يُعرّف المجتمعون في المؤتمر العام للأمم المتحدة، المنعقد في مكسيكو سنة 1982، حول السياسة الثقافية، الثقافة بأنها: «مجموع السّمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي تميّز مجتمعا معيناً، أو فئة اجتماعية بعينها؛ وهي تشمل الآداب، والفنون، وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونُظُمَ القيم والمعتقدات». وبتشريح هذا التعريف للثقافة، نجد أنه يركز على الجانب الهُوياتي، المتعلق بالمعتقد الجمعي، أو بالانتماء إلى أمة ما، والفكري، بإنتاجه العقلي والفلسفي، ثم العاطفي، المرتبط بالإنتاج الإبداعي، مسرحاً، وسينما، وقصة، وشعراً، وتشكيلاً، وموسيقى، وهو العنصر (أي العاطفي) المهم الذي يستطيع أن يستوعب أحلام الشباب، وأن يؤطرهم فكرياً وعلمياً، ويحصّنهم وجدانياً وروحياً. وهنا (بالاستناد إلى هذا العنصر) تكون الثقافة هي صانعة الحياة بامتياز، تمتلك الحياة بفضلها جاذبية وسحراً وإغراءً؛ فالمجتمع الذي يمتلك شعراء ومفكرين ومسرحيين وسينمائيين، يستطيع أن يصوغ له حياة جديدة تغري بالعيش، ومتى غاب هؤلاء عن المشهد، يصبح المجتمع ميتاً، والوطن مقبرة دونها الموت.
كان الشباب دوما في طليعة النخب السَّاعية إلى التغيير، وتمكنت من ذلك بالفعل، وأحدثت رَجَّةً في المشهد السياسي العربي في الآونة الأخيرة.
من هم الشباب؟ يكاد يتفق الجميع أنهم يوجدون ما بين سِنَّيْ 18 سنة و40 سنة، وهناك من يكتفي في التحديد بسن أدنى، وهو 30 سنة، أو 35 سنة؛ وهي السن التي حدَّدَها، كمعيار للترشح في هياكله التنظيمية، في وقت سابق، المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية، التابع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي، أحد أعرق الأحزاب السياسية المغربية والعربية، وهو الحزب الذي ضمَّ بين صفوفه مفكرين من العيار الثقيل، ملتزمين بقضايا شعبهم، مثل رائد السوسيولوجيا محمد جسوس، وعبد الله العروي، الذي صاغ مع المهدي بنبركة وثيقة «الاختيار الثوري»، ومفكراً عربياً هو المرحوم محمد عابد الجابري، الذي كان مسؤولاً عن أول نواة تنظيمية لفئة الشباب في هذا الحزب. غير أن هناك من يحدّدُ بداية المرحلة العمرية، التي تقود إلى مرحلة الشباب قبل سن 18 سنة، فدولة إيران مثلا؛ سمحت لمن هم في سن 16 سنة بالتصويت في الانتخابات، بينما في النموذج الانتخابي المغربي لم يتقلص سن التصويت إلى 18 سنة إلا في سنة 2002، وقد كان سابقا لا يسمح بالتصويت إلا لمن تخطى 21 عاما من عمره إلى سنة 1992، وتقلص بعدها إلى 20 عاماً. تمثل هذه الفئة أكبر شريحة في المجتمعات العربية؛ وهي فئة عمرية تمتاز بالنشاط والحيوية، والرغبة الدائمة في التغيير، والتجديد، والابتكار، والقدرة على التحدّي والصُّمود. الشباب هم من يجدّدُ حيوية أيّ شعب، ويدفعونه دوماً نحو الأحسن والأرحب والأرقى، لو توفرت لهم عدة شروط؛ منها التعليم الجيّد والتكوين المتين؛ معرفياً وثقافياً، ما يسهم في تعبئته النضالية، كصانع لمستقبله، في مواجهة هرم سلطوي؛ يمتلك المال والنفوذ، وبنيات فقهية وسياسية؛ تسير في ركبه، وتأتَمُّ بهواه.
وبالنظر إلى الثقافة العربية المعاصرة، منذ الاستقلال وإلى اليوم، برزت في المشهد الثقافي العربي أنماط من المثقفين (المثقف الفقهي، والمثقف الحركي المرتبط بالأجهزة الحزبية، سواء تلك التي سُمِحَ لها بمزاولة نشاطها في العلن، أو المحظورة)، كان الشباب دوما في طليعة النخب السَّاعية إلى التغيير، وتمكنت من ذلك بالفعل، وأحدثت رَجَّةً في المشهد السياسي العربي في الآونة الأخيرة، وهو ما تجلَّى واضحاً في منصات التواصل الاجتماعي؛ حين أكسبت الشباب العربي موقعاً مؤثراً في المشهد السياسي، ومكَّنته في كثير من الأحيان من إسقاط ديكتاتوريات عمرت أزمنة طويلة، وإقامة أنظمة سياسية بديلة، وساهمت، بشكل لافت، في إحداث تغيير غير متوقع، بالنظر لما ترسب لعقود، في الكثير من المجتمعات العربية؛ اجتماعياً وثقافياً وسياسياً. مارس الشباب العربي ثقافة نقدية معارضة ومشاكسة على الدولة والمجتمع؛ حيث أصبحت هذه المنصات بديلا حقيقياً عن الانتماء للحزب والنقابة والجمعيات، والهياكل التي كانت مؤثرة في السابق، وبدا واضحاً أن «تدوينة» مقتضبة من بضعة أسطر، في صفحة من تلك الصفحات التواصلية، تستطيع أن تجمع حولها آلاف الإعجابات والتعاليق، وأن تخلق نقاشاً حقيقياً صادقاً وحارقاً، لا أحد بمقدوره كبح جماحه، بل فضحت هذه المنصات «المثقف الفقهي» (وأستعير هنا تعبير السوسيولوجي المغربي أحمد شراك) الذي امْتَدَّ في الهامش، وظهر في شخص المثقف الإسلامي البراغماتي، الذي يقيم زواجاً مصلحياً، بين السلطة والمؤسسة الدينية، من أجل جلب بعض المنافع؛ فجعلت منه أضحوكة وسخرية، وهي تعريه وتفضحه في العلن.
نجحت الطبقة السياسية في تخريب العقل المغربي، وإبعاده عن المرافق المؤثرة في صنع الإبداع والثقافة.
وباستحضار النموذج المغربي، يتأكد بالملموس، أن الشباب مبعد عن دائرة الاهتمام، فقد نجحت طبقته السياسية في تخريب العقل المغربي، وإبعاد الشباب عن المرافق المؤثرة في صنع الإبداع والثقافة، في مقابل إقامة وحدات سجنية، تضاف إلى السجون المعروفة (في سنة واحدة، هي سنة 2014، بني المغرب 14 سجناً)، والأدهى أن هذه السجون لا تأوي دائما عتاة المجرمين، فهم يتحركون بيننا في الشوارع، يحملون سيوفاً ويهجمون على المواطنين في وضح النهار، ويهددون أمن واستقرار البلاد والعباد، وبعض هؤلاء المجرمين، ممن يحملون جينات الإجرام، واستطاعوا تغيير أقدارهم، يمارس السياسة والانتخابات، على الطريقة المغربية؛ حيث مكنتهم الآلة الانتخابية المصنوعة على المقاس، من الوصول إلى المجالس في المدن والقرى، ويسرق الميزانيات الضخمة، ومعها أحلام الناس، وتكتب عنهم الصحف والمواقع، بدون أن يطالهم القضاء. وفي السنتين الأخيرتين، أصبحت هذه السجون تأوي معتقلي الرأي، والناشطين؛ آخرهم ناشطو الحراك الشعبي في الريف، الذين يقبع الكثير منهم في سجن عكاشة في الدار البيضاء. هل الأمر إجابة عن مطالب الثقافة في إقامة بنيات تحتية من مسارح، وصالات عرض سينمائية، ومركبات ثقافية؟ حين صرخ المثقفون: «اِعطني مسرحاً أعطك شعباً متحضراً»، «اِعطني مسرحاً أغلق لك سجناً»، قامت الدولة فشَيَّدت عدداً كبيراً من السجون. لقد انتصرت مقاربة بناء السجون، في مجتمعاتنا التي تعاني من كل أشكال المرض القاتلة، والتي فضلت، عن سبق إصرار، أن تعيش خارج المدنية وخارج العصر. بدون الحديث عن الميزانية الموجَّهَة، من داخل القطاعات الحكومية، إلى الشباب، التي لا تتعدى 2% من الميزانية العامة، هي حصة وزارة الشباب والرياضة.
عندما تكون الديمقراطية عبارة عن واجهة شكلية لتزيين الأنظمة السلطوية، تغيب الثقافة، ويُنظر إليها كمارد مخيف، ويُطارد المثقفون الحقيقيون، ممن يحمل مشاريع تنويرية كعتاة المجرمين. ولأن التغيير عملية حتمية في سياقنا العربي، لا بأس من التذكير بتلك الواقعة الدالة؛ عندما سأل الحبيب بورقيبة العقيد الليبي الذي سحله شعبه معمر القذافي: لماذا تنفق كل تلك الأموال في التسليح ولا تستثمرها في نشر التعليم؟ فأجاب: أخاف أن يثور عليَّ شعبي، فرد عليه بورقيبة: أن يثور ضدك شعب متعلم خير من أن يثور ضدك شعب جاهل! والنتيجة أن لا أحد بإمكانه أن يعاند القدر؛ فشعب تونس طرد الديكتاتورية بطريقة راقية، في ثورة تحدث عنها العالم بأسره، في حين سقط الديكتاتور الليبي بأسوأ طريقة كان يخاف منها.
الثقافة هي الحياة؛ لأنها تعلمنا فن الحياة والانتماء إلى العصر، وهي، أيضاً، طريق الشعوب نحو حياة أفضل، والأنظمة الديكتاتورية، لأنها أنظمة تعيش في الظلام، وتقتات من بؤس المواطن، ترعبها الثقافة، أما المثقفون فهم حاملو شعلة الضوء، الذي يبيد هذا الظلام. مرة قال الجنرال الألماني أوتو فون بسمارك: «عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي»، وكما أن لا أمل كي تتعايش الثقافة مع هذه الديكتاتوريات المنتشرة على طول خريطة الوطن العربي، فلا أمل أمام الشباب إلا بإسقاط ما تبقى من هذه الأنظمة، التي فضلت، في سبيل المحافظة على مصالحها، أن يعيش مواطنوها في كهوف يحاصرهم الظلام من كل الجوانب.
٭كاتب من المغرب*