الشباب صمّام أمان لاستمرار الحراك؟

للشباب دور حاسم في الحراك الجزائري، بل جعلونا، ويجب أن نقول هذا بصوت عال، نكتشف مجتمعاً آخر نكاد لا نعرفه خرج من رحم الهزائم والحرب الأهلية القاسية، ومن عشرية لم تترك لنا الكثير، ولكن أيضاً من مساحة تكنولوجية واسعة وحرة، لا قوة تلجمها، ووسائط اجتماعية شديدة الحرية، والتعقيد والتدمير أيضاً. رأى الشباب من خلال هذه الوسائط مجتمعات أخرى غير المجتمع الذي يعيش فيه، وكرهه بسبب تخمة الظلم والفقر والمحسوبية. فقد الثقة وحتى الحلم في حاضره ووطنه، ولكن حلمه المخفي كان يراه ويعيشه بطريقته. هذا مهم وجدير بالتأمل والاقتراب منه. طبعاً، المسألة لا تتعلق بجيل واحد، ولكنها ثمرة لتراكمات وإخفاقات متتالية.
المدهش هو أن الشباب الذي ظل يعيش لسنوات في عزلة لا يعرف سرها إلا القليلون، وصل إلى درجة عليا من التعبير، فوضع كل معارفه وخبرته في مصلحة التغيير السلمي. إلى اليوم لم تسح قطرة دم على الرغم من الملايين التي تحتل الساحات والشوارع وطنياً كل يوم جمعة وثلاثاء. ونزل الشباب إلى الشوارع في عملية اختبارية، واستقبلت أفكارهم السلمية بشكل؛ رائع لأن الشروط الموضوعية متوفرة. لكن هؤلاء الشباب ليسوا وحدهم ضمن حركة عفوية. من الصعب تخيل حراك جماهيري بتلك القوة دون تنظيم تحتي يسهر عليه. فقد استفادت الجزائر كثيراً من الحراكات العربية التي غلب عليها الطابع الانتحاري في مواجهة أنظمة دكتاتورية رعوية، مرتبطة بالمصالح الدولية والشركات المتعددة الجنسيات، واختارت الحراك السلمي مهما كانت هشاشته.
مقتل الثورات الشعبية العربية عنصران:
العفوية الشبابية المفرطة بدون تأسيسات تحتية، التي كان يجب ألا تظهر بسرعة حتى لا يجهز عليها. واستطاعت في كثير من الأحيان أن تسقط رأس النظام، ولكن ليس النظام الذي استمر قبل أن يجهز عليها. الأمر الذي دفع بالحراكات العربية إلى التدمير الذاتي والموت والحروب الأهلية التي أعادت دولاً مثل سوريا والعراق، القوتين العظميين عربياً في منطقة الشرق الأوسط، قرناً إلى الوراء وربما أكثر. للحفاظ على سلمية الحراك وهو في أوج تألقه، لا يوجد حل ثالث سوى الإصغاء إلى الحركة التاريخية العميقة، وعدم الثقة في نظام بنى شرعيته على محو كل من يختلف عنه ومعه، والاستمرار في الثقة في المستقبل والتنبه إلى الهدير الشعبي الذي أصبح اليوم تقليداً عظيماً منظماً في الجزائر، وفي مختلف الأماكن التضامنية حيث توجد الهجرة الوطنية مثل فرنسا وكندا وبلجيكا، وحتى أمريكا. عندما تكون قاعدتك شعبية وكبيرة وواسعة وعظيمة وسلمية التحقت بها كل فئات الشعب لدرجة لا يمكنك ألا تصاب بالإدهاش، عليك أن تعمل بكل الوسائل المتاحة للحفاظ على الحراك واستمراره وسلميته.

ينتظر الجميع، الشباب على وجه الخصوص، أن يمهد هذا الحراك لتغيير كلي في الممارسة السياسية السلطوية التي انبنت على شرعيات وهمية لم تعد تعني أي شيء لشباب اليوم الذي عاش الكذبات الكبرى واحترق بنارها.

أكثر من 17 مليوناً على المستوى الوطني دخلوا في صلب مسيرات الحراك، أي قرابة نصف سكان الجزائر في الشوارع، طاقة خلاقة يمكنها أن تخلخل أي نظام مافياوي وديكتاتوري. إذن، الرهان الأول والكبير هو الحفاظ على هذه القوة مهما كانت الحسابات. المسألة ليست سهلة في ظل ثنائية الصراع، السلطة كنظام، والفرقاء من الشعب. لهذا، فدور الفئات الشابة المثقفة كبير، وسيتعاظم أكثر في الفترات القادمة، لترميم الشروخات التي يكون الزمن قد أحدثها في الحراك. هناك الشعبي غير المسيس، العاطفي، الوطني، العروبي، والعلماني، والإسلامي، والمثقف العضوي، وغيرها من التصنيفات، كلهم يشكلون قوى الحراك الشبابي اليوم، كيف العمل للحفاظ عليها من الانفجار المحتمل. فقد بدأت الإيديولوجيات تشقها من الداخل، والمخاطر الكبرى هي الخروج عن القيم الجوهرية التي توجه الحراك، والذهاب نحو الأيديولوجيات الضيقة التي لن تكون إلا مدمرة. وهو ما يرضي العصابة ويفرحها. لهذا، واحدة من وسائل النجاح هي الحفاظ على هذه الوحدة، لأن الخيارات المستقبلية يمكن الاتفاق عليها وفق المصالح الشعبية العليا. سبل نجاح الحراك في أن يعطي نموذجاً لدولة، تظل إلى اليوم غير واضحة ولا نرى ملامحها بدقة، بالخصوص في المرحلة الانتقالية، لكن عبقرية الشباب الجزائري كبيرة ومهمة واستثنائية.
النقطـــة الأخرى، هي تحويل أماكن الحراك الكبرى إلى ساحات للنقاش أيضاً وتبيان المخاطر التي تتهدد الحراك من أنصار الثبات وقتل المبادرات والعودة إلى منطق العصابات والانغلاق واللعب على فكرة فرق تسد. حتى النقاشات الغرض منها الاستماع إلى آراء الناس عن قرب، وانشغالاتهم يمكن الخروج بعدها بأرضية مفيدة للمستقبل يكون سيدها الشعب ونخبه الحية. النخب التحقت بالحراك، على العكس من بعض المرضى المنتصرين لجلد الذات والذين لا يتوقفون عن الإصرار على أن المثقف لم يلعب دوره. وأن المثقف ركب الحراك؟ هذا جهل حقيقي للتاريخ ولمعطيات الأرض اليوم. المثقف بمعناه الشمولي في الميدان يناضل ويعمل باستماتة من أجل جعل الحراك ينتصر في النهاية. فقد التحقت كل القطاعات الثقافية التي اقتنعت بالحراك، أساتذة الجامعات، الطلبة بمختلف تخصصاتهم، المحامون، القضاة، كثير من الإداريين على المستوى العالي، وبعض الكتاب والمبدعين الفاعلين في المشهد الثقافي. طبعاً الفارق بين الآن والأزمنة الماضية هو أنهم لا يدعون أية قيادة، وإن وجدوا في عمقها، يرافقون شعبهم بكل ما يملكون من قوة وطاقة من أجل التغيير والسير نحو الجمهورية الثانية التي هي مسار وليست قراراً. أي أن المسألة لا تتوقف عند حدود القوانين أو الدستور القادم، ولكنها حركية ومسار ولبنات تبنى هنا وهناك بهدوء ورزانة، واضعة نصب أعينها التغير كلياً والسير بالبلاد نحو المواطنة واحترام القوانين.
هناك سلسلة قيم ستترسخ وتصبح القوانين مجبرة على اقتفائها، ومن سبل نجاح الحراك الوصول إلى وفاق وطني عام يجعل الجزائر، بشبابها الحي، تستعيد المبادرة من العصابة من أجل العمل على التحريك السريع والانتقال نحو مرحلة إيجابية فعالة تجعل النظام المتهالك يتكسر بقوة والانتقال إلى الجمهورية الثانية. تسريع الوتيرة يخفف من مخاطر الانزلاق والتدخلات الخارجية، والإطالة في عمر الحراك يضعه في واجهة المخاطر، لكن حتى بعد تأسيس الجمهورية الثانية، فإن بقاء الحراك المنظم والسلمي شيء مهم لأنه سيمنع حتماً من اغتصاب الثورة السلمية وتجييرها للمجموعات الجديدة.
يجب ألا يتحول الحراك إلى لعبة تعويض المواقع، راح أحمد- جاء سليم، ولا شيء يتغير داخلياً. ينتظر الجميع، الشباب على وجه الخصوص، أن يمهد هذا الحراك لتغيير كلي في الممارسة السياسية السلطوية التي انبنت على شرعيات وهمية لم تعد تعني أي شيء لشباب اليوم الذي عاش الكذبات الكبرى واحترق بنارها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية