة بل أجدنى أمام مجموعة من الأسئلة الجديدة. أحياناً أكتب دراسات نقدية من أجل أن أمرِّن يدي على الكتابة الدائمة، وأحياناً يكون لدي مشروع لقصيدة أو مسرحية. المهم أن كتابتي تتركز فى الشعر وحول الشعر ولا أريد كتابة غير ذلك بل أن الشعر هو وطني وفضيحتي واختياري ولا أستطيع الحياة بدونه. ثمة مشوار شعري لا بأس بخطواتهِ المنهِكة، أظنني مشيته، غير مكابر، ببطء، وكلما افترضت أنني أسير في الاتجاه الصحيح أجد ذاتي الشاعرة أمام منعطفاتٍ تلد اتجاهات جديدة تشدني إليها. لا أُشهدني بأنني عرفتها، ولا أَعرفني بأنني ضللتها. إنما، عموماً، لا أجد مبرراً للندم الكبير. وأزعم أنني لم أفعل شيئاً يتنافى مع قناعاتي وأحلامي وهواجسي وضميري. واعتقادي راسخٌ بأن نضال القاسم يطمح ان يؤسس مرتكزات شعرية يأمل أن تليق بتجربته، وهو متأخر دائما لأن خطاه دائما بطيئة على الطريق، إنه ببساطة لا يخطو إلا بوثوق كامل بضرورة الخطوة القادمة، ولا يفعل هذا إلا إذا كان مؤمناً بأن هذه الخطوة ستضيف جديداً لرصيده الإبداعي. * هل سرقتْ القصيدة منك شقاوتك؟. . *نعم أخي عمار. ربما تكون القصيدة قد سرقت شقاوتي، ولكنها في الوقت ذاته منحتني الرغبة في الحياة وأخذتني معها إلى تلك العوالم المسحورة المليئة بالسحر والدهشة والجمال. * لمن تقرأ؟.*ماذا اقرأ؟ ولمن أقرأ؟ أسئلة لم أطرحها على نفسي من قبل، لكنني أستطيع أن أقول لك بأن قراءتي تتعلق فى ما يفيدني من خلال الشعر وممارسته وهي متعددة فى الأساطير والمسرح والنقد والرواية والقصة القصيرة والشعر. أحياناً أحدد قراءتي عندما أشتغل على بحث معين وهذا يتيح لي الأطلاع على كتب لا أفكر احيانا بقراءتها او قراءة اجزاء منها ولكن متعتي في قراءة السير الذاتية والأساطير والروايات، وأجد متعة كبيرة فى قراءة النقد الأدبي الحديث كما أحب قراءة التاريخ. * ماذا أعطيت الشعر، وماذا أخذت منه؟. *تزخر أمطار كتابتي بغيوم ترفد من عقلي ولوعة قلبي الطافح بالحرمان والأسى. وبرأيي أن كل كتاب أصدرته يشكل بالنسبة لي محطة جديدة. . كل كتاب يشكل بصمة، وكل الكتب تكمل بعضها لتشكل ملامح نضال القاسم. ويثير إعجابي كم كان فعل الكتابة لدى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا مجانيا. ما أريد أن أربحه أنا من الأدب هو فضاء حريته اللانهائي. الأدب هو ما يحول دون تحوّل الناس الى نباتات، تولد وتعيش وتموت بلا معنى. وأهم ما في فعل الكتابة صدقه، أي ألا يكون خاضعا لضغوط اجتماعية او تاريخية مثلاôأنا شاعر مقل كثيراً حتى أنني لم أنشر إلى اليوم سوى أربع مجموعات شعرية فيما وصلت أعمال أبناء جيلي إلى أكثر من ذلك بكثير، ولست نادماً بالتأكيد، ومع ذلك أرى الشعر حالة تأتي وتبتعد وأحاول القبض عليها بكل ما أوتيت من قدرة. أنا لا أستطيع العيش بلا شعر أو كتابة نقدية أفرغ فيها عصير عقلي ولوعة قلبي. * عندما لا يمت تخصص المبدع الأكاديمي للإبداع الأدبي من الذي يستفيد من الآخر، وكيف؟. . * الإبداع الأدبي هو المستفيد الأول والأخير في هذه الحالة. وفي الشعرية العربية المعاصرة فإنني أرى أن القصيدة قد استفادت كثيراً من التخصصات المختلفة للمبدعين، مما شكَّل من وجهة نظري رافداً معرفياً أسهم في تطوير القصيدة والإرتقاء بمستواها. * فازت مجموعتك الشعرية الرابعة (تماثيل عرجاء) والصادرة عن دار البيروني للنشر والتوزيع بجائزة مؤسسة ناجي نعمان اللبنانية، ماذا يعني لك هذا الفوز؟. *الجائزة تتويج لأعمالي وهي ليست لي شخصيا. إنها ليست لشخصي. أنا الآن لست ُ أفضل ولا أسوأ حالا ً البتة. إن الفوز شيء جيد، إنه شيء جميل، إنما لا يغير أي شيء بالنسبة لي. باطني هو الكتابة. كوني أستطيع الاستمرار. والجوائز مؤشرات وليست مقاييس، هكذا أقول دائماً، وإن فوز أي شاعر بأية جائزة لا يعني أنه الأفضل، ولكن هذه الجائزة أو تلك تشير إلى أن هناك شاعراً في هذه الساحة الكبيرة ما زال على قيد الشعر. *هل أخذت تجربتك الشعرية حظها من النقد؟. *شعراء التسعينيات كانوا محرومين من أيادي النقاد المتخصصين بدراسة وتقييم نتاجهم استنادا الى نظرة موضوعية لمنجزهم الشعري، بل ان بعض المتفيهقين بالنقد كان ينظر الى الشاعر حسب بعده وقربه من سلطة المركز. ولم يكن هنالك نقد أصلاً على شعري، لكن ثمة كتابات كانت شفافة وجميلة. أما كثيرٌ مما كتب فلا يرقى إلى مرتبة النقد بأبعاده وأدواته، وهناك بعض المخاوف تراود النقاد وتمنعهم من تناول قصائدي بسبب تناولها السياسي، وأيضا هناك بعض المواقف المتحاملة علي من بعض النقاد. لقد كتب عني الكثيرون، ولكنها ليست الكتابات التي اطمح اليها. ولا أقول أنهم درسوا تجربتي الشعرية حتى الآن ففيها الكثير من الرؤى ولكن يبقى المستقبل كفيلاً بدراسة تلك الاضاءات التي تركتها شاعراً وناقداً طوال خمسة عشر عاماً متواصلة. وبالنسبة لي، فإنني اؤمن إيماناً عميقاً بأن المستقبل هو الناقد الأكبر لكل مبدع حقيقي، وإذا كنت استحق الانتماء الى المستقبل فإنني سأبقى بقوة الإبداع الحقيقي، أما إذا كانت قصائدي لا تملك القوة التي ترفعها لتقذف بها في سماء الخالدين فإنها ستموت في منتصف الطريق. * تثار بين الفترة والأخرى قضايا منع الكتب وملاحقة الكتّاب والمبدعين؟ *إن حرية المبدع حق أصيل لا يُمسّ، وإن كبح هذه الحرية هو تخريب لروح المبدع. وفي رأيي المتواضع أنّ التخلّص من الرقابة لا يكون بالهروب منها، بل بمواجهتها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فالهروبُ يشجِّع السُّلطات على المزيد من الرقابة والمنع والقمع والاستئساد على المجتمع. والأهمّ أنّ التخلّص من الرقابة لا يكون بتنازل الكاتب / الفنّان لمصلحة تلك السُّلطات، بل بالإصرار على موقفه، احتراماً لعمله ولرسالته (هذا إنْ كان يؤْمن برسالةٍ ما)، وتشجيعاً للكتّاب الآخرين على ممارسة الشجاعة والحريّة والاجتهاد، وليس على أرباب الأدب والفن الا ان يجاهدوا بضراوة للحفاظ على الضوء باقيا والشمعة مشتعلة. * لماذا لا يترك الشعر الأردني آثار بصماته على خريطة الشعر العربي؟.

إن تجربتي إضافة الى مجموعة من الشعراء والشاعرات تقف بندية مع الأصوات الحقيقية في الشعر العربي، وهي تجربة أسهمت في خلق اسلوب جديد ولغة جديدة للشعر الأردني والعربي. لقد قدم الأردن عموماً، الكثير من الأسماء اللامعة التي تركت آثار بصماتها على خريطة الشعر العربي. ودون أن نذكر تلك الأسماء، فهي مازالت قامات عالية وهامات مرفوعة يشهد لها المشهد الشعري الأردني والعربي. والأدب الأردني بخير كما أراه اليوم. فالتجربة الشعرية الأردنية باعتقادي لا تعاني أزمة، أما عن التعتيم والإهمال فثمة أسباب عديدة يمكن تناولها، قد يكون أكثرها أهمية عامل التسويق الإعلامي، وقد تكون هناك أسباب سياسية، أقول قد. . ولا أجزم، من يدري؟ ربما! * لماذا يطلب الشاعر من المتلقي أن يرتقي لمستواه؟. . *ينبغي على القارىء الذهاب الى ما وراء اللغة، وتحطيم الأشكال السائدة في القراءة. يجب أن يرتقي بمستواه حتى يصل إلى مستوى النص الإبداعي وليس العكس، وأنا دائماً أدعو المتلقي لقراءة أعمالي الشعرية، قراءة محبة، فالحب والمعرفة العميقة هما جوهر القارىء الحقيقي. أنا لا أطلب ولم أطلب من أحد أن يرتقي لمستواي، ما أطالب به هو القراءة العميقة لأعمالي والمحبة الصادقة فقط لا غير. * لماذا تبتعد القصيدة كثيراً عن ممارسات الشاعر اليومية؟. . *يمر الشعر العربي بتحوّلات وهذا طبيعي، بل مطلوب ومنطقي، وعلينا أن لا نفقد التوازن في متابعته، مثلما علينا أن نقشر عن أرواحنا كل ما يعلق بها من غبار الترحال الدائم في دروب القصائد. وفي الشعر ثمة روح أزلية عظمى تتساكن في اللغة يستمد منها الشاعر ُ حقيقته في الوجود، وهو بين ما كان من الشعر وما سيكون واقعاً في المنتصف. . . بما معه من معارف وخبرات يبحث دوماً عن نفسه. . ومؤسساً لكينونته في اللغة. وبالنسبة لي فإنني لا أرى أن قصائدي تبتعد عن ممارساتي اليومية، بل إن ديواني الجديد (تماثيل عرجاء) قد جاء طافحاً بالحيوية الشعرية والجماليات الفنية العالية، خصوصاً وأنه قارب مشهداً لا يزال ملتهباً في فلسطين والعراق، وجاءت مقاربته طالعة من الروح. * لماذا يهتم الشاعر بخراب العالم بينما بيته ينهار فوق رأسه؟. . *إننا جميعاً شركاء في هذا الخراب، ونحن الآن بين فكي رحى، ما بين هارب من الداخل، وداخل من الخارج، صف يصفّق للخراب، وصف وجد أن الوقوف على التل أسلم، ولم يجد بداً من البكاء على الأطلال، فيما تطوّع صف ثالث للدفاع عن كرامة الأمة. ولأن الشاعر كلمة، وموقف، وجب عليه أن يقول كلمته بصدق، فالكلمة كما يرى ماياكوفسكي هي القائد الأعلى لقوة البشر. وإن من تحصيل الحاصل أن يكون الأديب عامة والشاعر خاصة ضمير شعبه ووطنه وأمته فهو بشكل تلقائي وعفوي وتربوي وميراثي ملتزم بهموم أمته لتحقيق أهدافها في الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية ووحدة الصف وبناء المجتمع الحضاري المنشود. وهو من عداد الطليعة المكافحة لصنع المستقبل المزدهر، وهو أجدر الناس بحمل رسالة الالتزام السامية. ويمكن أن تكون للقصيدة سلطة كبيرة، يمكن بموجبها لو أنها سخّرت لما هو بناء، أن تتحوّل إلى سلاح قويّ لمجابهة الرؤى السوداوية لهؤلاء المجانين الذين يتحكّمون في مصائرنا. * متى يصبح الشاعر عالمياً؟*الشعر أكبر من الجغرافية المحلية وإن كان ينطلق منها لأنه يتحدث بلغة إنسانية، والخصوصية تنطلق من تجربة الشاعر وليس من تجربة المكان مهما كانت الاستفادة من المكان الذي يعيش فيه الشاعر. والطموح إلى العالمية طموح قديم عرفته البشرية في الأديان والثقافات. وبفضل ما يمتلك الشاعر من خصائص ومهارات فنية، تتمثل في تصويره بيئته، وتعبيره عن قضايا تهم الإنسان، فإنه قد يحقق غايته في الوصول إلى العالمية والتي ستحقق له بالضرورة انتشارا واسعا، وشهرة كبيرة. وقد يصبح الشاعر عالمياً إذا استطاع أن يكون مناضلاً في شعره ومدافعاً عن قيم الحق والحرية والكرامة والعدالة الإنسانية. وأما وسيلة تحقيق العالمية فهي الترجمة في المقام الأول، وإن كان ثمة خلاف كبير حول جدوى الترجمة، إذ كيف يمكن درس نص بغير لغته الأصلية؟ لأن الترجمة تفقد الأدب كثيرًا من خصائصه الفنية، ولا سيما الشعر، ولكن يبدو أنه لا بد في المحصلة من الترجمة. * حدثنا عن جديدك. *لا تنضج القصيدة إلا على نار هائجة، لا هادئة، في نفس الشاعر، فإذا تصالح الشاعر مع نفسه هدأت تلك النار، وضمرت القصيدة، أو ضعفتْ. أما الجديد فهو ديوان ‘ الكتابة على الماء والطين’ والصادر حديثاً عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمان. إنه كتاب حملته طويلاً في روحي قبل أن يولد. قبع ردحاً من الزمن على مكتبي وداخل دفاتري وفي لاوعيي قبل ان أقرر إخراجه الى النور. ثم عندما نضج الصوت شرعتُ في كتابته. كانت المادة الأساسية موجودة في شكل ملاحظات، منها المكتوب ومنها المحفوظ غيباً، وقد ألقيت بجزء كبير من المدوّنات والمذكرات التي كانت في حوزتي عندما شرعت في العمل على المجموعة، كما أمليت مقاطع كثيرة منها كانت تنتظر بصبر في ذاكرتي، لذلك يؤدي الصوت دوراً مهماً في هذا العمل في شكل خاص، لأنه قائم على تقنيات صوتية إذا صحّ التعبير، وعلى كتابة ‘شفهية’. . في (الكتابة على الماء والطين) أروي حكاية إذاً بصوتٍ عالٍ، ولذلك جاءت المجموعة الشعرية مستندة في تكوينها في الدرجة الأولى الى منطق المونولوغات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية