«الشجرة المباركة»… بهجة السينما الفلسطينية بحصاد الزيتون

تتجلى روعة السينما التسجيلية في التقاطها لملامح الحياة وتفاصيلها، وإدراكها للقيمة المضافة للأشياء والأحداث والشخصيات، وتتبلور القيمة بصفة خاصة في وعي السينما الفلسطينية، بأهمية الواقع اليومي والموسمي لبلد يعيش مواطنيه تحت وصاية المحتل قسراً وجبراً، فتُستنهض بفعل الظرف القاسي الهمم والعزائم، ويأخذ الإبداع فيه شكلاً نضالياً، لتبقى الحياة طوعية وسلسة، رغم الحصار والدمار والموت العابر على كل الجسور.
تلك هي الصورة الإبداعية التي تحرص السينما المقاتلة على توثيقها ونقلها ليعرف القاصي والداني أن هناك معادلا آخر للاحتلال والحصار، يكشف عن الجوهر الحقيقي الذي خلفته الأزمة من غير الحديث الدائم عن القتلى والجرحى وعناد المقاومة، حيث تدخل السينما إلى العمق الفلسطيني، لتُطلعنا على ما لا نراه في نشرات الأخبار والتغطية الإعلامية.
فيلم «الشجرة المباركة» واحد من أوجه الإبداع الاستثنائي الخاص، لسينما تتحدث بلغة الصورة أكثر مما تعتمد على لغة الحوار التقليدية، في عرض ما تنجلي عنه الحقيقة في الواقع المعاش في الأراضي المحتلة، فهو يتخذ من موسم حصاد الزيتون محوراً رئيسياً لحالة يراها سعود مهنا كاتب السيناريو والحوار والمخرج، مناسبة قومية تستأهل الفرح والاحتفال، ومقاماً عالياً لبطولة الشعب الفلسطيني بكل طوائفه وثقافاته، متمثلاً في بقاع الضوء التي يشملها الكادر السينمائي، فنرى من خلاله لوحة الحصاد الموسمي للأشجار المباركة التي تحمل لؤلؤ الزيتون، وقد تدلت عناقيده كأنها ثريات تضوي تحت الشمس فتُزيد من الإحساس بقيمة الثمرة والشجرة، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، بوصف معظم يليق بها، كشجرة مباركة «زيتونة» يكاد زيتها يضيء، وهو الوصف الذي استلهم منه الكاتب والمخرج عنوان الفيلم، ليبين الدلالة والمعنى من المسمى الإلهي للشجرة، التي نبتت في الأرض الطيبة، فأنتجت وأثمرت وكان لها الوجود التاريخي الراسخ على مر العصور والدهور.
وتتسع دائرة التعبير ويعدد سعود مهنا كاتباً ومخرجاً، معطيات الصورة الإبداعية في فيلمه التسجيلي المهم من الناحية الموضوعية، فنراقب خطوات جمع محصول الزيتون، بدءًا من قطف الثمار وحملها في السلال، كجواهر يحرص الرجال والنساء على العناية بها، إلى خطوات التعبئة المبدئية لإيداعها في أماكن التخزين المخصصة، وخلال مراحل القطف والحمل والتعبئة، تتعالى أصوات النساء الفلاحات، ليصدحن بالغناء والزغاريد في فرحة غامرة بالعيد الموسمي، وقد توافد معظمهن بصحبة أزواجهن وأولادهن من القرى القريبة لحدائق الزيتون للمشاركة والاحتفال.
وتسجل الكاميرا بالصوت والصورة في الفضاء الأخضر الموحي بالنماء والبهاء والبقاء ما تُنبئ به الحقيقة بغير زيف، من جماليات الموقع والمحتوى والمعنى الآني والتاريخي للحدث، في تباهٍ بالنعمة المهداة من الله لتمييز الأرض الفلسطينية كبقعة غالية، يتجدد فيها الخير، وتتزايد فيها ثروات الحبة الصغيرة التي تُستخرج منها فوائد كثيرة للناس، فتُصبح مثالاً للكفاية الإنتاجية على اختلاف النوعيات والمشتقات الطبيعية والصناعية، وتلك إحاطة معلوماتية يتضمنها الفيلم، وترد على لسان الفلاح الفصيح، بطل الرؤية السينمائية الذي تحدث عن الأرض والشجر والحجر والبشر، بإعتزاز وحماس، وجاء حضوره راويا، معززاً للماهية والشكل وكل الأبعاد التي يشير إليها الفيلم، إذ تحدث الرجل بعفوية متناهية عن طقوس الاحتفال بيوم الحصاد، وهو يضع براد الشاي على «بكرج» النار في انتظار غليانه، ليتولى بنفسه توزيع كؤوس الشراب الشعبي الساخن على العاملين معه، بعد الانتهاء من تناول وجبة الغداء البسيط، المكون من الفول والزعتر والليمون وحبات الطماطم الطازجة، في ملمح ذكي، أراد المخرج أن يجعله خلفية دالة على الواقع البسيط لأبناء الأرض الطيبين وحماة ثروتها وتراثها.
وتضاف القيمة الأكثر أهمية في خطاب الفلاح الفلسطيني الأصيل للرؤية التسجيلية لتدعم سياقا آخر يختص بالمرجعية الوطنية والسياسية والنضالية، التي شب عليها ذلك الفلاح وآمن بها، وهي أنه لا مكان لمحتل على أرض تُروى بعرق أصحابها ومُلاكها الأصليين، وإنه مهما طال أمد الاحتلال وأجله فهو إلى زوال، وإن غداً لناظره قريب.. عبارة قالها البطل وهو ينظر إلى الكاميرا، موجهاً كلامه إلى العالم، لتصل رسالته البليغة مباشرة إلى كل المعنيين بالأمر.
وفي كل مراحل الفيلم يربط السياج الموسيقي بين كل الوحدات والمشاهد، فتتصاعد النغمات الصادرة عن الآلات الوترية الحساسة لتغذي الإحساس بوقع الحالة البانورامية المؤثرة، وتضعها في بؤرة الوعي الكامل للمشاهد .

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية