الشرع ينتهج سياسة “صفر مشاكل”: رسائل طمأنة في كل اتجاه… والعبرة في التنفيذ

رلى موفّق
حجم الخط
0

يسعى قائد إدارة العمليات العسكرية في سوريا، أحمد الشرع، الذي يعرفه العالم بأسره بكنيته “أبو محمد الجولاني”، إلى طمأنة الداخل والخارج حيال الكثير من الهواجس والمخاوف، منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري. يخضع مع كل إطلالة أو مقابلة إعلامية، إلى ما يُشبه الاستجواب. فالرجل الآتي من خلفية إسلامية متشددة، والمتربي على فكر تنظيم “القاعدة” ومؤسِّس فرعها في سوريا تحت مسمى “جبهة النصرة” ماضيًا قبل تحوُّلها في 2017 إلى “هيئة تحرير الشام”، يُشكِّل قلقاً من أن يكون هدفه، في نهاية الأمر، إقامة حكم إسلامي، رغم ما يبديه من “براغماتية” تجاه حقوق الأقليات، وإشارته المتكررة إلى أن أحداً لا يستطيع أن يلغي الآخر، وأن الدستور والقانون سيكونان الفيصل والحَكم.
يُوزِّع الشرع، المدرج وتنظيمه على قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية، رسائل التطمين بأن سوريا ليست أفغانستان، وأن المجتمَعَين يختلفان. لا مشكلة لديه مع تعليم المرأة التي تُشكِّل 60 في المئة في جامعات إدلب، المنطقة التي تقع في شمال غرب سوريا والتي أدارها عبر “حكومة إنقاذ” مدَّت سلطتها اليوم إلى دمشق. لا يقدِّم جواباً شافياً عن مآلات الحريات الفردية والشخصية، وعن الكحول ومدنية الدولة. أثار الكلام السلبي للمتحدث الرسمي للإدارة السياسية التابعة للحكومة المؤقتة عبيدة أرناؤوط عن دور المرأة في مستقبل سوريا انتقادات ومخاوف في آن، ما حدا بالإدارة السياسية إلى احتواء الموقف بالإعلان عن تعيين عائشة الدبس مسؤولة عن مكتب شؤون المرأة، لتكون أول سيدة تشغل منصباً رسمياً في الإدارة السورية الجديدة.

سوريا منهكة

لا يستفز الشرع اللاعبين الدوليين والإقليميين من أمريكا وإسرائيل إلى روسيا وتركيا والخليج وحتى إيران. يُشير إلى أن سوريا منهكة، وليست في وارد الحرب مع الإسرائيليين، ولن تُشكِّل سوريا خطراً عليهم. يرى أن لتركيا الحق في حماية أمنها القومي، حيث يطالب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” التي تسيطر على شمال شرق البلاد تحت النفوذ الأمريكي، بالانفكاك عن “حزب العمال الكردستاني”. ينأى “الجولاني” بنفسه عن قتال الأكراد في “عين العرب” شمال البلاد، ويتولى المهمة “الجيش الوطني السوري” الموالي لأنقرة. يترك باب الحوار مفتوحاً مع “قسد”، لكنه يؤكد على وحدة سوريا وضرورة حل كل الفصائل وانضوائها تحت جناح الدولة. وهو يعرف جيداً أن النهوض بسوريا يتطلب استعادة مواردها، ذلك أن الثروة النفطية والغذائية والمائية كامنة في ثلث البلاد الواقع تحت سيطرة “الأكراد” الذين أداروا حكماً ذاتياً في مناطق سيطرتهم، ويريدون الحفاظ على شكل ما من الإدارة الذاتية. يُشير إلى بقاء القواعد الروسية حالياً في الساحل السوري، وأن المسألة ستكون خاضعة لمحادثات بين البلدين في المستقبل.
يُحاكي “الجولاني” دول الخليج من بوابة أمنهم الاستراتيجي الذي “أصبح أكثر أمناً وأماناً، لأن المشروع الإيراني في المنطقة عاد 40 سنة إلى الوراء”. يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بقوله: “إن الثورة السورية انتهت مع سقوط النظام، ولن نسمح بتصديرها إلى أي مكان آخر، ولن تكون سوريا منصة لمهاجمة أو إثارة قلق أي دولة عربية أو خليجية مهما كان، ونسعى إلى بناء علاقات استراتيجية فاعلة مع هذه الدول”. يغازل المملكة العربية السعودية “التي وضعت خططاً جريئة جداً، ولديها رؤية تنموية نتطلع إليها أيضاً”. ويحاول طمأنة لبنان بأن لا أطماع لـ”سوريا الجديدة” فيه، وأنها ستكون على مسافة واحدة من الجميع. أدى سقوط الأسد إلى انسحاب “حزب الله” من سوريا وإلى قطع طريق الإمداد من طهران إلى بيروت، الأمر الذي أفقد إيران الحلقة الاستراتيجية في “المحور”. وحرَّكت رمزية “الجولاني” مشاعر الشارع السُّني، ولا سيما في الشمال اللبناني الذي دفع شبابه ثمناً باهظاً من الملاحقات والاعتقالات بتهم “الإرهاب” والانتماء والتعامل مع “جبهة النصرة” و”داعش”.

