الكنيسة الارثوذكسية الروسية تؤثر على موقف روسيا وخائفة على مصير مسيحيي سوريةلندن ـ ‘القدس العربي’: لم تكن اتهامات هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الامريكية لروسيا بانها ستكون مسؤولة عن الحرب الأهلية حالة اندلاعها في سورية ان استمرت على دعمها للنظام السوري، مبرأة من دوافع خدمة السياسة الداخلية فأوباما يتعرض من الجمهوريين لضغوط كي يتخذ موقفا واضحا من الأزمة.
وعندما تقول كلينتون ان واشنطن قد تذهب لوحدها وتواجه نظام بشار الاسد خارج مجلس الامن فان وزير الدفاع ليون بانيتا يقول ان أمريكا لن تذهب بدون قرار مجلس الأمن الدولي. وتؤشر التصريحات المتناقضة الى خلاف داخل الادارة حول طريقة التعامل مع سورية، وبرز هذا عندما تراجعت سوزان رايس، مبعوثة أمريكا في الامم المتحدة، عن تصريحاتها التي اقترحت فيها ان ساعة التدخل العسكري قد اقتربت.
اجراءات رمزية والتناقض الامريكي من سورية يشبه الموقف الأوروبي، الذي اكتفى حتى الآن بتشديد العقوبات على أزلام النظام السوري وطرد سفرائه فقط مع ان هذه الدول استقبلت ممثلي المعارضة السورية المنقسمة على نفسها. هذا مقارنة مع الحزم الذي اتسم به موقف بريطانيا. ويربط معلقون الموقف الاوروبي بالوضع الاقتصادي والمخاطر التي تهدد منطقة اليورو بأنها عامل في عدم قيادة اوروبا حملة تحشيد ضد الاسد. اوروبا المترددةوتقول صحيفة ‘واشنطن بوست’ ان اوروبا التي دفعت العام الماضي الادارة الامريكية لاتخاذ موقف حازم ضد القذافي فانها ملتزمة في موقفها من سورية بالموقف الامريكي. ولعل انشغال دولها بعملتها الموحدة اكثر من اهتمامها بحملة عسكرية خارجية مكلفة. مما سيترك المعارضة السورية بدون شريك، وهي التي كانت تأمل ان تؤدي مذبحة الحولة وتداعياتها لتعزيز فرص التدخل الخارجي. ويبدو ان المجتمع الدولي بحاجة الى مذبحة كبيرة كي يتحرك. ومن هنا فان مجزرة الحولة على الرغم من بشاعتها لن تؤدي الى تدخل عسكري حسب شاشانك جوشي الذي كتب في ‘اندبندنت’، ويعتقد ان المشكلة تكمن في وضع المقاومة المشتتة بين الداخل والخارج. كما ان ارتفاع عدد العمليات الانتحارية في المدن السورية يؤشر لخطر القاعدة. وعلى خلاف التعليقات التي قالت ان الحولة ستغير قواعد اللعبة يرى عكس ذلك. لكنه يرى ان التدخل العسكري سيصبح محتوما حالة تعرض الترسانة الاسلحة الكيماوية التي تمتكلها سورية في الأيدي الخطأ، مثل القاعدة او حزب الله. اما الأمر الثاني فقد يأتي من تركيا التي قد تطلب من الناتو تفعيل البند الذي يقضي بتدخل عسكري حالة تعرضت حدود اي عضو من اعضائه للتهديد، ومع زيادة المناوشات الحدودية فالموقف التركي المتشدد من سورية قد يتحول للمطالبة بعمل عسكري.
ومع ذلك فتركيا الخائفة لا تريد ان تستفيد المعارضة الكردية من الانتفاضة بأي حال، وحتى الآن ظل الاكراد يقفون على الحياد أو بين مؤيد ومعارض. ويضيف انه في حالة قررت تركيا تحديد منطقة آمنة داخل سورية على الحدود مع تركيا، فان هذا سيقود الى تغير في الموقف الدولي خاصة ان بعض الدول العربية قد تعبر عن استعدادها ارسال جنود وعتاد. ويضيف عاملا اخر، وهو حدوث مذبحة كبيرة تجعل من التدخل واجبا اخلاقيا، مما سيدفع اوباما الذي يخوض معركة انتخابية لتغيير موقفه من التدخل خاصة انه سيتعرض لانتقادات من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. ولا بد ان لا ينفصل هذا التحليل عن طبيعة الوضع السوري فالولايات المتحدة وحلفاؤها الاوروبيون يعتقدون ان الوضع السوري اعقد من الوضع الليبي، من ناحية اجتماعية ـ طائفية واستراتيجية وعسكرية وتماسك النظام. وعلى الرغم من الاشارات التي تلمح بقرب تدخل عسكري الا ان اللاعب المهم الذي سرع عملية الاطاحة بنظام القذافي هو قرار الجامعة العربية نقل ملف ليبيا الى مجلس الامن ولهذا صدر القرار بناء على دعم عربي شبه كامل، والجامعة العربية لم تطالب بعد بالتدخل حتى الآن، ولا ينفي ان دولا مثل السعودية وقطر دعتا الى تسليح المعارضة.
حرب ليست سهلةوبعيدا عن المخاوف من الحرب الطائفية التي تهدد دولا اخرى جارة لسورية، فالدول الاوروبية والعربية لن تكون قادرة على مواجهة الوضع السوري بدون الاعتماد على القوة العسكرية الامريكية وهي العامل المهم الذي لعب في تدمير قدرات القذافي والتعجيل بنهايته، كما ان الغرب كان واثقا من ان الحرب على ليبيا سهلة، مقارنة بسورية التي تحظى بدعم ايران وحزب الله والعراق وهي الجماعات الشيعية التي يهمها بقاء حكم الطائفة العلوية. يضاف الى ذلك ان اللاعبين الذين لعبوا دورا في اسقاط القذافي من القادة الاوروبيين كانوا هم انفسهم ضحايا ـ الفضائح بالنسبة لسيلفيو برلسكوني في ايطاليا والانتخابات بالنسبة لساركوزي فقد اطاحت به الانتخابات الفرنسية الشهر الماضي.
اما ديفيد كاميرون – رئيس الوزراء فهو منشغل باحتواء اثار فضيحة سكاي بي سكاي وميردوخ. والعامل الغائب في سورية هو انها ليست بلدا نفطيا يجعل الغرب يخشى على مصالحه فيه، مع ان فرنسا وعددا من الدول الاوروبية كانت من المستوردين للنفط السوري لكنه لا يقارن بالقدرة النفطية الليبية. وتحاول الدول الغربية التأثير على الموقف الروسي، الذي عادة ما يربط بمصالحها العسكرية، صفقات اسلحة، وقاعدة طرطوس، والتجربة الليبية التي شعر الروس انهم تعرضوا للخداع، لكن صحيفة ‘نيويورك تايمز’ اضافت عاملا جديدا حيث قالت انه نابع من تأثير الكنيسة الارثوذكسية على الموقف الروسي.
دور الكنيسة الروسيةواشارت الى معرض نظمته الكنيسة في كاتدرائية قرب الكرملين، حيث تحدث قسس وباحثون في علم اللاهوت عن مخاوفهم مما سيحدث للمسيحيين في سورية لو سقط نظام الاسد. وتقول ان موقف الكنيسة الروسية نابع من كون معظم المسيحيين السوريين هم من اتباع الكنيسة الارثوذكسية حيث يخشون على مستقبلهم حالة سيطر الاسلاميون على سورية. وذكر البطريرك كيريل الاول، ما حدث للمسيحيين عندما وصل البولشفيك للحكم حيث تركوا الجثث التي لا تزال حاضرة في وعي الروس. ومن هنا يفهم تردد المسيحيين السوريين في التخلي عن دعمهم للنظام، على الاقل جزء كبير منهم. ومع ان الكنيسة لا تؤثر في السياسة الخارجية الا ان موقف الكنيسة الروسية يعتبر عاملا في موقف موسكو خاصة في ظل المشاكل الداخلية التي تعاني منها حكومة فلاديمير بوتين. وترتبط الكنيسة بروابط متينة مع بوتين الذي حاول الحصول على دعمها في انتخابه للرئاسة مرة ثانية، حيث وعدها بملايين الدولارات كي تنفقها على تعمير وتمويل المدارس الدينية. ونقل عن رئيس البطريركية الروسية مخاوف الكنيسة من الحملة على المسيحيين في الشرق الاوسط الذين يتعرضون للقتل والتهجير وان بوتين وعدهم بحمايتهم. وتشير الصحيفة الى ان قادة الكنيسة يلتقون بشكل منتظم مع الخارجية الروسية لمناقشة اجندة الاخيرة المتعلقة بالقضايا الخارجية. وتقول ان البطريرك كيريل الاول لم تمنعه التحذيرات من زيارة سورية العام الماضي حيث أصر على القيام بها من أجل اظهار الدعم لبطريرك أنطاكية أغناطيوس الذي يعرفه منذ أكثر من أربعين عاما، وأكد مسؤولون في الكنيسة في حينه ان أية زيارة للبطريرك هي اشارة لدعم الأسد لا اساس لها، مع ان الاحتفالات بقدومه أحاط بها رجال يحملون صور الأسد، كما قابل البطريرك الأخير ليشكره على دعمه للمسيحيين ولم يشر الى ما يحدث في البلاد من قتل للمدنيين على يد القوات الامنية. وقال مسؤول في الكنيسة ان الاوضاع في العالم العربي والثورات فرضت على الكنيسة التدخل في الشؤون الخارجية. ولا يمنع ان مصالح روسيا العسكرية مهمة خاصة ان 400 قرية تعتمد على صناعة الاسلحة التي تصدر الى سورية، وخسارة الاخيرة يعني توقف صناعة السلاح التي توفر مليار دولار للاقتصاد الروسي وخسارة الالاف العمال لاعمالهم. من مهربين الى