الشاعر هو قصيدته

حجم الخط
0

عناية جابر

فرحت لفوز الشاعر السويدي توماس ترنسترومر كما لو الشعر الذي يعنيني هو الفائز. يُقارب ترنسترومر الشعر في صيغة مدهشة، تقترب أن تعتبره السحر الإيحائي الذي يحتوي الشيء والموضوع في آن، العالم الخارجي للفنان، والفنان نفسه. أكثر من ذلك، في تأكيد أشد ّ على الشعور بالإنصهار، بالتطابق بين الشيء والموضوع، كما لو الطبيعة تفكرّ من خلال الشاعر، وهو يفكرّ من خلالها. هذه الرحابة للـ’أنا’ سوف تساعد عليها أجواء الكون، ففي مشاهد الطبيعة عند ترونسترومر وفي قلب الحشد المتنوع للصور في أشكالها، يحس الشاعر بشخصيته تتضاعف، وهو ثمل من المشاركة الكونية، وروحه منبسطة، روح جمعية تبكي وتفكرّ وتأمل وتأسى وتتنبأ أحياناً. وعلى نحو متبادل، فعندما يعبر عن شخصيته الخاصة من خلال المشهد العام وصداماته وجماله وشكوكه، فإنه يعبر عن الروح الحديثة بكل تعقيدها كما صاغتها حياة الأشياء المحمومة، وأسرارها. يقترح ترنسترومر على قارئه مظهرين متشابهين ومتوافقين، هما تعرية روحه، وتعرية روح الطبيعة. وما يجب التأكيد عليه هو الأسلوب الشديد الوعي ـ والقصدي تماماً-، الذي هدف الشاعر الى تحقيقه في شعره، هو ‘رصد’ الطبيعة ان صح التعبير. فدواخل الشاعر في قصيدته، لايمكن إدراكها بدون المشاهد الطبيعية التي تتكىء عليها وتسندها. تشعر فعلاً لدى قراءته، بحريته اللا متناهية حيال ما يكتب، وجرأته الكاملة في اختيار مواضيعه الغريبة، ليست استخفافاً أو لامبالاة بقرّاء شعره، بل على العكس، هي احترام لهم ووّد، لأنه يسمح لهم مشاركته تلك السباحة في العالم الفسيح، وذلك التناول لتفاصيله اللائقة للشعر لأكثر ممّا تليق به الأفكار الكبيرة.

أريد أن أقول أن باقات قصائد تونسترومر ذات المظهر المتأمل والمتنّوع، تجري في خط مستقيم (وإن متأمل) هو قصد يدعمه شعر حديث ومتبتّل ذي جوهر إيماني، يحدّد مفهومه لا بنية قصائد الشاعر فحسب، بل التعبير والشكل المستخدمين أيضاً. إنه القصد الحداثي الذي يجب التأكيد عليه أولاً، فهو الذي يقود استخدام ترونسترومرالنثر كأداة فعلية، موصلة للقارىء، وتخدم الغاية من اللعبة الشعرية. في: ‘يترّنح النهار’جامدة، ترصد النملة العدم، تتفحّصه، والعدم يُسمع، خلف قطراتورق الشجر المظلم وهمسات شعاب الصيف الليليةشجر التنوب منتصب، كبندول الساعة، ومسنن. تشتعل النملة في ظل الجبل.

صراخ عصافير! وأخيراً، ببطء، إنطلقتعربة الغيوم.

ترونسترمر في قصائده، في الموسيقى المصاحبة في تمام تألقها، يريد أن يكون المتسكع الكامل في الطبيعة والناطق بلسان كائناتها وأشيائها، في مطاردته للجمال المقيم والعابر في الحياة الشاسعة. إنجاز مثل قصائد هذا الشاعر، تطّلب إثارة غريبة، إحتاجت الى عروض الأشياء والأشجار وكل ما يتنفس على هذه الأرض حتى الحجار. إحتاجت الى الموسيقى التي تسكن الشاعر وتلهمه، وحتى الى مرايا عاكسة، والى دواخل طفل مدهوش لا تعنيه الأسئلة ولا الإجابات عنها، فقط الدخول عميقاً في الطبيعة شكلها وروحها ما مكنّاه من قصيدته، وبعيداً عنها أحسب أن إلهامه يذوي. الجدير بالملاحظة خلو شعر ترونسترمر من التعلق بالأوهام واليقينيات، بل يبدأ كما نقرأ في أغلب قصائده، من نملة أو من غصن شجرة وهو قادر أن يتماهى مع النملة وغصن الشجرة فالعالم بالنسبة له عالم شعري والطبيعة فيه متكلمة وحاضرة. شعر حميم وخاص وأليف لا يخلو من الأسرار، الشاعر هنا هو بطلها الذي يلّح على المشاهد والصور الأكثر عبثاً في ذاته الرقيقة.

من الضروري أعتقد، عدم فصل شكل النثر عن موضوعة الشاعر الأثيرة، فمن اجل ترجمة حياة وروح كائنات الطبيعة في سلامها وتعقيداتها في آن، كان من الضروري استخدام شكل سلس ومتنافر بما يكفي للتوافق مع الحركات الغنائية والموسيقية للروح، ومع تموجات أحلام اليقظة وإنتفاضات الوعي. شعر متخلص برفعة من كل الضغوط الشكلية، ودائماً يقدّم الجديد والمدهش على صعيد الإحساس والتعبير. كل العالم المرئي، واللا مرئي أيضاً، في قصائد ترنسترمر ليس سوى مخزن لصور وإشارات (حقيقية ومتخيلة) يمنحها خيال الشاعر مكاناً وقيمة عاليين. صور كما لو نوع عجين على القارىء تمثّلهُ وتشكيلهُ، وبإيجاز لن تكون قصيدة إلإ اعتباراً من اللحظة التي يستعين فيها الشاعر بالعناصر التي يتيحها خياله وواقعه، وينظمها بفن معيّن، صانعاً منها إبداعه الخاص.

صنوبرات شعثاءفي السبّخة الفاجعةالى الأبد الى الأبد ظلال منكمشة.. نحن ضائعون في هذه الغابةبين عشائر الفطرفي ساعة محدّدة ستستريح الريح العمياءأمام الواجهات.

عوالم ساحرة مليئة بالرّقة، حيث الجوّ معطّر بالفواكه. وإذا ما لاحظنا الى أي حدّ يحرص ترنسترمر على وحدة المناخ (في الشكل العام)، ويتجنب كل تنافر صادم حتى خلال سعيه الى بعض المؤثرات التصويرية، فإننا نميل الى استخلاص سرّ جاذبية قصائده، في وضوحها ووعيها من ناحية الإعداد الفنيّ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية