الشخصية المفككة بين الدولة الأمنية والدولة البوليسية

حجم الخط
0

الدولة الأمنية تفكك شخصية الفرد وتدعة يعيش وفق متطلباتها، بينما الدولة البوليسية، تمارس العنف ضدها. الدولة الأمنية تفسد المجتمع، بينما الدولة البوليسية تعتقله وترمي به في السجون. الدولة الأمنية طويلة الأجل، بينما الدولة البوليسية عرضة دائما للرحيل. معظم دولنا العربية، دول أمنية وليست دولا بوليسية، تعيش على إفساد المجتمع وتفكيك شخصية المواطن وإذعانه لها طائعا. الدولة الأمنية معنية بالتاريخ وتستخدمه لوظيفتها، الدولة الأمنية معنية بالدين وتوظفه لأغراضها، بينما الدولة البوليسية، دولة مباشرة تعتني بإحداث الأثر الجسدي لتخويف الناس من الخروج عنها. انسان الدولة الأمنية يفقد القدرة على التساؤل لأنها تفكر بدلا عنه بعد أن سلبت عقله واحتوته بشكل أو بآخر. التلقين العقائدي المدروس الذي تمارسه تجعل من الصعوبة للملاحظ اكتشاف الفرق بين من يدعي الولاء لها حبا أو خوفا منها. التاريخ لديها تتناوله من ملعقة معقمة مليئة بفيتامينات دينية وأسطورية تؤكد اختيارها واصطفاء قادتها الالهي. هي تقوم على إفساد البنية الداخلية للفرد وتدمير الذات الى درجة العجز عن التصرف بإسلوب مستقل. إنسان الدولة الأمنية يشعر دائما بأنه أمام كمين وأن هناك من يترصد لهن وتأثيرها السيكولوجي الافسادي كبير وخطير، بل وأعنف من الايذاء الجسدي الذي تمارسه الدول البوليسية الآفلة. إن قال ‘نعم ‘ فهو في حيرة وإن قال ‘لا’ فحيرته أكبر كذلك. كل شخص فيها يعرف عن المعتقلات الكثير وعن التعذيب الكثير وعن السجون وما فيها من ترويع، هي من يساعد على نشر ذلك من أقاويل وإشاعات، هي تخترع اللامعقول لتشل العقول وتمنعها عن الخروج من دائرة إفسادها. هي تقوم على ضبط حركة الفرد من خلال الاحياء له بأنماط سلوكية معينة، فالتجمهر دليل على الخروج عن الامام مثلا، أو ولي الأمر، وفي مجتمع آخر نجد أن الضحك في الأماكن العامة غير محبذ أو يعد استهتارا، ‘لدى طالبان’ زرع عدم الثقة بين الافراد ديدنها وأساس طبيعتها والحيطان جنودها المجندون. الدولة الأمنية ليست بالضرورة مخططا حديثا، قد تكون إرثا تاريخيا تطور سلبيا ليصبح كذلك. هي في سباق مع الزمن، يعتريها التفكك كما نرى في عالمنا العربي الآن إلا أن درجة ايحائها لايزال مختلفا من بلد لآخر، قد يبدو الوضع في ليبيا واليمن تصالحيا معها بشكل يعيدها لحجمها الطبيعي أو يخلص المجتمع منها نهائيا، بينما في مصر تبدو الترشيحات المسبقة لشخصيات بعينها قبل استكمال البنية الديمقراطية فيها من إرثها القائم على أن النجاة في ما قبل وليس في ما بعد. الإشكالية ليست في الدولة الأمنية اليوم كمفهوم ولكن في ما أنتجته من شخصية شكوكية خائفة، ترى ما لم يَظهر في الأفق، وتسمع ما لم يُهمس به بعد.

عبد العزيز الخاطر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية