تضج صحفنا العربية الأسبوعية واليومية منها، بمقالات عن سورية وعن دورها المميز في حماية الشعب العربي الفلسطيني، وعن واحة الديموقراطية السورية، وعن المتآمرين عليها وعلى كرامتها وسيادتها ومواقفها، عابرين إلى روسيا مادحين إياها بمصطلحاتٍ أعادتنا نصف قرن إلى الوراء إلى أيام لينين وستالين، وكيف أن روسيا تدافع عن الحقوق العربية والأراضي العربية، حتى خُيِّل لبعض العرب أن روسيا قد تغير أسمها إلى ‘الجمهورية العربية الروسية المتحدة’، أو أن الفيتو الروسي الذي بقي في درج المصالح مواربًا عليه منذ ستينيان القرن المنصرم، قد تحرك فجأة لــ ‘عيون بشّار الزرق’ أو للدفاع عن الإسلام أو النصارى والذود عنهم.
أوليست روسيا 2011 2012 هي نفسها روسيا القرن الـعشرين، أوليست نفسها روسيا التي أبادت المسلمين في الشيشان إبادة جماعية؟! أوليست نفسها روسيا التي أغلقت الكنائس مناديةً بقيامة الطبقة العاملة بدل قيامة المسيح؟! أوليست نفسها روسيا التي تخلت عن جمال عبد الناصر في حرب الأيّام الستّة؟! أوليست هي روسيّا التي ألغت صفقة صواريخ أس300 المتطورة لإيران بناءً على طلب إسرائيلي قبل عامين؟! أليست هي روسيا أول من أقام علاقات ديبلوماسية مع العصابات الصهيونية التي استولت على فلسطين عام 1948؟!
فلماذا هذا الإندفاع منقطع النظير تجاه السياسات الروسية؟ وأي شيء يحضر له الديبلوماسيون المخضرمون في روسيا، فلا دعم روسيًا بالمجان، ولا صداقة أيضًا بالمجان. إن أهمَّ ما تطمح اليه روسيا ايجاد موطئ قدم لها في الشرق الأوسط الجديد، الذي ما أن قامت له قائمة، حتى كفر بالتوازنات الإستراتيجية القديمة، وبدا ذلك جليًا حين كان الموقف الروسي الداعم لثوار مصر متأخرا جدًا على الرغم من العلاقات الفاترة التي جمعت مصر حسني مبارك بروسيا ميدفيدف، في حين بادرت الولايات المتحدة الأميركية إلى الطلب من الرئيس المصري حسني مبارك التنحي مع أن مبارك هو الكنز الإستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكنز الإستراتيجي الأهم من ‘إسرائيل’ نفسها. وبعد تهمييش الدور الروسي في الثورة الليبية والتدخل إحادي الجانب من قبل الناتو، قررت روسيا أن تثأر لكرامتها خصوصًا بعد خسارتها للشاري الأبرز لسلاحها مجنون ليبيا – معمّر القذافي.
وبدا جليًا، جلاء شمس آب، أن الإسلاميين سيصلون إلى السلطة في مصر وروسيا متأكدة 100% أن الأخوان المسلمون سيقطعون العلاقات بإسرائيل عند أول فرصة تسنح لهم (لن يكون الأمر فوريًا – فحتى هتلر لم يلغِ اتفاقيات فرساي مرّة واحدة)، واحتمال كبير بوصول الربيع العربي إلى الأردن أيضًا، وفي الحالتين المصرية والأردنية فإن العلاقات مع الإحتلال هي العامل الأبرز في السياسة الخارجية. إن أخوان الأردن لن يترضون بعلاقات مذلّة ولن يصمتون على القتل في غزة ولبنان وعلى الإعتقالات في الضفة، كعدم رضاءهم عن أمل إسرائيل وطموحها في توطين الفلسطينيين في الأردن.
وانتقل الربيع العربي إلى سورية، وبدت العصابة السورية الحاكمة في قلب الإعصار، تبحث عن دعمٍ خارجي، حتى وإن وصل الأمر لطلب لمساعدة الولايات المتحدة الإميركية نفسها، فالذي يتحالف مع نوري المالكي الذي صنعته أميركا لا يجد حرجًا في التعامل مع الشيطان نفسه.. وهنا تطفو المصالح الروسية على الوجه.. هل روسيا مستعدة للتخلي عن زبون آخر لسلاحها؟! هل ستخسر روسيا قاعدتها في طرطوس؟! وهنا طلبت روسيا التدخل في سورية، الحفاظ على النظام السوري ومنع سقوطه، وإطالة أمد الأزمة عن طريق المراهنة على إضعاف الثوار السوريين، أو تجميعهم في منطقة واحدة فحاولوا في حماة وحمص كما يحاولون الآن في دمشقَ وحلب ومن ثم الإجهاز عليهم مرة واحدة. وها هنا تتدخل روسيا مرة أخرى، لتدعو الأطراف المتنازعة في منطقة الشرق الأوسط لمؤتمر سلام في موسكو، وذلك طبعًا بعد التوتر في العلاقات بين مصر والأردن وإسرائيل، وهنا يظهر المخلص ‘بشار الأسد’ بطل الحرب وبطل السلام، زعيمًا قاد الأمة العربية للخلاص من التكفيريين والقاعدة.. وها هنا أيضًا ستظهر موسكو بمظهر راعية السلام الدائم الشامل، بعد فشل المراهنات الأميركية على أوسلو وكامب دافيد ووادي عربة. ولا عجب على بشّار الأسد أن يدخل في مفاوضات السلام مع إسرائيل فهو إبن حافظ الأسد بطل مدريد، وصاحب شعار سلام الشجعان.
ستظهر روسيا في نهاية الأزمة إن صحّت المخططات الراعي الأساسي للسلام في العالم، وعلى الأخوة في الكوريتين الإستعداد للقادم. وعلى روسيا أن تخجل من نفسها لأن مخططها سيفشل ومعها مخططات إسرائيل والولايات المتحدة.
ديار نصّار بيرن