تعدّ الأنثى من أفضل المعالم الاجتماعية، التي تتجمع لديها الموروثات البيولوجية، وأنماط السلوك الاجتماعي، فضلاً على أنها وسط اجتماعي حساس، يجتذب إليه إشعاعات الشعور الجمعي، ومن ثم يعكسها على جو الرواية، وسط اهتماماتها وأبعادها الفنية والموضوعية…
إنّ مفردة الأنثى أعمق دلالة من مفردة المرأة، إذ تأخذ الأولى صفة العموم التي تفتقر إليه الثانية، وهي أيضاً تعطي بعداً تكاملياً لوصف المرأة، كما نجد عند ابن منظور في قوله: ‘يقال: هذه امرأة أنثى إذا مُدحتْ بأنها كاملة من النساء، كما يقال: رجل ذكر إذا وصف بالكمال’.
في رواية صبحي فحماوي بعنوان (عذبة) تعد شخصية ‘عذبة’ المحورية، من أهم الشخصيات الأنثوية، لما تمتعت به من صفات جعلتها رمزاً وطنياً، بل تحول هذا الرمز إلى وطن، إذ تماهت بالوطن، وتجسدت فيه، وتجلى ذلك في رؤية البطل عماد المنذر، كما ذكرنا في بداية الفصل.
وقد ظهرت شخصيات أنثوية، بأبعاد ومستويات مختلفة في الرواية، فهناك الجدة والأم والزوجة والخالة والعمة، وهي مظاهر يمكن أن تغطي جوانب مختلفة من حياة المجتمع الفلسطيني، وما عانته الأنثى الفلسطينية من جراء الاحتلال، فهناك شخصية ‘أم فرحات’ التي دافعت عن أطفالها الثلاثة، داخل مغارة بجوار قرية الرينة، كانت قد اختبأت بها بعد مقتل زوجها مدافعاً عن بيته، إذ يهاجمها ثلاثة مجندين، ويدور بينها وبينهم حديث يظهر ساديّة الصهاينة، ووحشيتهم، فيقول لها أحدهم: ‘نخنُ بصراخة، نريد أن نخلّصكِ من الطفل الأشقى، كي (نريخكِ) من عذابه ونكده، ونبقي لك طفلين، (ترخلين) بهما إلى بلاد العرب’، فتمسي (كالحمامة التي طلب منها الثعلب أن تسقط له فرخاً من فراخها)، إذ تعيش مع أطفالها لحظات رعب تنتهي بدخول عناصر من جماعة عز الدين القسام، وقتلهم المجندين الصهاينة داخل المغارة. إذ يرسم الروائي فحماوي في خلال هذه القصة – صورةً تجسّد بشاعة المحتل الصهيوني، ومعاناة الأم الفلسطينية، أمام هذه البشاعة.
وهناك شخصيات الإناث الفلسطينيات اللائي بُقرت بطونهن، بحراب المجندين الصهاينة، وهم يتراهنون على ما في بطونهن من ذكر أو أنثى، إذ يقول القائد للمجندين: ‘ابقروا بطونهن، كي لا يلدن أولاداً أو بناتاً، يعلمن أولادهن الانتقام لمجزرة دير ياسين’ فيمارسون عملهم البشع بدم بارد، وباستهزاء ووحشية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ‘كانوا يتصرفون بمزاج رائق’.
وظهرت شخصيّات أنثويّة بأنماط مختلفة، فمنها ‘الأنثى المحافظة’ و’الأنثى الساقطة’ في مهوى الرذيلة، وهي أنماط يمكن أن توجد في أي مجتمع، ولا تنطوي على خصوصية فنّية في بناء الشخصية الأنثوية في هذه الرواية، فهي صور عامة لا تلفت الانتباه، وربما يكون سبب ذلك أن الرواية اهتمت بالجانب التعبوي السيري، وأهملت جوانب فنيّة في العمل، إذ مثّلت بانوراما شاملة للوضع الفلسطيني في مدة زمنية معينة، جسّدها المتخيل الروائي .
أما الشخصيات الأنثوية في رواية صبحي فحماوي ‘حرمتان ومحرم’، فإن معظمها، ما عدا شخصيتي ‘ماجدة’ و’تغريد’ – وكنا قد تحدثنا عنهما في مبحث سابق (الشخصية الرئيسة)- أوردها السارد، ليكشف لنا عن الكبت الذي تعانيه الأنثى في مدينة الواحة، ذلك الكبت الذي يشكل دافعاً قوياً، يدفعها إلى الانحراف الأخلاقي، ساعيةً بذلك إلى الثأر لأنوثتها المكلومة، بخيانة الرجل المستمرة لها، من جهة، ومن جهة أخرى تعويضاً عمّا تفتقده من حاجتها إلى إشباع غريزتها، التي لا تنالها من زوجها الخائن، الذي تعطيه الأعراف والأنظمة والتقاليد، سلطةً مطلقةً، بينما تحرم الأنثى من هذه السلطة، فتحاول الحصول عليها من غيره، بأسلوب الخيانة الزوجية، مثلما نجده لدى أم شيخه ‘جواهر’ التي يظهرها السارد محتشمة وذات شخصية متزنة، ثم يظهرها على أنها تمارس الجنس مع سائقها الفلبيني..ويظهر ذلك أيضاً في ما نجده لدى شخصية ‘أم حصة’ وشخصية ‘أم وزرة’ اللتين تكشفان خيانة زوجيهما لهما، فتعالج كل واحدة منهما الأمر بطريقتها الخاصة، وكذلك في ما ترويه الطالبة ‘حفصة’ لتغريد من قصص، عن الانحلال الأخلاقي الذي يمارسه الرجال في تلك المنطقة، ومعاكساتهم الطالبات والمعلمات فيها.
وتتوزع الشخصيات الأنثوية في روايته ‘الحب في زمن العولمة’ على نمطين: الأول منهما الأنثى الساقطة في أحضان رأس المال، ويمكن أن ندعوها الأنثى العولميّة، والثاني: الأنثى المحافظة على قِيَمِها وأخلاقها، التي شكّلت المعاكس للنمط الأول…تمثِّل النمط الأول شخصيات، مثل ‘مها’ التي تقوم بدور عولمي، محلّي، عرّابةً للهوى، متوسلةً ذكاءها الحاد، إذ تتعامل مع الموضوع بمستوى رفيع من النظافة، ومع مجتمع راقٍ، وترفض ممارسة العنف، فكل شيء يتم بالرضا بين الطرفين، وهي تعمل مع الشواوي، إذ يعتمد عليها في تقديم نساء للمسؤولين، لإنجاز القرارات التي يحتاجها، وحل المشكلات العالقة، مقابل عمولة تحصل عليها من الشواوي، ومن المسؤولين أيضاً. هؤلاء النساء بمثابة الرشوة التي يقدمها الشواوي عن طريق مها للمسؤولين…لكن الشخصية الأبرز في هذا النمط، هي شخصية ‘رهام’ التي تقوم بأدوار فاعلة ومساعدة ومساندة للرجال العولميين، لكنها لا تصل إلى مستوى الرجل الأول، على الرغم من شراكتها لهؤلاء الرجال، فتظل تتأرجح بين أن تكون ظلاً لرجل، أو مشاركاً في عمل تجاري، وهي تتبنى قيم العولمة، فلم يقف أمامها محرّم أو ممنوع، أو مكان أو زمان، وما الحب لديها سوى سلعة تتداولها بحسب حاجتها. هذه الأنثى تخسر كل شيء، وتخسر حياتها في النهاية، وهي في أوج نشاطها العولمي، في غش الناس، وممارسة النشاطات القذرة.
وترِدُ في الرواية أيضاً لوحة النساء الثريات اللائي يعمل بعضهن في شبكات السوق السوداء، غسيل الأموال، والجلوس في مقهى فاخر بانتظار أن يؤتى إليهن برجال ليمارسن معهم الحب، مقابل ما يدفعن لهم من أجور، لنشهد من خلال هذه النماذج من النساء، ما أفرزته العولمة من حالات التفسخ والانحلال في المجتمع…أما النمط الثاني، فتمثله على نحو واضح وجلي، شخصية ‘ثريا’ ابنة الشواوي، هذه الشخصية تشكل مفارقةً في سياق النظام الأسري الذي تعيش وسطه، فهي إنسانة نقية، لا تؤمن بالعولمة، ولها مبادئها وقيمها الإنسانية النبيلة التي تؤمن بها وتدافع عنها، والحب لديها عاطفة إنسانية رفيعة وسامية، لا تحكمها المصالح المادية، كم هو شأن النساء العولميات.
وتشكل الشخصية الأنثوية، في رواية ‘قصة عشق كنعانية’ حضوراً بارزاً، ومكثفاً، وهي جميعاً شخصيات من الأسطورة، وقد وردت هذه الشخصيات بأنماط مختلفة، فمنها الأنثى العذراء، التي تمثلها الإلهة ‘عناة’ ومن هنَّ على مذهبها، ومنها الأنثى البغي المقدسة، التي تمثلها الإلهة ‘عشتار’ ومن هنَّ على مذهبها أيضاً، ومفهوم البغي المقدسة، لا يتعارض مع طهارة هذه الشخصيات ونقائها في الرواية، بل إن عشتار هي ربة الجمال والحب والخصب الكنعانية ‘ولقد نقل الإغريق أسطورة عشتار هذه، فكانت إلهتهم أفروديت، وما يقابلها عند الرومان الإلهة فينوس ربة العشق والجمال’، وواضح أن الإلهة عشتار هي نفسها في الحضارة البابلية العراقية، فهما وجهان لعملة واحدة، لذا فليس من السهل التفريق بين عشتار وعشتروت.
إنّ معظم الشخصيات الأنثوية، في هذه الرواية، جميلة، لكننا نلاحظ أن هناك مقاييس جمالية رسمها السارد، فشخصية ‘ذات اللآلئ’ جميلة الشكل، وساحرة الجمال، إذ يأتي وصفها على لسان السارد ‘طويلة شقراء ضامرة البطن، وثوبها الطويل المشقوق من الجانبين، والذي ينحسر عن نهديها المتكورين فوق صدرها العاجي الطري مثل كرتي قشطة، وكفلها المتمايل يمنة ويسرةً، كقاعدةٍ مكتنزة لجسدها الطويل الممشوق، وكتفيها النحيلين’، لكن سلوكها يظهر في منتهى البشاعة، فهي تريد كلَّ شيء لنفسها، في حين تقتل كل ما هو غيرها، إذ تنطوي على نرجسيةٍ عالية حدّ المرض، وبأسلوب سادي تحث الملك ‘ابن داجون’ على اضطهاد شعبه، وتجويعهم، وجعلهم عبيداً يركضون خلفه، ويسعون إلى خدمته مرغمين.
وفي رواية صبحي فحماوي بعنوان ‘الإسكندرية 2050’ تظهر شخصيات أنثوية، يتحدد زمنها ومكانها غالباً في الإسكندرية القديمة، تستحضرها ذاكرة السارد ‘مشهور’، لكونها تتعلق بذكرياته القديمة في هذه المدينة، ومن هذه الشخصيات شخصية ‘أم عربي الأنفوشية’ صاحبة الشقة الأولى التي سكنها ‘مشهور’ عند وصوله الإسكندرية، ويأتي وصفها على لسان السارد، على النحو الآتي: ‘وأم عربي امرأة أنفوشية، من أهالي رأس التين، تلبس ملاية لف، وتضع على أنفها خماراً من الخيوط السوداء، على شكل شبكة الصيادين، وفوقه حلقة خشبية أسطوانية صغيرة تشبه طُعم صنارة الصيد. ويبدو الخمار معبراً عن عادات وتقاليد ومعالم وجه امرأة بحرية، ابنة بلد، إذ تُظهِر الشبكة فمها وذقنها المدقوق بوشم نساء البلد، وكأنه رأس سمكة بلطية قد كممتها الشبكة واصطادتها، فمنعتها من المرور. إنها جمالية بلدية قديمة لافتة للنظر’، هذه الأنثى تمارس دور الأم لمشهور، إذ تحاول أن تضعه على المسار الصحيح، وسط ما يراه من عادات وتقاليد جديدة عليه في الإسكندرية…وهناك شخصية ‘نادية’ ابنة أم عربي، وهي فتاة مراهقة تتقرب من مشهور وتحاول إثارته جنسياً، إذ يجدها مرةً لدى عودته من الكلية نائمة، أو تتظاهر بالنوم في فراشه’ تعود من الكلية وتدخل غرفتك، فتفاجأ بمشاهدة نادية الجميلة نائمة ببراءة وأمان ودعة على سريرك. تراقب رقّتها وجمالها ووجهها الحالم، وهي تتمدد بهدوء في سريرك، وتتظاهر بالتغطية بلحافك، بينما يكشف الغطاء عن ساقيها المدملجتين، الغضتين الحنطيتين، ويظهر ما بينهما من مثيرات فائقة للشهوة’، فيدخل في صراع مع نفسهِ، أيَسقط عليها مقبلاً هذه المفاتن الجسدية التي تشعل غريزته الجنسية، أم يقف متأمّلاً هذه المفاتن الساحرة، لكن التابو ووصايا الجدة تلاحقه وتنتصرُ على جوعه الجنسي، فيقوم بطردها من الغرفة مُهَدداً إيّاها بأنه سيلقي بها من الشباك إنْ وجدها مرة أخرى، ويظل هذا الموقف يلاحقه طيلة حياته، وعندما يزور هذه العائلة ليودعهم تقول له ناديا: ‘لقد كنتُ مثل القطة المغمضة، وكنتَ قاسياً بلا قلب’.
إنّ الخصوصيات ودقائق التفاصيل التي تناولها كاتبنا، وخصوصاً معالجاته لقضية الجنس، كنشاط بشري إنساني، تبرز الجرأة التي يتحلى بها هذا الكاتب في طرحه لقضايا مهمة تخص المجتمع، وهي ـ برأينا- ظواهر موجودة فعلاً، ولا يمكن التغاضي عنها في الكتابة الأدبية، ولاسيما الروائية، فليس هناك تيار متصل بالحياة ‘يندفع داخل الإنسان أقوى مما يفعل الجنس، وربما في بعض الحالات هو العنصر الأول الذي يبني ويهدم’
ولذلك يكشف لنا فحماوي عن مظاهر اجتماعية وسلوكية مختلفة تتميّز بها الشخصيات، ونلاحظ أن الشخصيات الأنثوية اللائي وجِدْنَ على أنهنَّ بائعات هوى، لم يمارسن الحرام لذاته، وهنَّ ينطوين على إنسانية عالية والتزامٍ أخلاقي تجاه أسرهنّ والمجتمع الذي يعشن به، لكن الظروف المادية والاجتماعية هي التي أجبرت قسماً منهنَّ على الانحراف السلوكي، مثلما نجد لدى شخصية المرأة التي طردها زوجها السكير، وهي جارة مشهور، فطلبت من أم عربي إجارتها، لكنها رفضت خوفاً من المشاكل، فنزلت المرأة إلى الشارع، وبعد أن أنهكها البرد والسهر في الشارع اصطادها أحد أصحاب الملاهي، واصطحبها إلى شقته، وقام بتخديرها بمشروب خاص، فسلمت نفسها إليه، وبعدها لم يعد بمقدورها العودة لزوجها وأطفالها فأجبرت على العمل كمقدمة للمشروب، وبائعة للهوى، إذ يسرحها صاحب الملهى بعد انتهاء الحفلات مع زبائنه مقابل ثمن.
ومثلها أيضاً شخصية ‘عفاف’ التي يجدها مشهور في شقة صديقيه، راغب الشريقي وسرحان، فيدعوانه لممارسة الجنس معها، لكنه يماطل، ثم يغادر الشقة فجأة، بتأثير تربيته الأسرية المحافظة، هذه الأنثى بائعة هوى، لكنها تحمل في داخلها هموماً كبيرة، فوالدها يكاد يفقد شقته، تحت وطأة الديون، وهي مجبرة على أن تبيع جسدها، لتحلَّ قسماً من مشاكل عائلتها المادية التي قصمت ظهرها، وجعلت سلوكها منحرفاً وشاذّاً، فهي لا تمارس الجنس لأجل اللذة والمتعة، وإنما لجني المال الذي سينقذ عائلتها من الضياع.