الشباب ومسألة الانقسام الفلسطيني

حجم الخط
0

أيمن خالد

القضية الفلسطينية هي ليست مجرد إنهاء الانقسام بين حماس وفتح، ومسألة إيهام الشباب الفلسطيني بتحقيق هذه المعجزة، هي محاولة توجيه هذا الشباب إلى العنوان الخطأ، فنحن مع الأسف لا نزال ضحايا تشويه القضية الفلسطينية، لدرجة أن أصحاب القضية يُخيـّلُ إليك أحيانا أنهم باتوا لا يعرفونها من كثرة ما تسمع من (فلتان ألسنة السياسيين)، الذين لم تعد تقدر على رصد الكذب، من الزيف، من الهستيريا من كلامهم الذي لا تعرف أين يستقر وكيف يمضي.

ليعذرنا الساسة، فنحن سوف نعيد تعريف قضية فلسطين لهم، ولعلهم نسوا قصة النكبة، فالقضية الفلسطينية، منذ وعد بلفور وحتى الآن، عنوانها من الجانب الصهيوني واحد لا غير، وهو معركة انتزاع الأرض من الفلسطينيين وإخراجهم منها، ومنذ وعد بلفور وحتى اللحظة، لا تزال معركة انتزاع الأرض من الفلسطينيين تمشي بشكل يومي. فأنا لا افهم بالضبط، كيف نكون أمام معركة يومية، وكل يوم نخسر فيها مزيدا من البيوت ومزيدا من الأرض، ومزيدا من المعتقلين والضحايا على اختلافهم، ومع ذلك تشغلنا العناوين اللامنطقية، من الحديث عن التسوية، وصولا الى الحديث عن الاختلافات والخلافات، بل نرى يومياً، أن دائرة الاهتمام الفلسطينية بالنسبة للسياسيين، لا تنتمي أبداً لما يجري من معركة.

ففي أبسط الأعراف الإنسانية، بل وحتى في لغة الغاب والبهائم، لا يمكن ابدا أن تحدث هناك مفاوضات أو هدنة بين الخصمين، والمعركة مستمرة، فإذا كانت معركة انتزاع فلسطين لم تتوقف، ومستمرة يومياً بشكل عملي، فكيف يمكن للعقل الإنساني أن يتخيل قبول الفلسطينيين لفكرة المفاوضات تحت وطأة الموت، لأنه لم يحدث في التاريخ كله، أن حدثت مفاوضات، وحدث كلام عما بعد الحرب أثناء الحرب، إلا مع جهة أعلنت الهزيمة، وأما الذين لا يقبلون بالهزيمة، ففي منطق كل الأمم، وحتى منطق الغاب، هم لا يقبلون ابدا أن تستمر المعركة عليهم، وهم بنفس اللحظة يفاوضون، فالقاعدة الأساس للمفاوضات عبر التاريخ، وعند كل الأمم هي أن تتوقف الحرب أولا، ثم تحدث مفاوضات، وهنا نكلم أصحاب الدولة، والسلطة، والنظام العربي الرسمي، الذي يدعم هذا الواقع، الذي لا يمكن تفسيره أبداً، إلا أنه مشاركة من الداخل، وهو بعرف الشعوب المناضلة، مجرد تذليل للعقبات للعدو وممارسة للخيانة.

الحديث عن الانقسام، يصبح هنا مجرد كلام في القضايا الصغيرة، وتصبح الاجتماعات واللقاءات الدورية التي يطرح بها السياسيون هذا الأمر مجرد نوع من أنواع الكذب على الناس وممارسة للتضليل لهم. فالمصالحة مع طرف يعانق هذا العدو أثناء المعركة، هي مسألة غير واقعية، وأما أهل الضفة، فهم قبل السلطة، كانت أرضهم بأمان أكثر بين أيديهم، فالاستيطان كان معدوماً، والتواصل الاجتماعي بينهم لم يكن تحت وطأة هذه الجدران، التي فيما بعد باركتها السلطة، وجعلتها واقعاً وهي تفكر فقط بالحديث عن مبدأ التخفيف للمعاناة، كمن يطلب للسجين فتح نافذة إضافية للضوء، فيما هو مكبل بالأغلال. فمصلحة أهل الضفة والقدس، ما كانت ولا تكون بما أنجزته السلطة، من تغطية على ما يجري يوميا من معركة صامتة انتزعت الأرض من بين أيديهم، وصنعت منهم سجناء على الحواجز.

المعادلة التي تحكم الشعوب الحرة، أن الوطن فوق الزعماء، ولكننا ومع الأسف، نرى هذا الشعب الذي أطلق ثورة الحرية، وسبق شعوباً كثيرة، هناك من يعمل على تكبيله، وتصوير قضيتنا الفلسطينية أنها مجرد اصطفاف وراء هذا الزعيم أو ذاك، ومجرد بيان سياسي، أو فصيل وانتماء، وصراعات جانبية، لا علاقة لها بما يجري من مواجهة مع العدو، أو بالحد الأدنى حماية لبسطاء الناس، الذين انطلقت الثورة لحمايتهم، لكن فكرة الثورة اليوم غدت مجرد ذكريات ماضية، أمام معادلة السلام فقط، أو أمام مرض اسمه وهمْ الدولة، والعلم، والنشيد الوطني، وبالطبع نعيش سجناء وهم اسمه مجد روما، في زمن أصبحت فيه السلطة روما، أو في العالم الآخر، مجرد إدارة روتينية لتسيير أمور البشر.

الشباب الفلسطيني الذي يريد التغيير، عليه أن يفكر فقط في كيفية إيقاف انتزاع ما تبقى من فلسطين، والتي كل يوم نفقد منها جزءاً، ففيما مضى كانت الثورة خط الدفاع الأول عن الشعب، ثم انشغلنا بالدولة والتسوية، وصناعة الزعماء الخالدين الذين يلهمون ثوراتنا بعد الموت، عندها أصبح المواطن هو خط الدفاع الأول، فقد حاصرته الجدران، والاتفاقات، والشرطة والبوليس والمستوطنون، فأصبح صاحب البيت وحده، يقف مدافعا عن بيته، وهكذا وفيما نحن نحاول اكتشاف معجزة الوئام المستحيل، أصبحت مسؤولية فلسطين، يا شباب فلسطين، أن يدافع الرجل عن بيته فقط، أمام سياسة انتزاعه منه يوميا، وأصبح هذا المواطن هو فلسطين، وأصبحت المرأة الفلسطينية هي من ينصب خيمة أمام البيت المسلوب أو المهدم، والزعماء يمرون وهم يضعون شارة الـ VIP وأيضا مطلوب منا أن نثق بهم، ولا أنسى أن النساء اللواتي يلدن أطفالهن على الحواجز، أمام أعين الذئاب الصهاينة، هن لسن نساء القادة الذين نريد إدخالهم تاريخنا، ونريد أيضا أن نتفق ونوفق بعضنا بهم.

مسألة أخيرة، الذين يصفقون للزعماء ويكتشفون مواهبهم ومعجزاتهم، يتحولون إلى عبيد فاقدي القدرة على القيادة والتغيير، والذين يرون الوطن الكبير، يضعهم الوطن في سجل التاريخ، فنحن لا نريد أن يكون الشباب الفلسطيني شباباً ناعماً.. وافهموا الرسالة وكفى.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية