الشرق الأوسط تحت المظلة الأمريكية مع نتنياهو أو بدونه

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

فشلت إسرائيل للمرة الرابعة في اختبار التصالح السياسي، فلا الذين أرادوا التخلص من نتنياهو نجحوا في إقناع العدد الكافي من الناخبين، ولا نتنياهو استطاع الحصول على أغلبية تؤهله مع حلفائه لتشكيل الحكومة المقبلة. المدن الكبرى مثل تل أبيب وحيفا صوتت لليسار والوسط، القدس والمستوطنات صوتت للأحزاب الدينية. الدروز والروس صوتوا لليبرمان. المدن والقرى العربية صوتت للقائمتين. أما مدن وقرى الجنوب فكانت من نصيب نتنياهو، هنيئا له.
هذا الفشل يعكس استقطابا حادا ناحية اليمين، وعنادا وصل إلى حد الحماقة في عدم الاعتراف بحق الصوت العربي في المشاركة في عملية صنع القرار من داخل الحكومة. ولن تستطيع إسرائيل التغلب على هذا الفشل ما لم يتصالح المجتمع مع نفسه، ويعترف بحق الفلسطينيين داخل إسرائيل في المشاركة السياسية الكاملة. الأزمة الناتجة عن هذا الاستقطاب قد تفرض انتخابات خامسة بعد عامين، لكن تلك لن تكون الحل كما يقول يوسي بيلين.
ونظرا لأن التطورات السياسية في إسرائيل تمتد آثارها إلى الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط ككل، فإن الانتخابات العامة تقترب من أن تكون شأنا محليا في البلدان المجاورة، خصوصا مع التغيرات التي نشأت بعد الانتخابات الأمريكية، التي فقد فيها نتنياهو حليفه الرئيسي في الولايات المتحدة والعالم. وتتباين مواقف الحكومات العربية من الانتخابات، وهي تكره التغيير، وتسعد لفشلها في تحقيق ذلك، باعتبار أن الفشل هو دليل على فشل الديمقراطية، وأن الديمقراطية مرض لا تريد لمواطنيها أن يصابوا به!
ومع أن نتيجة الانتخابات لم تمنح نتنياهو ترخيصا بتشكيل الحكومة المقبلة، فإنه ما يزال زعيم أكبر حزب سياسي في الكنيست، كما أنه يتمتع بقدرة فائقة على إقامة التحالفات، الأمر الذي يعني أنه قد يكون رئيس الوزراء المقبل، في حكومة ائتلاف انتقالية قد لا تستمر طويلا. ومع ذلك سوف يظل نتنياهو مهددا بضرورة التخلي عن منصبه خلال محاكمته بالرشوة وخيانة الأمانة، نظرا لإصرار النائب العام الإسرائيلي على ذلك بسبب وجود تعارض في المصالح بين كونه متهما وكونه رئيسا للوزراء. وفي الوقت نفسه فإنه ليس من المستبعد ان تتوصل أحزاب اليسار والوسط إلى صفقة مع زعيم حزب «يمينا» نفتالي بينيت للمشاركة في حكومة ائتلافية لا يقودها نتنياهو.

قضايا عالقة في انتظار الحل

وسوف تكون الفترة المقبلة مليئة بالقلق السياسي في الشرق الأوسط بشكل عام، نظرا لتراكم عدد من القضايا العاجلة التي هي في حاجة إلى الحل. ومن أمثلة ذلك التسوية السياسية للقضية الفلسطينية وما يرتبط بها على الجانب الأردني، والتسوية السياسية للحرب الأهلية في سوريا، والأمن في الخليج والبحر الأحمر، والموضوع النووي الإيراني، والاتفاق على ترتيبات توزيع ثروة النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى كيفية التعامل مع انعكاسات الحرب الباردة الجديدة على العلاقات بين المنطقة والعالم. في كل هذه القضايا تلعب إسرائيل دورا مباشرا أو غير مباشر، ومن ثم فإن التغيرات التي قد تطرأ على الإدارة السياسية فيها ستترك أثرها على الدول العربية.
ولبحث تأثير نتائج الانتخابات الإسرائيلية على الدول العربية، فإنه يتعين التمييز بين نطاقين من مجالات العلاقات الثنائية والإقليمية. النطاق الأول هو الذي لن يتأثر، وسيستمر العمل بآلياته الموجودة مع تطويرها، ويشمل ذلك اتفاقيات التطبيع، ونفاذ إسرائيل إلى المنظمات الإقليمية أو منصات التعاون الإقليمي مثل عضويتها في منتدى البحر المتوسط للغاز. أما النطاق الثاني فإنه يشمل المجالات التي من شأنها أن تؤثر على الاستقرار الإقليمي مثل «الترتيبات الدفاعية» وموضوع التسوية السياسية للقضية الفلسطينية. وسواء عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة هذه المرة أم لا فإنه من المستبعد حدوث تغييرات في داخل النطاق الأول، حيث أن الإدارة الأمريكية الجديدة ملتزمة بتشجيع اتفاقيات التطبيع وتوسيع نطاقها لتشمل دولا أكثر، وصولا إلى إقامة نظام إقليمي مستقر تحت المظلة الأمريكية، يتسق مع أهداف سياستها الخارجية والدفاعية. كما أن الولايات المتحدة ستستمر في تشجيع انضمام إسرائيل والدول العربية إلى مؤسسات إقليمية مشتركة في مجالات التنمية الاقتصادية وغيرها، بحيث تنتفي حقيقة أن إسرائيل هي جسم غريب في المنطقة.

تعديل الرؤية وتغيير الأسلوب

أما النطاق الثاني الذي سيتأثر بتوجهات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فإنه سيكون مفتوحا لـ«تعديلات» في الرؤية و«تغييرات» في «أسلوب التنفيذ» وفقا لصيغة لم يتم التوصل إليها بعد بين واشنطن وتل أبيب، تراعي طموحات إسرائيل الإقليمية بدون الإضرار بثلاثة متغيرات، الأول هو المصالح الأمريكية الإقليمية والعالمية، خصوصا وأن نطاق الحرب الباردة يتسع يوما بعد يوم. والثاني هو ضمان تحقيق الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، خصوصا أن عددا من دول المنطقة (مصر والأردن والعراق والسلطة الوطنية الفلسطينية) بدأ يتحرك في اتجاه تكوين محور سياسي إقليمي جديد للدفاع عن مصالحها في مواجهة ما يمكن وصفه بـ «النزعة الامبريالية الإسرائيلية» في منطقة الخليج. هذه النزعة تعززها عودة نتنياهو، ويقلل منها تشكيل حكومة جديدة تمثل تحالف اليسار والوسط. أما المتغير الثالث فإنه يتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية وضرورة إنجاز تسوية سياسية على أساس حل الدولتين. وفي هذا السياق فإن الولايات المتحدة تستند إلى دعم تيار يهودي يعتبر عدم إقامة دولة فلسطينية تهديدا للطابع اليهودي للدولة، وأساسا لنشوء دولة ثنائية القومية، وهو ما لا يريد هذا التيار حدوثه. كما أن هذا التيار يعرف أيضا أن إقامة دولة فلسطينية في غزة وجزء من أراضي الضفة الغربية، لن يمثل تهديدا لدولة إسرائيل حيث أن الفلسطينيين سيعتمدون اعتمادا ثقيلا على إسرائيل والأردن ومصر، ولن تتوفر لدولتهم مقومات البقاء والاستمرار بدون ذلك.
موضوع التسوية على أساس حل الدولتين يتطلب من وجهة النظر الدولية الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية من شأنها أن تؤدي إلى زيادة صعوبة وتعقيد إمكانيات التوصل إلى حل على الأساس المقترح الذي يتبناه ويؤيده المجتمع الدولي. وفي هذا السياق فإن الحكومة الإسرائيلية المقبلة، سواء كانت بقيادة نتنياهو أو لابيد أو غانتس أو جدعون ساعر، ستخضع لضغط دولي، بما في ذلك من الولايات المتحدة، للكف عن التوسع الاستيطاني، والدخول في مفاوضات، أعرب الفلسطينيون عن استعدادهم للمشاركة فيها، من أجل رسم حدود الدولة الفلسطينية الجديدة ووضع قواعد علاقاتها مع جيرانها. ومع أن المفاوضات لن تكون سهلة، ولن تتم بسرعة، وسوف تستغرق وقتا طويلا، إلا أنها تمثل من وجهة النظر الدولية الطريق الوحيد لأن تعيش إسرائيل في أمان وسط محيطها الإقليمي. ومع ذلك فإن تشكيل حكومة بقيادة نتنياهو من المرجح أن يسفر عن محاولات للتسويف وإضاعة الوقت والتنصل من المسؤوليات، للتهرب من الالتزام بقبول قيام دولة فلسطينية، حتى لو كانت منزوعة السلاح وكانت عاصمتها هي مجرد مكتب وعلم في قرية صغيرة ضمن الحدود الإدارية للقدس.