رفع العقوبات الأوروبية

الأوروبيون يريدون أفعالاً لا أقوالًا. ويراقبون إن كان “القائد الجديد” سينفِّذ وعوده. إنْ فعل، فسيُسهم ذلك في تحريك آليات رفع العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا. في واقع الأمر، يطمح الرجل منذ سنوات إلى رفع اسمه و”هيئة تحرير الشام” عن “لوائح الإرهاب”، ويعتبر أن هذا التصنيف سياسي وغير عادل وساوى بين الضحية والجلاّد. كانت الولايات المتحدة تخصص جائزة بعشرة ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات عن “الجولاني” تساعد في اعتقاله، فتمَّ إلغاؤها، بحسب ما أعلنته مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط باربرا ليف التي زارت مع دبلوماسيين آخرين دمشق يوم الجمعة (20 كانون الأول/ ديسمبر) والتقته، ناقلة إليه “أن واشنطن تريد أن ترى أفعالاً وليس أقوالاً فقط، وأنها تدعم عملية سياسية تتضمن حكومة تشمل كل السوريين بما فيهم الأقليات والمرأة”. تتطلب إعادة اعمار سوريا مراجعة العقوبات المفروضة على سوريا، كما يحتاج شطب “الجولاني” و”هيئة تحرير الشام” من “قوائم الإرهاب” إلى خطوات عملية للدفع نحو الانتقال السياسي الهادئ وتبديد القلق من حكم متشدد دينياً لا يراعي خصوصيات التركيبة المجتمعية السورية.
تحدثت ليف عن “رسائل إيجابية” للشرع تضمنت تعهداً بمحاربة الإرهاب. ويُشير مراقبون إلى أن مقاربة إدارة دونالد ترامب ستركز على مكافحة تنظيم “داعش” الذي لا يزال موجوداً في البادية السورية، وبالتالي سترفض أي خطوة سياسية سورية توثر على هذه الاستراتيجية. كما وستكون الإدارة المقبلة أكثر انفتاحاً من الإدارة الحالية على موقف تركيا حيال مناطق سيطرة الأكراد المحاذية لحدودها، والوجود العسكري الأمريكي في شرق الفرات ومستقبل الدولة السورية.
يردد الشاب الأربعيني، المتمتع بـ”الكاريزما”، أن الثورة ليست انتقامية، وأن العفو سيشمل كل مَن لم تتلطخ يداه بدماء السوريين، إلا مرتكبي الفظائع في المعتقلات والسجون، والذين قاموا بالتعذيب والتجويع وقصف المواطنين بالبراميل المتفجرة وبالكيميائي. يدرك أنه لا بدَّ من تفكيك الحرس القديم وبناء الجيش والمنظومة الأمنية من جديد، لكن هذا لا يعني أن التحديات ليست كبيرة، فنظام قائم منذ 52 سنة على قوة البطش ومتجذر في إدارات الدولة وفي المؤسسات الأمنية والعسكرية، لن يُسلِّم بسهولة ومنْ معه منَ الحلفاء. فالمخاوف الناشئة عن إمكان تحريك خلايا أمنية لإحداث إرباك داخلي وقلاقل واللعب على وتر الأطياف السورية وعرقلة الانتقال السياسي هي مخاوف واقعية، خصوصاً أن الأسئلة تطال كيفية تعاطي روسيا وإيران اللتين مُنيتا بهزيمة، بعدما تدخلتا عسكريا لإنقاذ حكم الأسد.
يسأله محاور قناة الـ”بي. بي. سي” عمّا إذا كان اللقاء في قصر الأسد القديم يوحي بأنه سيكون الرئيس المقبل؟ فيجيب بأن الحديث سابق لأوانه، لكن الرجل ليس مؤسِّس جمعية خيرية، بل لديه طموحات سياسية، ونجح في صقل شخصية هادئة وتقديم نفسه على أنه جزء من “الثورة” التي اندلعت قبل 14 عاماً، وأسقطت نظام الأسد البعثي من خلال قيادته لعملية “ردع العدوان” من الجيب الإدلبي المُحرر.
يُشكِّل الشرع اليوم “سلطة الأمر الواقع”. سينعقد المؤتمر الوطني الجامع للسوريين، وفق ما وعد، من أجل وضع دستور جديد للبلاد والاتفاق على صيغة الحكم وتجهيز البنية التحتية للانتخابات، لأن “من حق الناس أن يختاروا من يحكمهم ويمثلهم”. لكن المراقبين، وبعد 15 يوماً من سقوط النظام، لا يرون في المشهد السوري سوى “الجولاني” ورجاله، فيما المطلوب من “كيانات الثورة” في الخارج أن تعود إلى الداخل وتتحمّل مسؤولياتها في بناء “سوريا الجديدة” التي ستسلك طريقاً شاقة، وستنعكس في نجاحها، كما إخفاقها، على دول الجوار والمنطقة برمتها. كانت “سوريا الجديدة” قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 حلماً للسوريين بعيد المنال، وستكون بعد هذا التاريخ أمام امتحان “القيامة” واحدة موحدة، مدنية منفتحة، تتسع لكل الموزاييك السوري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية