التقاهعبد اللطيف البازي:’دفتر العابر’ (منشورات توبقال، 2012) للمبدع المغربي ياسين عدنان عمل أدبي عصي على التصنيف. هو عمل آسر، لذيذ، وصادم أحيانا. عمل يعلن تواطؤه مع القارئ فيدعوه إلى السفر من بلد إلى بلد، ومن ثقافة إلى أخرى، ويقتسم معه أسراره بكل أخوية.’دفتر العابر’ يتضمن مقاطع شعرية بالغة الصفاء والمكر وظلال قراءات ثاقبة، ويتضمن أيضا محكيات جذابة وبورتريهات لفاتنات من هنا وهناك يتم ذكرهن …بكل خير.’دفتر العابر’ عمل يجعلك تصل بيسر إلى خلاصة تقول: إن الشعر هو الأخ التوأم للحياة.*الكتابة، في حد ذاتها، رحلة وكشف واكتشاف. ألا تكون إزاء سفر مضاعف حينما تجعل من أسفارك محورا وذريعة لتقترح على القراء ‘دفتر العابر’؟*أجيبك الآن من مطار الدوحة وأنا في طريقي إلى بغداد. الساعة تشير إلى الرابعة صباحا بالتوقيت المغربي وأنا هنا خارج زمن مراكش، بعيدا عن الوجهة بغداد. أكتب إليك من لحظة مشابهة لتلك اللحظات التي كنت أدوّن خلالها الالتقاطات والالتماعات التي شكّلت فيما بعد المادة الخام لدفتر العابر. لذا فالسفر والعبور بالنسبة لي تجربة ذات حرارة وواقع حال قبل أن يكونا ذريعة للكتابة. الكتابة رحلة واستكشاف وسفر بالمعنى المجازي، ما في ذلك شك. لكن السفر الحقيقي بما يقتضيه من اشتباك مادي مع الأمكنة والجغرافيات يمكنه أن يُتَّخذ موضوعا للسفر الآخر الذي يتحقق عبر الكتابة. وهذا بالضبط ما قمت به في دفتر العابر. قد يكون الأمر كما جاء في سؤالك: سفر مضاعف. وقد أضيف أيضا أن الأمر يتعلق أيضا بنوع من الإقامة في السفر، والإقامة في العبور. أليست الكتابة تشبثا بمضاعفة الحياة عموماً.’*دفتر العابر’ هو جماع نصوص حرة تحتفي بالحرية، ووضعية البين-البين تتيح إمكانية المقارنة وتعلم التسامح وتشحذ ملكة النقد والتقاط التفاصيل. هل السفر هو الذي يزيّن لك الكتابة؟ وهل نصوصك هي بمثابة بطائق ترسلها لأصدقائك وللعالم دليلا ملموسا على أنك لم تفقد القدرة على الدهشة؟*لا كتابة خارج الدهشة. دهشة الطفل الأولى إزاء العالم والناس. هذا بالضبط ما يحتاجه الشاعر ليكتب. ولهذا يجب ألا يفرّط الشعراء في الطفل داخلهم. خلال السفر أحاول أن أسعد نفسي بالاكتشاف: اكتشاف البلاد والعباد، الشخوص والأمكنة، بدهشة وفرح، لكي أتعلم من السفر أولا ثم لكي أكتب. والكتابة هنا تصير نوعا من الذهاب الحر إلى العالم. كيف تتقدّم نحو الآخر بقلب وصدر مفتوحين، بألفة ونبالة. ضحايا الإعلام، وهم كُثُر، يتعاملون مع الآخر بتحفظ واحتراز انطلاقا من ترسانة الأحكام المسبقة. أنا أحاول الاقتراب منه بروح أخرى لأكتشفه خارج الكليشيهات ولأكتشف نفسي من خلاله. أما البطائق فلا أخفيك أنني كنت أوجهها لنفسي حينما بدأت الاشتغال على هذا العمل الشعري، فقط لكي أضمن تلك الإقامة اللذيذة في العبور. كنت أوجهها إلى نفسي لكيلا تختلط عليّ الروائح والأمكنة والمطارات. ولم أفكّر في الأصدقاء وأهمية أن أبعث إليهم هذه البطائق إلا حينما شرعتُ في تنقيح الكتاب وإعداده للنشر. وحتى حينما أتحدث معك الآن عن الأصدقاء، فالمقصود بهم القراء الذين يقبَلون السفر من خلال هذا الكتاب بألفة ويُقبِلون عليه بتواطؤ.* لدي فضول سأكشف عنه في هذا السؤال: ما سرّ ولعك بالصور السوريالية؟ وكأني بك أحيانا وقد التقطت صورا وحين تعود إليها تكشف أنها تمتُّ بأكثر من صلة إلى سلفادور دالي أو جوان ميرو.* ربما في ‘رصيف القيامة’ كان هناك ولع بمثل هذه الصور، ولو دونما قصدية واضحة، أما في دفتر العابر فأرى أنها قد قلَّت. بل على العكس، فالعديد من المقاطع في هذا الكتاب ضايقتني بنثريتها والتصاقها شبه الحرفي بالأماكن والوقائع المباشرة والشخوص الحية، لأعالجها إبّان التنقيح بالرفع من منسوب الإيقاع فيها أو بضخّ بعض الصور البلاغية والاستعارات في عروقها. لكن مع ذلك حينما يتحوّل العابر أحيانا إلى طائر أسطوري أو حصان مجنح، في تلك الحالات التي يتداخل فيها السفر الحُلمي مع السفر الواقعي قد يكون من حقك التفكير في السورياليين… ولو أنها صورٌ من تقاطعات لحظة السفر والحلم والكتابة. هكذا وبكل تلقائية دون أيّ إملاء مذهبي، رغم إعجابي بدالي وميرو وكلّ اختصاصيي لا مرئيات ما فوق الواقع.* يقول الشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو، وأنا هنا أثبت ترجمة لشاعر رحل مبكرا هو أحمد بركات: ‘أيها العابر/ آثارك هي الطريق/ لا شيء أكثر/ أيها العابر/ ليس ثمة طرق/ كل الطرق عند المسير’. ونقرأ في ‘دفتر العابر’: ‘الوجهة ليست أكثر من ذريعة’ (ص28). مع عملك الشعري الرابع هذا ومنذ ‘غاراتك’ الأولى، هل بدأت تتبيّن، ولو بشكل يلفه الغموض، إلى أين تقودك خطواتك الشعرية؟ *أحس أحيانا كما لو أنني أتدرّج قليلا من سباق المسافات القصيرة في (مانكان) إلى سباق المسافات الطويلة والمتوسطة مع (رصيف القيامة) و(زهرة عبّاد اليأس). اليوم قرّرت أن أجري الماراثون في (دفتر العابر). هذا على مستوى النَّفَس الشعري. أما في العمق، فكل قصيدة بنتُ لحظتِها. واللحظة الشعرية سفرٌ جوّاني يفرض إيقاعه في استخفاف لافتٍ بالوجهات. فالأهمّ هو السفر ذاتُه. ولا شك لاحظت أنني استشهدت في مفتتح الكتاب بشذرة شعرية عميقة لرينيه شار يقول فيها بأن الهدف الحق هو الطريق لا ما تفضي إليه. qadqpt