خلقت المسافة بين مصيبة 7 أكتوبر وبدء المرحلة البرية ظروفاً فضلى من ناحية القوات البرية، التي تتمتع بثمار قصف سلاح الجو، لكنها بثت وعوداً للجمهور لتهدئة روعه. والنتيجة أن الساعات العادية التي ترافق حروب إسرائيل تدق بسرعة أكبر على نحو منقطع عن احتياجات الجيش الذي يحتاج لكثير من الوقت لتحقيق الأهداف التي حددت له.
في هذه المرحلة، نشخص أربعة تحديات تقف أمامها القوات في الأيام القريبة القادمة: الأول معالجة مستشفى الشفاء الذي يشكل مركز أعصاب حماس سواء من ناحية عسكرية أم من ناحية سلطوية، وهو هدف معلن للحملة. عشرات آلاف المواطنين والمواطنات ممن هم حول المستشفى أخلوه، وبقي بضع مئات فقط. يضيق الجيش الإسرائيلي على المجال بهدف رفع ظروف العملية إلى الحد الأقصى في ظل امتناع عن “كمين شرعية”، أي تنفيذ عملية تزيد الضغط الدولي، وقد تؤدي إلى وقف الحملة كلها. الكلمات الأساسية وفقاً لصيغة استخدام الجيش في هذه الحرب، هي “ببطء” و”بحذر”.
وفقاً لذلك، فإن التحدي الثاني هو المسألة الإنسانية، التي تحتل مكاناً واسعاً في أوساط الدول التي أيدت إسرائيل بلا تحفظ في بداية الحملة. الرئيس الفرنسي مثلاً تحدث نسبياً بحدة إزاء المس بالنساء والأطفال، وحظي بجواب من رئيس الوزراء. رغم ذلك، فإن المستويات المختلفة في إسرائيل تتفهم الحساسية وتسمح بفتح ممرات لسكان غزة من الشمال إلى الجنوب في محورين بالتوازي. ثمة تقدير بأن نحو 50 ألفاً من السكان، بينهم عجزة يحملون أعلاماً بيضاء، يمرون يومياً في هذين المسارين. هذه الصور تدل على تخوف أكبر من الجيش مما هو من حماس.
في الساحة الشمالية أيضاً، التي لا بد أن نصل إليها، يرون المعنى: السكان الشيعة، الذين يعتمد عليهم الأمين العام لـ “حزب الله” كي يعتبر “درع لبنان”، يدركون الآن ما ينتظرهم إذا لم يحذر حسن نصر الله باتخاذ قراراته.
حركة الجماهير جنوباً تجعل التصدي للتحدي الثالث في القطاع صعباً، وهذا هو مسألة القتال في المنطقة التي لم يصل إليها الجيش الإسرائيلي. حسب التقديرات، فإن المخطوفين والمخطوفات الإسرائيليين محتجزون هناك، والرأي العام في إسرائيل مهتم بمسألة ما تفعله الدولة لإنقاذ أبنائها وبناتها. غير أن إخلاء السكان يزيد الاكتظاظ ويعزز أيضاً الخوف من أزمة إنسانية خطيرة بسبب نقص في الغذاء والماء وفي الصحة العامة السيئة، وهي تطورات تمس بقواتنا وبرجالنا أيضاً.
في هذا السياق، حان الوقت للحديث أيضاً عن الموضوع المهم الذي بقي في الظل: حالة الطقس. حسب التوقعات، فمن يوم الثلاثاء بانتظارنا معركة شتاء تتضمن المطر. والمعنى هو تقييد أعمال سلاح الجو، لكن في أوساط القوات البرية، التي تناور في غابة مدينية وتكشف نفسها بمخاطر يتشكل منها تعبير “أزمة إنسانية”: سيول، وفيضان للمجاري وانتشار أمراض.
حتى قبل أن تعطي الحكومة والجيش الرأي في استمرار الحرب جنوبي قطاع غزة، فإن المعارك في شمال القطاع تواصل جباية ثمن باهظ: فقد سمح أمس بنشر مقتل خمسة مقاتلي احتياط، أربعة منهم (قائد السرية وأربعة مقاتلين) بانفجار عبوة فخخت بفتح نفق قرب مسجد في مدينة بيت حانون. منظومة الاحتياط تمنح مساهمة هائلة للحرب حتى وإن كانت تدفع الثمن بحياة أفضل أبنائها. يسجل لواء “جفعاتي” أيضاً خسارة إضافية مع سقوط مقاتل في وحدة المساعدة الإدارية 5084.
في المقابل، بات الإنجاز العسكري واضحاً في بداية الشهر الثاني من الحرب وبعد أسبوعين من إطلاق الحملة البرية: حماس تفقد سيطرتها في شمال القطاع. السنوار وباقي كبار المسؤولين وإن كانوا لا يزالون يتنفسون هواء الأنفاق، لكن مستوى قادة الكتائب ودونهم يشطب من على فوق الأرض، مما يؤثر مثلاً على وتيرة إطلاق الصواريخ، وعلى قدرة قيادة المنظمة بالتحكم. ولكن من الواجب اتخاذ جانب الحذر في معالجة الأنفاق، وبالتأكيد عدم الإسراع في الإعلان عن النصر.
بالتوازي، تواصل الساحة الشمالية الرقص على أنغام ناي نصر الله، الذي تمسك في هذه اللحظة بعقيدة استنزاف الجيش الإسرائيلي من خلال الإبقاء على القوات مشلولة في جبهته، وبالطبع إبقاء بلدات خط التماس فارغة من مواطنيها. أمس، ألقى نصر الله خطاباً إضافياً مع تحشيد أقل ومحاولة أكبر للاعتراف بمصاعب مقاتليه ممن لم يستطيبوا الحديث عن “دفع ضريبة” للفلسطينيين في غزة. عملياً، بدا نصر الله محللاً أكثر منه استراتيجياً، لكن مستوى تحديه في الميدان يرتفع قليلاً ويتضمن استخدام مسيرات مزودة بمتفجرات. بالمقابل، رفعت قيادة الشمال مستوى الرد وهي تضرب عدداً أكبر من الأهداف بينها تلك القريبة إلى قلب المنظمة وليس فقط خلايا مضادات الدروع التي اختار نصر الله التطرق لها في خطابه.
يؤمن نصر الله بأن الزمن يلعب في صالح المحور الشيعي ويدفع إسرائيل إلى التآكل عسكرياً واقتصادياً. لكن مثلما كتب آنفاً، يرى هو ومن معه من خندقهم صورة ترحيل سكان غزة، وآلاف عديدة من سكان جنوب لبنان يهربون شمالاً خوفاً من سلاح الجو.
لم يتبقَ لوزير الدفاع إلا أن يهدد نصر الله ومواطني لبنان، في إطار تقويم الوضع لدى قيادة المنطقة الشمالية: “عدوان حزب الله لم يعد مجرد استفزاز”، أعلن، “فقد بت أرى المواطنين في غزة يسيرون مع أعلام بيضاء على طول الشاطئ ويتحركون جنوباً. “حزب الله” يجر لبنان إلى حرب توشك أن تقع، وهو يرتكب أخطاء. إذا ما ارتكب أخطاء من هذا النوع هنا، فإن مواطني لبنان هم من سيدفعون الثمن قبل كل شيء كل. ما نفعله في غزة نعرف كيف نفعله في بيروت. طيارونا يجلسون في حجرات الطائرات، وخراطيم الطائرات موجهة شمالاً. لدينا ما يكفي لفعل كل ما ينبغي لنا أن نفعله في الجنوب، لكن سلاح الجو موجه شمالاً، وقوته كبيرة جداً. لم نستخدم حتى 10 في المئة من قوة سلاح الجو في غزة”.
غير أن هذه الكلمات لن تعد سكان “كريات شمونا” وباقي مدن خط التماس للسكان، وتدرك هيئة الأركان بأن إنهاء المعركة مع بقاء قوة الرضوان في مكانها إنما يعني فقدان السيادة في الحدود اللبنانية. وعليه، فالسؤال هو: كيف سنقتلع السن العفن دون إدخال الفم كله إلى حرب مختلفة تماماً عن الحرب الجارية في غزة. لا جواب، والخسارة الأكبر إذا ما واصلوا الانشغال به وكأن الجمهور الإسرائيلي لا يزال في الروضة.
يوسي يهوشع
يديعوت أحرونوت 12/11/2023