إن استماتة الإدارة الأمريكيّة في تدويل اغتيال الحريريّ صورة أخري مشوّهة للشّرعيّة الدوليّة التي أصبحت آلة الكبار لتدجين صغار الدّول والهمم في زمن كشّرت فيه القوّة عن أنيابها لتسحق ما سواها. ولئن كان التّحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري مطلبا شعبيّا ودوليّا يتجاوز آل الحريري وأنصارهم وحلفاءهم القدامي والجدد فانّ سير الأبحاث بدأ يخرج عن مألوف التحرّيات والتحقيقات المماثلة التي أشرف عليها مجلس الأمن ليتحوّل إلي هرولة سيّئة الّنيّة لإثبات تهمة القتل والتخطيط والإشراف علي طرف بعينه حوصر في زاوية يستهدفه مسلسل هجوم هوليوديّ، متعدّد الرؤوس تحرّكه الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة تذكّر العالم بأجواء ما قبل الحرب علي العراق، ثم تنسحب فاسحة المجال لبعض الأطراف اللّبنانيّة التي اكتوت بنار المخابرات السوريّة المهيمنة عقودا علي السّاحة اللّبنانيّة في تبادل للأدوار مستفزّ ومشبوه، إذ من غير المنطقيّ أن تكون هذه الأطراف جاهلة بمخطّطات القوّة العالميّة العظمي لإعادة توزيع الأوراق في المنطقة بما يقطع مع مخلّفات الحرب الباردة ويقضي نهائيّا علي كلّ ما يعوق الانصهار في النظام العالميّ الجديد. وهي تبحث عن عرّاب جديد أو تيّاس ينضاف إلي قائمة كارازاي لفرض حقائق جديدة علي الأرض تسوّق علي أنّها مطالب شعبيّة وطنيّة، وعلي هذا النّحو يتحقّق التناغم الهجين بين الاستعماري و الوطني وبين صانع الأكذوبة و الباحث عن الحقيقة. والضّحيّة دائما هي الشّرعيّة الدوليّة التي لم تعرف انتكاسة كالتي تشهدها هذه الأيام ومعها الدّول الضّعيفة التي انحصر دورها في أن تكون طريدة يتمطّط في اتّجاهها القوس بالقدر الذي يسمح به حرس الشّرعيّة الدوليّة.
ولا جدال في أنّ اغتيال شخصية سياسيّة بحجم رفيق الحريري لا يمكن أن يمرّ دون أن يحدّد الجاني ويكشف عن أسرار هذا اللغز المثير. ولكنّ المحيّر في المسألة أنّ الولايات المتحدة ـ مدعومة بحلفائها في مجلس الأمن ـ تريد أن تستبق التحقيق بتوجيهه نحو مسار واحد متعمّدة إلغاء فرضيات أخري قد تدعمها الوقائع.
والأغرب من كلّ هذه الهرولة، الحجج التي بها وجّهت الشكوك نحو سوريّة وحوّلتها إلي تهم ثابتة الطاعن فيها كالطّاعن في الشّرعية الدولية. ومن مدعّمات ملفّ عزل سوريّة إبرازها في صورة الدّولة الاستعماريّة التي خنقت لبنان. وأوّل ما ارتكزت عليه هو أن حدثا بهذا الحجم لا يمكن أن يتمّ دون علم المخابرات السورية.. نعم المخابرات السورية كانت مطّلعة إطّلاعا تاما علي ما يجري في لبنان وكذلك أجهزة المخابرات الأمريكيّة في كل دول العالم، فكيف عجزت هذه الأجهزة عن إحباط عملية اغتيال كيندي!! ؟ وكيف تجاوزتها الأحداث ذات يوم من سبتمبر؟ هل كانت علي علم بما حدث ولم تحرّك ساكنا فتكون بذلك متواطئة بصمتها؟
وهل يمكن أن توجّه أصابع الاتّهام إلي الادارة الأمريكيّة بتهمة أنّ ما حدث علي أراضيها لا يمكن أن يقع دون علم أجهزتها؟ محمّد الصالح مجيّدتبلبو ـ تونس6