قتلةوفي سياق مختلف، لم يقنع تحقيق الحكومة السورية الذي توصل الى ان القتلة في مجزرة الحولة هم من الارهابيين الذين استهدفوا عائلات رفضت تأييد المقاومة ضد النظام، والرأي العام مقتنع ان من ارتكب الفظائع هم من الشبيحة، وقد اهتمت صحيفة ‘الغارديان’ التي قالت ان الظاهرة تعود الى عهد الاسد الاب. وقد نشأت في البداية في مدينة اللاذقية الساحلية وتكونت من مجموعة المهربين والعصابات، والذي كانوا يتصرفون دون خوف من الملاحقة خاصة ان عائلاتهم من الطائفة الحاكمة ومرتبطة بالاسد ونخبته الحاكمة. وجاء اسم الشبيحة من طبيعة عملهم في الخفاء، حيث كانوا يقومون بتهريب البضائع عبر الحدود اللبنانية من اجل جمع المال ومراكمة الثروة. وأدت صناعة التهريب الى نشوء جيش من المهربين المسلحين بدون قيادة تجمعهم، ومعظم من اشتغلوا بها وحملوا الأسلحة هم من أبناء الطائفة العلوية الفقراء. ومع بداية الانتفاضة العام الماضي كبر حجم هذه العصابات. ويظهرون في كل جنازة تنظم لمتظاهر قتله الامن وهم مسلحون بالرشاشات ينتظرون اية خطأ كي يطلقوا النار. ولكن الشبيحة مارسوا فظاعاتهم واعمالهم الوحشية بدون قيد اثناء حصار حمص، ونقلت الصحيفة عن ناشط من المدينة اسمه محمد قوله ان الشبيحة رافقوا الجيش في مداهمة البيوت، ويبدو أنهم كانوا يتبعون أوامر قيادة غير الجيش. وكلما تحرك الجيش لتنظيف مناطق كان فيها مقاتلون، تحرك الشبيحة معه، احيانا في حافلات لارهاب من بقي من السكان وسرقة ونهب بيوتهم. وقال محمد ان الشبيحة يلبسون الزي الاسود او الخاكي مثل الجيش لكنهم يضعون ‘شبرة’ صفراء على كتفهم. ويقول محمد ان الشبيحة ارتكبوا في 13 أيار (مايو) الشهر الماضي مذبحة في حي الشماس في حمص، ولا يعرف عدد الضحايا الذين وقعوا فيها. ومع زيادة عددهم اخذوا يحتلون أحياء في حمص مما أدى الى هرب السكان، الذين نهبت بيوتهم وسرقت ممتلكاتهم. ويقول أبو رامي من حي السباع ان الشبيحة عادة ما يأتون من الأحياء والقرى العلوية حول حمص. ويقول ان الجيش الحر قتل أعدادا كبيرة منهم لكن هناك أعدادا كبيرة تحل محلهم. وما يدفع العلويين الفقراء الانضمام للشبيحة هو الفقر او تصديقهم اكاذيب النظام من ان القاعدة ودول الخليج والناتو يخططون لضرب البلاد.
من يدفع للشبيحة؟
بعد خروج الجيش السوري من لبنان فقد الشبيحة مصدر قوتهم المالي، ونظرا لتراجع الاقتصاد استلمت عجلته مجموعة جديدة من رجال الأعمال معظمهم سنة مرتبطون في بقائهم بالنظام، ومع انتقال المال من التهريب الى العمل التجاري الشرعي، نشأت مجموعة تحظى بصلة قوية مع النظام وهي التي وضعت يدها على الصناعة: توفير المعدات والامتيازات ودعم تجارة السيارات. وتقول الصحيفة ان رجال الاعمال هؤلاء ومعظمهم سنة وليسوا علويين هم من يدفعون المال للشبيحة كي يحموا تجارتهم المربحة وامتيازاتهم وارضاء الطبقة السياسية الحاكمة. وتقول الصحيفة ان الشبيحة مدينون بكل شيء للنظام، وهم مستعدون لعمل أي شيء لحمايته. ونقلت عن ناشط مقيم في دمشق قوله ان الشبيح يتلقى عن عمل يوم 1500 ليرة سورية (15 جنيها استرلينيا) فيما بالغ آخرون وقالوا انهم يتلقون ما بين 2500 الى خمسة الاف في اليوم. وذكر الناشط في حمص اسم رجلي اعمال، احدهما في حمص وهو علوي واخر في دمشق (سني) وقال انهما ينسقان مع المخابرات التي تشغل الشبيحة. ومع انه من الصعب التأكد من صحة المعلومات الا ان النخبة المحيطة بالأسد من قريبه رامي مخلوف الى أصغر موظف كلهم ينتفعون من النظام، وقالت انها حصلت من معارض على قائمة باسماء رجال الأعمال الذين يدفعون للشبيحة، ومعظمهم رجال أعمال حصلوا على وكالات لشركات اجنبية، يابانية والمانية وبريطانية وغيرها، وجزء من أرباح هذه الشركات هي التي تمول هذه الميليشيات.