د. سعيد الشهابي
ثمة مصطلحات عديدة ارتبطت بحوادث 11 ايلول (سبتمبر) التي مرت ذكراها السادسة هذا الاسبوع، في مقدمتها الارهاب والسياسة الامريكية الخارجية، بالاضافة الي عدد من اسماء الجهات المرتبطة بها بشكل او آخر، اهمها القاعدة و الولايات المتحدة الامريكية و المملكة العربية السعودية. وتميز اسمان اساسيان ارتبطا بها هما أسامة بن لادن وجورج بوش.
هذه جوانب معروفة لا جديد فيها. ولكن ماذا عن المفاهيم الفكرية والايديولوجية والثقافية التي ارتبطت بها؟ ماذا عن التطرف و الاسلام السياسي و تجاوزات السياسات الغربية و الاحتلال و الاستبداد؟ هذه قضايا طرحت كذلك في معمعة السجال اللاحق لتفجيرات نيويورك وواشنطن التي ذهب ضحيتها قرابة الـ 3000 من الامريكيين وغيرهم عندما ضربت طائرات ثلاث برجي مركز التجارة العالمية ومقر البنتاغون. لقد كان يوما غير عادي في التاريخ البشري، تغير العالم من بعده بشكل كبير، وأعاد رسم خرائط العلاقات الدولية والتحالفات والاولويات، وأحدث استقطابات واضحة في مواقف الفرقاء. ولكن بعد مرور ستة اعوام علي ذلك الحدث الرهيب، ما الذي تحقق للاطراف المعنية به بشكل مباشر؟ وبالتحديد تنظيم القاعدة والادارة الامريكية برئاسة جورج بوش؟ بعد الحربين اللتين اسقطتا نظامين في افغانستان والعراق، ماذا تحقق للطرفين؟ وهل حدث تغير استراتيجي في توازن القوي بين الطرفين؟ وبمعني آخر هل تم حسم الحرب ضد الارهاب باتجاه او آخر؟ ام ان الاستقطاب السياسي الذي كان سائدا في العالم قبل تلك الحوادث أصبح أقل وضوحا؟ يصعب طرح اجابات محددة لتلك التساؤلات، لاسباب عديدة: اولها ان من أهم ما ترتب علي تلك الحوادث ما يسمي الحرب ضد الارهاب وهو مشروع امريكي ما يزال مستمرا ويزداد تعقيدا. فاذا كان العالم كله ساحة لتلك الحرب، من اندونيسيا الي القرن الافريقي مرورا بالدول العربية ووصولا الي اوروبا وامريكا، فان اهم مضمارين للسباق في تلك الحرب هما العراق وافغانستان، البلدان اللذان تعرضا لحرب شرسة من الولايات المتحدة اسقطت نظامي الحكم فيهما، واحدثت تغيرا كبيرا في الهوية السياسية والفكرية لدي كل منهما. التغيير جاء بقرار امريكي بحت، وبتدخل عسكري امريكي مباشر. ولكن هل جاءت النتائج السياسية للعمل العسكري الامريكي وفق مخططات البيت الابيض؟ الواضح ان كلا البلدين اصبحا خاضعين لاحتلال امريكي مباشر، الامر الذي يؤدي الي عكس المطلوب تماما من وجهة نظر استراتيجية بحتة. فالاحتلال امر يؤدي الي المقاومة، والمقاومة تتخذ اشكالا من بينها ما يقترب من الارهاب. وفي محاولة للتشويش علي اعمال المقاومة، عمدت جهات سرية لتغيير اتجاه تلك المقاومة، وادخلتها في ازقة ضيقة من الحروب الطائفية والعرقية تارة، والحرب المدنية أخري، والاقتتال الداخلي ثالثة. ويبدو الوضع العراقي الأبشع من بين تلك المشاهد. فهناك مقاومة ضد الاحتلال الانكلو ـ أمريكي، تؤدي الي نزيف متواصل في اوساط القوات الامريكية، ولكن في الوقت نفسه استطاعت جهات خفية تحويل مسار تلك المقاومة باتجاه الحرب الطائفية البشعة التي شوشت كثيرا علي قضية الاحتلال ومقاومته. ولو انحصرت المقاومة بمواجهة الاحتلال لحظيت بدعم اوسع في داخل العراق وخارجه، ولكن انحرافها نحو الاحتراب الداخلي اوقعها في فخ ربما وضعه لها اعداؤها. وليس أجلي من انحراف البوصلة السياسية لدي الفرقاء من زيارة بوش الأخيرة الاسبوع الماضي لمحافظة الأنبار. تلك الزيارة حملت معاني عديدة. فهي خالية من اللباقة الدبلوماسية لانها أكدت غياب السيادة عن العراق. فقد حددت تفصيلاتها من قبل قوات الاحتلال، واستدعي رئيس وزراء العراق لمقابلة بوش ليس في العاصمة، حسب العادة، بل في منطقة اخري اختارها الضيف، وفرضت اجندتها من ذلك الضيف. ومن جانب آخر أوضحت الزيارة وجود شروخات في داخل الوسط السني، كما هو الحال في الوسط الشيعي، وان هناك في ذلك الوسط من يعمل علنا مع قوات الاحتلال، ويستلم الرواتب منه، ويتصدي لعناصر القاعدة. انه مشهد مشوش لا يمكن تحقيق رؤية واضحة من خلاله للتعرف علي حقيقة ما يجري في هذا البلد الممتحن. فالقوات الامريكية في تزايد، ومعها كافة اشكال السلاح، والاموال الهائلة التي تنفق لشراء العملاء وتسليحهم. وقد جاء تقرير بترايوس الذي طال انتظاره ليعبد الطريق لاطالة امد الاحتلال وبقاء القوات الامريكية في العراق، بدلا من مطالبتها بالانسحاب المباشر. ما الهدف من ذلك؟ الواضح ان الولايات المتحدة ذهبت الي العراق علي امل البقاء فيه، وليس من أجل تغيير نظامه واستبداله بـ نظام ديمقراطي فحسب. فلا يمكن اعتبار نظام المحاصصة ديمقراطيا، ولا يمكن ان يعيد الامن والاستقرار للبلد الذي عاني من الحروب الشيء الكثير. الولايات المتحدة تخطط للبقاء في العراق طويلا، ويتجلي ذلك من عدد من الامور: اولها بناء القواعد العسكرية العملاقة بقرارات امريكية وبدون موافقة الحكومة العراقية، وهي قواعد موزعة في انحاء مختلفة من البلاد وتبني وفق مواصفات البنتاغون، وخططها سرية لا تعرف الحكومة العراقية عنها شيئا. وفي اليومين الماضيين أعلن عن قرار امريكي ببناء قاعدة عسكرية جديدة قريبة من الحدود الايرانية للامعان في استفزاز ايران. ثانيها: تشييد اكبر سفارة امريكية في العالم بتكلفة قد تصل الي مليار دولار، وتحتل مساحة علي نهر دجلة تعادل مساحة الفاتيكان، وتتسع لبضعة آلاف من الموظفين، والقوات الامريكية هي التي حددت الموقع وقررت البناء بدون اذن من الحكومة العراقية. ثالثها: ان قوات الاحتلال الامريكية اصبحت تتدخل بشكل اكبر في الشأن العراقي، فتقيم التحالفات مع الجهات التي تريد التعامل معها من سياسيين وزعماء قبائل. وقامت مؤخرا بتسليح مجموعات من القبائل في محافظة الانبار لمواجهة القاعدة، وذلك بعد ان ضجت تلك المناطق من انتشار المسلحين وتوجههم لفرض نمط حياة ديني متطرف علي تلك المناطق، في اطار ما اعلنته عن اقامة امارة العراق الاسلامية. تصرف المسلحين بهذه الطريقة لا يعكس حنكة سياسية او فطنة ودبلوماسية، بل ادخل الخوف في قلوب الناس وشجعهم علي التمرد ضدهم، وذهب بعضهم الي حد التعامل مع الامريكيين لمواجهتهم، الامر الذي ستكون له تبعاته المستقبلية علي نطاق واسع. ورابعها: ان واشنطن اصبحت تملي ما تريد علي الحكومة العراقية، وتمارس كافة اشكال الضغوط اذا لم تتم الاستجابة لطلباتها. وقد شنت في الفترة الاخيرة حملة اعلامية ضد حكومة نوري المالكي، ودفعت بعض الوزراء اما للاستقالة او تجميد ادوارهم في الحكومة لحرمان الحكومة من النصاب القانوني. خامسها انها تسعي لشرعنة ما تريده من العراق بقوانين تفرضها علي الحكومة وتجعل بقاءها مشروطا باقرار تلك القوانين. وفي مقدمتها قانون النفط السيئ الصيت الذي يعوم النفط العراقي ويمنح الشركات الكبري دورا في تحديد سياساته. ويتوقع فرض قوانين اخري لشرعنة القواعد العسكرية، والوجود الامريكي عموما في البلاد. والسؤال هنا: هل تجاوز الامريكيون أزمة المقاومة؟ بمعني هل اصبحت القوات الامريكية قادرة علي استيعاب الخسائر التي تتكبدها بسبب العمليات التي تشن ضدها بشكل يومي؟ هناك سيناريو يقول ان الامريكيين تمكنوا من احتواء التهديدات الامنية التي يمثلها تنظيم القاعدة للمصالح الامريكية من خلال عدد من الاجراءات: اولها انها استطاعت جر القاعدة الي العراق وحصرت انشطتها بالحدود العراقية، وبالتالي أبعدت الاراضي الامريكية والاروبية عن المخاطر. هذا السيناريو ربما حقق نجاحات غير قليلة، ولكنه لا يخلو من الاخطار والخسائر علي المدي المتوسط والبعيد. فقد انتشرت خلايا الارهاب في مناطق كثيرة، وما الاعلان عن كشف خلايا في بلدان اوروبية من بينها ألمانيا تخطط لاعمال ارهابية علي اراضي تلك البلدان الا مؤشر علي صعوبة احتواء الظواهر الارهابية بالطرق التي تمارسها الولايات المتحدة. ثانيها انها استطاعت اشغال القاعدة بصراع داخلي لم يكن في الاساس علي أجندتها. ولهذا الصراع ثلاثة وجوه: الصراع الطائفي ضد الشيعة، والصراع مع الوجودات المسلحة في المناطق السنية، والصراع الداخلي بين مكوناتها، اي بين المؤيدين والمعارضين لحرف بوصلة القتال بعيدا عن الاحتلال. ثالثها ان السياسة الامريكية ساهمت في تخفيف الاحتقان السياسي في العالم العربي، ليس بتشجيع الديمقراطية ولكن بالضغط علي الانظمة لتخفيف مستوي القمع. والواضح ان هناك انخفاضا عاما في انتهاكات حقوق الانسان اذا ما قورن الوضع الآن بما كان عليه في الثمانينات مثلا. مع ذلك فان تراجع واشنطن عن دعم التحول الديمقراطي، وعودتها مجددا لدعم القمع والاستبداد في الدول العربية في مقابل عقود تسلحية عملاقة مع الدول النفطية خصوصا السعودية، من شأنه ان يعيد الوضع الي الوراء، وان يوفر الظروف الملائمة للتطرف والارهاب. هذا يعني ان الوضع في ما يتعلق بالارهاب والحرب ضده قد أكمل دورة كاملة خلال ستة اعوام، وانه عاد الي نقطة البدء من جديد. برغم ما حققه الامريكيون من ضغط علي المجموعات المتطرفة خصوصا القاعدة، فما تزال الحرب ضد الارهاب تواجه صعوبات جمة، وتستعصي علي الحسم. يضاف الي ذلك ان سعي الولايات المتحدة لتحويل وجودها في العراق الي بقاء دائم أصبح يشكل ضغطا ليس علي الامريكيين فحسب، بل علي حلفائهم ايضا. وقد جاء سحب القوات البريطانية من البصرة مؤخرا مؤشرا علي حالة التململ ازاء الاحتلال، وتعمق الشعور لدي البريطانيين بان الاستمرار بالطريقة السابقة يعطي الانطباع بدعم التوجهات الامريكية لاطالة امد الاحتلال غير المشروع. وقد أظهر استطلاع نشرته الخدمة الدولية بهيئة الاذاعة البريطانية (بي.
بي.
سي) الاسبوع الماضي ان أكثر من ثلثي الأفراد في أنحاء العالم يعتقدون ان القوات التي تقودها الولايات المتحدة يجب ان تنسحب من العراق خلال عام. ووجد الاستطلاع الذي أجرته الخدمة الدولية بهيئة الاذاعة البريطانية والذي شمل 23 ألف شخص في 22 دولة ان ربع الذين شاركوا في الاستطلاع فقط يعتقدون ان القوات الاجنبية يجب ان تبقي في العراق الي ان يتحسن الموقف الامني. وقال نحو ثلثي الامريكيين الذبن سئلوا (61 في المئة) انهم يعتقدون ان قواتهم يجب ان تغادر العراق خلال عام وقال 24 في المئة انها يجب ان تنسحب علي الفور. ومن المتوقع ان تزداد نسبة المطالبين بذلك الانسحاب في الشهور والسنوات المقبلة. ولذلك عمد بوش لشرعنة بقاء الاحتلال عبر القوانين المذكورة. ولكن تصاعد رفض الاحتلال لا يعني نجاح النزعات الارهابية، فهناك رفض عام لتلك الاعمال خصوصا بعد ان اصبحت عبثية، تستهدف الابرياء وتؤجج المشاعر وتمزق الامة من الداخل. ولا شك ان التآكل الداخلي أخطر ما تواجهه امة المسلمين اليوم، هذه الامة التي يجمعها الدين واللغة والتاريخ والتراث، تتآكل بشكل جنوني، وتستجيب، في اللاشعور، لاطروحات التطرف والارهاب، وتتورط مكوناتها المذهبية والعرقية في اقتتال بدون طائل. هذه الامة التي تستقبل هذه الايام حلول شهر رمضان المبارك، مطالبة بالتمرد ضد دعوات الاحتراب الداخلي مهما كانت النزعات والدوافع، ومطلوب منها ايضا ان ذلك التآكل انما هو بتخطيط من جهات لا تضمر خيرا لها، بل تخطط للقضاء علي وحدتها وتماسكها وتفقدها القدرة علي الدفاع عن نفسها. في مقابل ذلك يقف الاحتلال، في العراق وافغانستان، وفوق ذلك في فلسطين، شامتا علي حمامات الدم التي تسيل في شوارع بغداد وسواها من المدن العراقية وافغانستان. وحسنا فعل العلماء المشاركون في الموتمر الرابع عشر لال البيت في البحر الميت بالأردن بدعوتهم الي الالتزام بمباديء التقوي والعدل والصلاح والتواد واجتناب الفسوق والظلم والعدوان والفساد والكراهيه، ورفض العنف والتطرف والغلو والعمل علي ازاله مسبباتها لتناقضها مع ما يدعو اليه?الاسلام من سلام واعتدال وسماحة ورحمة وحب. هؤلاء أكدوا علي مفهوم الحب في القرآن الكريم، واهمية ابرازه دينيا وثقافيا وسلوكيا باعتباره الاساس للعلاقات بين العباد وخالقهم، وبين الناس بعضهم ببعض علي اختلاف عقائدهم واجناسهم وثقافاتهم، وانه الترجمة العملية للكرامة الانسانية التي افاء الله بها علي بني آدم. انها دعوات مطلوبة لتقويم المسار بعد سنوات من انحراف البوصلة بشكل أدي الي تفاقم المخاطر وتشجيع الاحتلال للامعان في اذلال الامة واضعاف اهلها. مطلوب بعد ستة اعوام علي حوادث 11 ايلول (سبتمبر) المؤسفة، وفي مناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وقفة صادقة مع الذات، من اجل التقويم والتماسك والاصلاح ومواجهة الاحتلال والظلم والاستبداد، بعيدا عن التطرف و الغلو والارهاب. 9