الأزمة مع الأردن

تداعيات مثل هذا الموقف، ستنعكس سلبا على علاقات إسرائيل بالمملكة الأردنية الهاشمية، التي تبحث الآن عن حلفاء إقليميين لمواجهة السلوك الإسرائيلي، الذي وصل إلى حد الغرور والاستعلاء في واقعة منع الأمير الحسين بن عبد الله الثاني من عبور جسر اللنبي لزيارة المسجد الأقصى، وهو الإجراء الذي رد عليه الأردن بمنع بنيامين نتنياهو من دخول الأردن لركوب طائرة كان قد أرسلها حاكم أبو ظبي والتوجه لزيارة الإمارات. في حال عودة نتنياهو فإن العلاقات بين الأردن وإسرائيل من المحتمل أن تلتهب أكثر وأكثر، وهو ما يترك أثرا سلبيا على أمن إسرائيل من وجهة النظر الأمريكية، التي تعتبر الأردن حاجزا شرقيا بين إسرائيل والعراق. ومن المعروف أيضا أن الأردن يلعب دورا محوريا في التحالفات العسكرية والسياسية التي تديرها الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما تجلى في حرب تحرير الكويت وغزو العراق والحرب على الإرهاب. وتعكس واقعة منع ولي العهد الأردني من زيارة المسجد الأقصى صراعا مكتوما بين الأردن وإسرائيل ناتجا عن محاولة الأخيرة تهميش دور الأردن في إدارة وحماية الأوقاف الإسلامية والأماكن المقدسة لصالح المملكة السعودية، وأيضا بسبب عزم إسرائيل ضم مستوطنات غور الأردن في إطار صفقة ترامب.

الحلف العسكري مع الخليج

من الموضوعات الشائكة في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط غموض الرؤية بشأن نظام الدفاع الإقليمي، وهو النظام الذي كان قد انهار مع حرب السويس، ثم انسحاب بريطانيا من قواعدها شرق السويس من الخليج العربي إلى سنغافورة. وقد أدت تطورات سريعة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي إلى تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، واتسع هذا الوجود كثيرا مع غزو العراق والحرب العالمية على الإرهاب. وتلوح في الأفق منذ بداية العام الحالي ملامح استراتيجية أمريكية جديدة تجاه الشرق الأوسط، تنسحب بمقتضاها القوات الأمريكية تدريجيا، على التوازي مع قيام إسرائيل بدور أكبر في النظام الدفاعي الإقليمي. هذا التوجه الجديد يحاول علاج عدد من التشوهات التي تعرضت لها السياسة الدفاعية خلال سنوات حكم ترامب، بسبب التسرع في الانسحاب من سوريا، والانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران، ولجوء إسرائيل إلى تضخيم التهديد الإيراني للخليج، وهو ما أدى إلى انفجار سباق تسلح إقليمي وحروب بالوكالة تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة تمضي بحذر إلى صياغة الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للشرق الأوسط، في تنسيق واضح بين الكونغرس وبين البنتاغون، لضمان استقرار المنطقة واحتواء التهديد الإيراني. ومع أن الخطوط العريضة التي أعلنها جوزيف بايدن بخصوص استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، ومسؤوليات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ما تزال غير كاملة وغير واضحة بما فيه الكفاية، حتى الآن، فإن البنتاغون ينفذ على الأرض في الشرق الأوسط مجموعة من التعديلات الجوهرية، تكشف عن بعض ملامح النظام الدفاعي الأمريكي الجديد للشرق الأوسط. ويتولى الجنرال كينيث ماكينزي قائد القيادة الوسطى للولايات المتحدة تنفيذ هذه التعديلات تحت إشراف وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، الذي سبق ماكينزي في القيادة الوسطى خلال الفترة من 2013 وحتى 2016 خلال فترة حكم الرئيس أوباما.
وربما أدركت الإدارة الأمريكية الجديدة أن ترك نتنياهو يتصرف طبقا لأهوائه مع مجموعة من سياسيي مواقع النفوذ في دول عربية، سوف يؤدي إلى المزيد من الصراعات وعدم الاستقرار في المنطقة، في وقت تشتد فيه مخاطر الحرب الباردة ويتسع نطاقها. ولذلك فإن النظام الدفاعي الجديد للشرق الأوسط سيكون تحت القيادة الأمريكية، وبتنسيق مع إسرائيل، لكن بدون الاخلال بمصالح حلف الناتو والمصالح العالمية للولايات المتحدة.
وفي الظروف الراهنة يتردد بقوة في الولايات المتحدة أنه لا يجوز لدولة تحصل على مساعدات أمريكية، أن تمارس سياسة تهدد المصالح الأمريكية أو تتعارض مع سياساتها الخارجية والدفاعية. وهذا يعني أنه سواء جاء نتنياهو أو لابيد أو غانتس أو ساعر على رأس الحكومة المقبلة، فإن الولايات المتحدة لن تسمح بقيام تعارض بين الاستراتيجية الإسرائيلية والاستراتيجية الأمريكية، مع استمرار التعهد الكامل بضمان التفوق الإسرائيلي الساحق على جيرانها في المنطقة. وهو ما يعني دفاعيا أن إقامة «ناتو إقليمي» أو «تحالف عسكري أمريكي- إسرائيلي- خليجي» سيكون تحت المظلة الأمريكية، بعيدا عن أهواء نتنياهو، حتى لو كان هو رئيس الحكومة المقبلة في إسرائيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية