الشجاعة البطولية بين المقاومة والأمة
د. علي محمد فخروالشجاعة البطولية بين المقاومة والأمةفي خطاب للرئيس الأمريكي لنكولن في أواخر القرن التاسع عشر أكد بأن أمة نصفها من الأحرار ونصفها الثاني من العبيد لاتستطيع تحقيق ذاتها. اليوم، وفي لحظتنا التي نعيش، يجب التذكير بأن أمة نصفها من المقاومين ونصفها الآخر من المستسلمين الخانعين لن تستطيع إخراج نفسها من الورطة التاريخية التي أدخلتها فيها قوي الجنون والدنس في واشنطن وتل أبيب. نذكر بذلك بمناسبة انعقاد مؤتمر شعبي من القوميين والإسلاميين واليساريين والليبراليين في بيروت لدعم المقاومات العربية المباركة في فلسطين والعراق ولبنان.إن الدولة الإمبراطورية الأمريكية الاستعمارية الكبري، ومن ورائها المرتزقة الصهاينة وبعض الأوروبيين وبعض العرب، تضغط بثقل هائل وبابتزاز مافيوي بربري علي كل مكونات تلك المقاومة من حماس في فلسطين إلي حزب الله في لبنان إلي مفخرة العرب الكبري وهي تتباهي في حلة المقاومة في العراق. ذاك الضغط الدموي، وهو يمتص الدم من رقبة الأمة كلها، سيحتاج إلي أن تقاومه كل الأمة بمكوناتها الرسمية والشعبية والمناطقية عبر الوطن الكبير. وهذا مطلب لن يتحقق إلا إذا أوجدنا أسلوباً في العمل السياسي العربي قادراً علي حشد طاقات الأمة المقاومة عند الحاجة لها وإبان الأزمات الكبري التي نعيش واحدة منها في أيامنا هذه. تلك الخطوة تتجاهلها الأنظمة العربية علي مستوي الجامعة العربية ومؤتمرات القمة كما يعرفه الجميع، وتتجاهلها القوي السياسية الأهلية العربية علي مستوي تلاقيها المشترك في مؤتمرات من مثل المؤتمر القومي العربي أو المؤتمر الإسلامي القومي أو مؤتمر الأحزاب العربية. وليس الهدف هو الانتقاص من قيمة وأهمية هذا الجهد أو ذاك التلاقي وإنما التذكير بأن كل تلك النشاطات الرسمية والشعبية لن تجدي لتخفيف ذاك الضغط الدراكيولي المرعب الذي تمارسه الأصولية الأمريكية ـ الصهيونية ومرتزقتها.دعنا نضع الأمر في صورة أخري. إن أفراد المقاومة الثلاثية في الساحات الثلاث يجسدون أروع ماعرفته البشرية من صفات البطولة والشجاعة. إن شجاعتهم لا تمثل فقط تلك القدرة النفسية الفذة علي مغالبة الخوف في النفس البشرية التي نعرفها جميعاً. إذن لما اختلفت كثيراً عن شجاعة البلطجية ومرتزقة المافيا. لكننا هنا نتكلم عن نوع خاص من الشجاعة التي هي في قمة الفضائل البشرية. إنها الشجاعة البطولية التي تضحي بالنفس وتتغلب علي الخوف، لا من أجل تحقيق منافع شخصية ولا حتي من أجل تحقيق حلم أو أمل، وإنما من أجل خدمة الآخرين، من أجل خدمة الأمة كلها. إنها الشجاعة التي تتغلب علي ألف عقبة يخلقها أعداء الأمة كل يوم وهي في سيرها الحثيث دون خوف أو تعب أو تراجع. وهي شجاعة البطولة التي تبقي أسمي وأنبل وأكثر فاعلية من بطولة أولئك الذين يتخيلون معارك وهمية يخوضونها ضد العدو وهم يجلسون في كراسيهم الوفيرة في المقاهي والفنادق والمكاتب.هناك في هذه الأمة من لا يري أي فضيلة في هذه المقاومة. دعنا نذكرهم بقول لأرسطو من أن الشجعان يمارسون الفعل والنشاط باسم الشرف دعنا نذكرهم أيضاً بأن الشجاعة البطولية تتجلي في أوقات القنوط واليأس. دعنا نذكرهم بقول الفرنسي فرنسوا رابيليه من أن القاعدة العسكرية تقول بضرورة أن لايدفع أي جيش خصمه إلي مرحلة اليأس، إذ عند ذاك تطل الشجاعة البطولية برأسها لتقاوم ذلك اليأس. اليوم، هل هناك يأس أكثر من الذي تشعر به الأمة العربية وهي تجابه الهجمة الأمريكية ـ الصهيونية الحقيرة في كل أرجاء الوطن الكبير؟ إن هذا الدفع اليومي نحو القنوط الذي تمارسه علي الأخص أمريكا، يفجٍر البطولة الشجاعة عند نفرٍ عظام في العراق وفلسطين ولبنان. هذا النفر القليل من الأمة، وهو يدافع عن شرف الأمة وينجح في إفشال المخطًط الأمريكي الشيطاني لتفتيت الأمة وامتصاص رحيق كل خيراتها، يستحق من الأمة أكثر من تصفيق وإعجاب. إنه يستحق كسر حاجز الخوف في قلوب الجميع لتمارس الأمة كلها، وليس المقاومة الثلاثية وحدها، شجاعة البطولة.9