الشتائم والسباب سيعودان لمطاردة صاحبهما ولو بعد حين

حجم الخط
0

أشرف مجاهد مصطفىلن تأخذ إلا حقك في هذه البسيطة، فلا تطمئن أو تركن إلى أن ما يتفوه به فاهك سيمر مرور الكرام من دون محاسبة أو ردع أو عقاب، ولا تأخذك العزة بالإثم وتتمادى ضاربا بأحاسيس الناس وشعورهم عرض الحائط، فإنه لمن السذاجة والجهل والتكبر أن تتصور (واهما) ان ما يخرجه فمك من بذاءة وسباب ولعن وشتم ودعاء على الغير (من دون وجه حق) وإساءات ما انزل الله بها من سلطان (للقاصي والداني) و(الحي والميت) لهو تعبير وتفريج ورواح عن النفس او حق مكفول لك دون غيرك، تستبيح به أعراض (الامنين الغافلين) وتصول وتجول حسب رغباتك وشهواتك متخطيا كل الإشارات الحمراء ومخترقا كل الأنظمة السرية وفاتحا كل الأبواب الموصدة بإحكام. كل هذا ليس إلا (هراء) لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يمت للواقع بصلة، ولا يمليه عليك إلا عقــــلك المريـــض الذي ربما يستلذ ويستطيب بالكم الهائل من الشتائم والسباب التي تكيلها للغير، ولكن هي ليست إلا (لحيظات) أو (سويعات) تفرغ ما بدواخلك من حنق وغل وحقد وغيظ، ثم تعود أدراجك غير فاطن أو مدرك أو منتبه لمدى إسرافك وتجنـــيك وتعــــديك (الذي سيعود لمطاردتك حتى إن قبضت أرواح من تعديت عليهم) أو ما اقترفته يداك من جرم، فانتبه وتنــــبه ألا تعطــــي لنفســــك الحق في سلب حقوق الآخــرين لمجرد اخــــتلافك معهم، (وإن كان لا بد إلا أن تذل نفسك وتروضها لتجعلها خانعة مستصغرة.. فأفعل). نعم هذه هي الحقائق والمعطيات التي أمامنا (إلا من بعض الاستثناءات) التي تتمثل فقط في حالة الظلم والعدوان تجاهك، وهي حالات استثنائية جدا، إما لضرر مباشر أصابك، أصاب مالك أو أسرتك، حينها يتاح لك فقط الرد أو الدعاء في مساحة صغيرة وضيقة (ليس لها امتداد إلى ما لا نهاية)، وفي المقابل نجد البديل في قوله تعالى: ‘والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس’، وهم أفضل وأنبل، ما عدا ذلك قد تقع في محيط الحديث الشريف القائل: ‘يلقي الرجل الكلمة ولا يلقي لها بالا فتخسف به سبعين خريفا في نار جهنم… إلى آخره’. وهنا نستلهم ونفهم أن كل ما عدا ذلك ما هو إلا سراب وحرث في بحر (من دون اسماك)، فستطارد هذه الإساءات أصــــحابها ولو بعد حين، وكل لعن يعود عليك في الدنيا ويمتد لما بعدهــــا، فعندما يموت الإنسان الطيب الصالح تبكي عليه الأرض وتبكي عليه كل مواضع سجوده (لله عز وجل)، وتتلقاه ملائكة (بيض الوجوه) باسطة ذراعيها فرحة بلقائه في كل المراحل التي ينتقل إليها في (البرزخ) حيث تفتح له أبواب السماوات الواحدة تلو الأخرى. على عكس الروح الخبيثة أو الشريرة التي تتلقاها ملائكة (سود الوجوه)، وتنفر من لقائها ولا تفتح لها أبواب السماوات وتكون روحه ذليلة حقيرة غير منعمة إلى يوم الدين، كما أن (الظلم من ظلمات يوم القيامة)، فكل كلمة سيئة تخرج من فاهك تسطرها لك الملائكة تسطيرا في سجل أعمالك (بكتفك الأيسر)، فيزيد ذلك من سيئاتك حتى تثقل على كاهلك بذنوب وسيئات قد لا ينتبه إليها المرء كثيرا ولا يعيرها أدنى اهتمام، ولا يتخيل أبدا أنه يسير في هذه الدنيا وقد رجحت كتفه اليسرى على اليمنى لما جناه من سوء و(هباب) ظل يقترفه طيلة حياته من دون أدنى انتباه أو وقفة مع النفس.

وكذلك تحصد أشياء أخرى لا قبل لك بها لضعفك ووهنك، فمن تسيئه تزيد من حسناته وتفتح له الباب (على مصراعيه) بأن يدعو عليك (دعاء المظلوم)، فإن لم يدعو سيصيبك ضرر ما جنيت (لأن الحق لا يضيع أبدا) وأن دعا فتلك هي (الطامة الكبرى) فلربما يصيبك الله (عز وجل) في أعز ما تملك أو تحب ويجعل لك العقاب في الدنيا والآخرة، فحق الناس لا يسقط ولا يمحيه الزمن وإن طال، حتى (الحج) لا يمحيه إلا أن يعفو لك صاحبه، ومن ثم (عذاب القبر) الذي ينتظر (الذين ظلموا الناس في الدنيا)، و(الذين يمشون بين الناس بالنميمة وغيرهم). ثم بعد ذلك تقع في حديث (المفلس) الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وحج وصدقة، لكنه سب هذا وشتم هذا وهتك عرض هذا، فيؤخذ من حسناته لتعطى لمن أساء اليهم حتى إذا نفدت جميعها يؤخذ من سيئاتهم وتعطى له.. وهكذا حتى صار مفلسا (او كما جاء في الحديث)، فيا أخي ويا أختي كلنا خطاؤن و(خير الخطائين التوابون)، فكلنا (ولا استبرأ نفسي) نخطئ لأن النفس أمارة بالسوء. وليعلم الإنسان ما يقوم به من ظلم تجاه الآخرين ينقص من عزته وكبريائه واحترامه لنفسه قبل أن يفقد مكانته عند الآخرين واحترامهم له، وربما فقدان الحجة والمنطق هما ما جعلاه لا يجابه ويقارع (الحجة بالحجة) أو (المنطق بالمنطق)، أو ربما أن التسلط والجبروت جعلاه يغوص في ذلك العالم القميء البائس (الذي ليس له نهار أو ليل) وكل شيء فيه مستباح.

ولنتذكر دوما بأنه أفضل للمرء أن يكون مظلوما لا ظالما، وأن يدرك تماما أنه ليس له حق في تبني امور العباد ليدافع عنهم بشتم الآخرين وسبهم، وإيذاء الغير بالروائح النتنة التي تصدر من حديثه أو خطابه الذي يود أن يسوقه لهم، فهو بذلك ينفر ولا يجذب، ويفرض آراءه بالقوة والسطوة ولا يرضى للآخرين إبداء آرائهم، بل لا يعترف بها أصلا، وهو لعمري أسوأ أنواع التسلط والطغيان والاستحقار ويثير من الاشمئزاز والحنق والسخط ما يثير، ويجعل ما في النفس في النفس، وربما هو أيضا نوع من أنواع العظمة (الواهية) التي يشعر فيها المرء أنه أفضل من الآخرين أو لكأنه وحي مرسل لإنقاذ العباد! ولا يدرك أنه فرد واحد (فقط) في هذه الفانية له مثل الآخرين في (شبر) حينما ينقضي أجله. فلنبدأ من جديد ونحاول مداواة الماضي قدر المستطاع، عسى ولعل أن يخفف ذلك ما ألحقناه من ضرر وأذى للغير، وكي لا نزيد من ظلمنا على الآخرين، ونكرر أن الظلم من ظلمات يوم القيامة، ولا ننسى أن (الكلمة الطيبة صدقة)، وأن الله (طيب) لا يقبل إلا (طيبا)، فكن دوما جميلا ترى الوجود جميلا، واتبع الحكمة القائلة: ‘أزرع جميلا ولو في غير موضعه.. لا يضيع الجميل أينما ذهبا’ و’إن الجميل وإن طال الزمان به.. فليس يحصده إلا الذي زرعا’وأخيرا لننتبه ونعتبر ونتعظ بأن من يزرع (الشوك) لا يجني إلا (شوكا) ومن يزرع الورد لن يجني شوكا، فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وان الكلمة السيئة ستلاحقنا وتطاردنا في الدنيا والآخرة وان حقوق الغير لن تضيع هدرا، وقديما قيل: كن كشجرة الصندل كلما تقرعها الفؤوس تزداد عطرا.. ألا هل بلغت.’ مهندس وإعلامي سوداني يقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية